رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غروب وشروق

محمود رمضان الطهطاوي

اجتاحتها فرحة غامرة سيطرت على كل كيانها، وهى تشعر بفشعريرة جميلة تغزو جسدها النحيل ، وهى تتخيل «سالم» الأخ الأصغر الذى كانت تحمله فى حضنها الصغير ، وتجلس به أمام الدار تلاعبه وأمها مشغولة بصنع الطعام وقضاء حوائج البيت،وهى طفلة صغيرة لم تأخذ حقها من اللعب بعد كأقرانها .

كم سيفرح عندما تحضر له «زينب الدلالة» الجاكيت الصوف التى كلمتها أمها عنه، وطلبت منها مائة جنية مقدما والباقى بالتقسيط على عشرة أشهر.

دست يدها فى جيبها تتحسس المائة جنيه الذى أخذتها سلفة من صراف مزرعة الدواجن التى تعمل بها ، بعد أن توسط لها كبير العمال الحاج محروس الذى ذهب لصاحب المزرعة وترجاه فوافق على مضض، والذى قال له وهو يشيح بيده :

دى آخر مرة ياحاج ، متخليش العمال يقرفونا، القبض آخر الشهر، متعودهمش على الشحاتة .

قبضت بحنو على الورقة المالية وهى تداعبها بأناملها الصغيرة التى قست عليها الحياة وزادتها خشونة .. وكأنها تهدهدها وهى نائمة فى جيبها ، والسيارة نصف نقل ، تتأرجح فيتمايل الركاب المكدسون فوقها شمالا وجنوبا ، وشرقا وغربا ، وهى تمرق على الطريق الإسفلتى المتآكل، وهم يؤنسون رحلتهم اليومية بالثرثرة فى أمورالحياة وحكاياتها القاسية معهم ، بعد أن أنهكم التعب من العمل طول اليوم بمزرعة الدواجن .

ابتسمت بنت الرابعة عشر وهى تتذكر شيئا ما جال بخاطرها ، فهمست لنفسها ، نعم سأطلب من أمى أن تطلب من الدلالة أن يكون الجاكيت أحمر بلون جاكت «حسين فهمي» فى أحد الأفلام التى شاهدتها على قناة «ماسبيرو زمان» فى يوم الجمعة الفائت ، لما لا ، سيكون جميلا على «سالم» وهو قريب الشبه من «حسين فهمي» بعينيه الملونتين، أمى قالت إنه العرق يمد لسابع جد، كان جد والدها وجهه أبيض كالحليب وبعيون ملونة .

اقتربت السيارة من المعدية، زغرد قلب « شروق» وسمعت دقاته التى تكاد تخرج من قلبها الصغير وتغطى على صوت السيارة الزاعق بموتورها الخشن، وهيكلها المتآكل .

هانت بمجرد أن نعبر مياه النهر، لن تمر عشر دقائق وأكون فى المنزل ، أعطى النقود لأمى لتذهب على الفور للدلالة ، لتشترى الجاكيت لسالم، سأذهب معها لأختار اللون والمقاس، ونأخذ معنا سالم، سيفرح كثيرا بالجاكيت، سيكون مثل «حسين فهمي» فى الفيلم، لا، سالم أجمل بكثير.

همست لنفسها ، ومازالت تداعب بأناملها الورقة النقدية .

اهتزت المعدية فجأة ، وشعر من على السيارة بأنها تميل بهم ، توالت الصرخات ، وتكوم الجميع فوق بعضهم ، وما هى إلا لحظات حتى غاص الجميع فى الماء.

وهى تغوص فى الماء، أدخلت يدها فى جيبها، وقبضت على الورقة النقدية بقوة، وبالأخرى تصارع المياه التى احتضنتها بحنو.

روحها التى تحلق حولها، وتزيح من حولها الحشائش والأسماك التى تدنو من وليمتها، ويحزنها وجع أمها المتقرفصة على شط النهر بأوجاعها وحزنها القاتل فى انتظار الجسد الهارب فى النهر من تلك الأيادى التى تبحث عنه ، والمعدات التى تعكر صفو مياه النهر، كأنها تأبى أن تسلم جسدها لهؤلاء، سبح الجسد هاربا من كل هذا الوجع، سابحا فى النهر بعيدا .. بعيدا.

تتألم الروح المحلقة حول الجسد بعد أن غادرته وهى تسمع توسلات الأم ونحيبها على ابنتها وتطلب منها الخروج لها، لتودعها لمثواها الأخير بجوار جدها الذى يشبه « سالم».

ظلت الروح محلقة حول الجسد الغارق فى المياه فى هذا الجو القارص، وهو يهرب من الجميع ، حتى شاهد من يشبهه ، صياد بسيط بجسد نحيل مثله .. يبحث عن رزقه فى وسط هذا البرد الشديد، فدنت الجثة من شبيهها، فانتشلها من النهر.

عندما فحصوها عثروا فى يدها اليمنى على المائة جنيه قابضة عليها بقوة.

----------------h

محمود رمضان الطهطاوي



اجتاحتها فرحة غامرة سيطرت على كل كيانها، وهى تشعر بفشعريرة جميلة تغزو جسدها النحيل ، وهى تتخيل «سالم» الأخ الأصغر الذى كانت تحمله فى حضنها الصغير ، وتجلس به أمام الدار تلاعبه وأمها مشغولة بصنع الطعام وقضاء حوائج البيت،وهى طفلة صغيرة لم تأخذ حقها من اللعب بعد كأقرانها .

كم سيفرح عندما تحضر له «زينب الدلالة» الجاكيت الصوف التى كلمتها أمها عنه، وطلبت منها مائة جنية مقدما والباقى بالتقسيط على عشرة أشهر.

دست يدها فى جيبها تتحسس المائة جنيه الذى أخذتها سلفة من صراف مزرعة الدواجن التى تعمل بها ، بعد أن توسط لها كبير العمال الحاج محروس الذى ذهب لصاحب المزرعة وترجاه فوافق على مضض، والذى قال له وهو يشيح بيده :

دى آخر مرة ياحاج ، متخليش العمال يقرفونا، القبض آخر الشهر، متعودهمش على الشحاتة .

قبضت بحنو على الورقة المالية وهى تداعبها بأناملها الصغيرة التى قست عليها الحياة وزادتها خشونة .. وكأنها تهدهدها وهى نائمة فى جيبها ، والسيارة نصف نقل ، تتأرجح فيتمايل الركاب المكدسون فوقها شمالا وجنوبا ، وشرقا وغربا ، وهى تمرق على الطريق الإسفلتى المتآكل، وهم يؤنسون رحلتهم اليومية بالثرثرة فى أمورالحياة وحكاياتها القاسية معهم ، بعد أن أنهكم التعب من العمل طول اليوم بمزرعة الدواجن .

ابتسمت بنت الرابعة عشر وهى تتذكر شيئا ما جال بخاطرها ، فهمست لنفسها ، نعم سأطلب من أمى أن تطلب من الدلالة أن يكون الجاكيت أحمر بلون جاكت «حسين فهمي» فى أحد الأفلام التى شاهدتها على قناة «ماسبيرو زمان» فى يوم الجمعة الفائت ، لما لا ، سيكون جميلا على «سالم» وهو قريب الشبه من «حسين فهمي» بعينيه الملونتين، أمى قالت إنه العرق يمد لسابع جد، كان جد والدها وجهه أبيض كالحليب وبعيون ملونة .

اقتربت السيارة من المعدية، زغرد قلب « شروق» وسمعت دقاته التى تكاد تخرج من قلبها الصغير وتغطى على صوت السيارة الزاعق بموتورها الخشن، وهيكلها المتآكل .

هانت بمجرد أن نعبر مياه النهر، لن تمر عشر دقائق وأكون فى المنزل ، أعطى النقود لأمى لتذهب على الفور للدلالة ، لتشترى الجاكيت لسالم، سأذهب معها لأختار اللون والمقاس، ونأخذ معنا سالم، سيفرح كثيرا بالجاكيت، سيكون مثل «حسين فهمي» فى الفيلم، لا، سالم أجمل بكثير.

همست لنفسها ، ومازالت تداعب بأناملها الورقة النقدية .

اهتزت المعدية فجأة ، وشعر من على السيارة بأنها تميل بهم ، توالت الصرخات ، وتكوم الجميع فوق بعضهم ، وما هى إلا لحظات حتى غاص الجميع فى الماء.

وهى تغوص فى الماء، أدخلت يدها فى جيبها، وقبضت على الورقة النقدية بقوة، وبالأخرى تصارع المياه التى احتضنتها بحنو.

روحها التى تحلق حولها، وتزيح من حولها الحشائش والأسماك التى تدنو من وليمتها، ويحزنها وجع أمها المتقرفصة على شط النهر بأوجاعها وحزنها القاتل فى انتظار الجسد الهارب فى النهر من تلك الأيادى التى تبحث عنه ، والمعدات التى تعكر صفو مياه النهر، كأنها تأبى أن تسلم جسدها لهؤلاء، سبح الجسد هاربا من كل هذا الوجع، سابحا فى النهر بعيدا .. بعيدا.

تتألم الروح المحلقة حول الجسد بعد أن غادرته وهى تسمع توسلات الأم ونحيبها على ابنتها وتطلب منها الخروج لها، لتودعها لمثواها الأخير بجوار جدها الذى يشبه « سالم».

ظلت الروح محلقة حول الجسد الغارق فى المياه فى هذا الجو القارص، وهو يهرب من الجميع ، حتى شاهد من يشبهه ، صياد بسيط بجسد نحيل مثله .. يبحث عن رزقه فى وسط هذا البرد الشديد، فدنت الجثة من شبيهها، فانتشلها من النهر.

عندما فحصوها عثروا فى يدها اليمنى على المائة جنيه قابضة عليها بقوة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق