رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أن يصبح النسيان وسيلة للتذكر

هبة عبد الستار

هل يمكن أن نتذكر ما ننساه من خلال النسيان نفسه؟ أليست المعرفة لصيقة بالتذكر والذاكرة التى نحتفظ بها؟ وما هى القراءات التى ننساها أو نتناساها؟ وهل فعلا نملك القدرة على النسيان، أم أنه اعتام مؤقت نتعمده بلا وعى لحفظ ما نرغب فى تذكره بعيدا عن الضوضاء الخارجية؟ كيف يؤثر ذلك على تعريف علاقتنا بالقراءة وبما نقرؤه؟ ..تساؤلات يحاول الإجابة عليها عبدالسلام بنعبدالعالي،المفكر والفيلسوف المغربى (٧٧عاماً) فى كتابه الجديد«قراءات من أجل النسيان»، الصادر عن منشورات المتوسط، فى محاولته لاستكشاف كيف يمكن للنسيان أن يكون وسيلة للتذكر وكيف يتحول إلى عملية لإنتاج المعرفة .

 

يقترح بنعبدالعالى فى بداية كتابه بأن ننسى النسيان، ليصحبنا بعدها إلى مكتبات الفلاسفة والاقتباسات، وتعلم الفلسفة، وتقويض التاريخ، والعلم المفكر، والتقنية، والكتابة، والحياة، والترجمة، والبطء، والمشي، واللغة. لنصل أخيرا إلى نسيانها وربما نسيان الكتاب نفسه، الذى يقدم مجادلات عن قدرة وأهمية النسيان فى صياغة الفلسفة والمعرفة.، متحديا المسلمات ليجعلك تفحص زوايا مختلفة من آليات عمل عقولنا خلال عملية النسيان وإنتاج المعرفة مقدما إياها كثنائية ترتبط كل منها بالأخرى فى إطار تمجيده للنسيان وتأثيره ، مقتبسا من ابن منظور نصيحة أبو الحسن خلف الأحمر الشهيرة لأبى نواس التى طلب منه فيها حفظ ألف بيت من الشعر ثم نسيانها حتى يستطيع نظم الشعر، وكأن المعرفة هنا تأتى من قدرة المرء على التعرف على ما نسيه أو بالأحرى ما اعتقد أنه نسيه.

لكن ماذا يحدث عندما يفقد المرء القدرة على النسيان؟ يحيلنا عبدالسلام إلى قصة “فونيس أو الذاكرة” للكاتب الأرجنتينى خورخى بورخيس عندما روى بورخيس حكاية شاب فقد القدرة على النسيان على إثر سقوطه عن حصانه، حيث لم يُصب أرينيو فونيس بفقدان الذاكرة، وإنما بفقدان النسيان، فيصف ما يمكن أن يواجه المرء من مآس بسبب فقدان النسيان وعبء التذكر فيصبح المرء غير قادر على التوقف عن التفكير ومن ثم يصبح غير قادر على أن يفكر جيدا وتتكون لديه مشاعر تدفعه للشعور بأنه أصبح يملك الواقع بجميع جزئياته. بل كأنه يمتلك قدرة جبارة على استعادة أحلامه بتفاصيلها كلها لدرجة أن تزاحم الذكريات بجزئیاتها المفصلة كان يحول بينه وبين إعادة ترتيبها، فيعترف لبورخيس: «إن ذاكرتى يا سيدي، أشبه ما تكون بركام من النفايات «.ووراء وهم التمكن من الواقع والسيطرة على جزئیاته يكشف لنا بورخيس: «أشك أنه قادر على التفكير. « ففى عالم فونيس الممتلئ لا وجود إلا للجزئيات والتفاصيل التى تكاد تكون مباشرة بينما التفكير هو تناسى الاختلافات الجزئية، والتعميم والتجريد، والقدرة على الانتقاء والاختيار والتصنيف وأخذ المسافات، وتلك الأمور كلها يعجز عنها فونيس الغارق فى بحر المعلومات الجزئية والتفاصيل الدقيقة. وكأن من لا يستطيع النسيان لا يستطيع التفكيرأيضا.

وهو ما يحاول إثباته بنعبدالعالى خلال تتبعه لقراءات بعض الفلاسفة وكيف أثر نسيانهم على إنتاجهم الفكرى رغم إسقاطهم ونسيانهم لما أنتجه الرواد قبلهم، معتبرا أن إغفال بعضهم عمدا لقراءة أعمال المفكرين والفلاسفة المهمة دفعهم لاستكشاف زوايا مختلفة من المعرفة أسهمت فى بلورة أفكارهم وفلسفتهم العظيمة، مستشهدا بقول الفيلسوف الفرنسى جيل دولوز “ الفيلسوف ليس لديه احتياطى فكري، إنه يقرأ من أجل الخروج و الانفصال، وليس من أجل شحن ذاكرته وتكديس المعلومات وتحصيل المعارف، بل من أجل النسيان!”

يرى بنعبدالعالى أن إنسانا لا يملك القدرة على النسيان، هو إنسان حكم عليه بأن يرى فى كل شيء صيرورة متواصلة، وأن هذا الإنسان لن يؤمن حتی بوجوده الخاص، ولن يؤمن بذاته. وسيرى كل شيء قد انحل إلى ما لا نهاية، وسيضيع وسط هذه الصيرورة الجارفة، مؤكدا أن كل فعل يقتضى النسيان، مشددا على «أنه من الممكن للمرء أن يعيش حياة سعيدة، من دون حاجة إلى ذاكرة، شأنه شأن الحيوان، إلا أنه من المستحيل عليه أن يعيش من غير نسيان.»

 

وأخــــيرا؛

يتمسك المفكر المغربى بـ»القراءة الحية» التى لا تخضع للنص بل تتوقف لاستكشاف ما وراءه من أفكار وعلاقات، وهذا لن يتحقق سوى باكتشاف القارئ أن هذا النوع من القراءة لا يرتبط بالتذكر وشحن الذاكرة بالمعارف ليتحول البشرإلى آلات تخزين للمعلومات بل من خلال فعل النسيان وما ينتج عنه من معارف جديدة تخرج القارئ من متاهة التذكر والاختزان إلى تلك القراءة الحية.

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق