رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«ظلم النفس».. أعظم الظلمات!

د. محمود الصاوى
د. محمود الصاوى

(ظلم النفس) من المفاهيم المركزية فى حياة المسلم، الذى يتوجب عليه أن يضعه نصب عينيه فى رحلته فى الحياة، لكنه ـ للأسف ـ أصبح هامشيا فى حياة الكثيرين منا، وتكتنفه الضبابية والغموض فى دلالاته ومعانيه، مما يجعلنا نقف مع بعض معانى ودلالات هذا المصطلح، خاصة ونحن نعيش واحدا من الأشهر الحرم التى أمرنا الله، عز وجل، فيها، بشكل خاص، بعدم ظلم النفس، قال تعالى: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ”.

والمقصود بظلم النفس: إساءة الإنسان لنفسه نتيجة لقول أو فعل خارج عن حدود الشرع أو الأخلاق، لما فى ذلك من صدها عن الرقي، والتسبب فى تنزلها عن مرتبتها، فمنعك نفسك عن خير يمكن أن تفعله، أو إيقاعها فى شر يمكن أن تحجزها عنه.. من أشد أنواع الظلم لنفسك.

لكن الكثيرين منا يختزلون الظلم فى كونه تعديا على مصالح الآخرين أو حقوقهم، ويغفلون عن أن ارتكاب المعاصى والذنوب هو ظلم للنفس أيضا. قال تعالى: “وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ”، وقال سبحانه: “وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا”، فقد ظلم نفسه باستجابته لأهوائها وشهواتها فكان سببا فى هلاكها.

وظلم النفس من أشد أنواع الظلم الثلاثة كما بين ذلك سلفنا الصالح: (الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذى لا يغفره فالشرك بالله، وأما الظلم الذى يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذى لا يدعه فالمداينة بين العباد).

فكل أنواع الظلم هى فى حقيقتها ظلم للنفس، فإن الإنسان أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، قال تعالي: “وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”، وقال: “وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”، فالظلم إذن هو الذنب المشترك بين جل بنى آدم، فمستقل، ومستكثر. وأعظم الذنوب على الإطلاق ظلم النفس بالإشراك بالله عز وجل، فلم يُعص الله بمعصية أكبر ولا أعظم من الشرك، عن عبد الله بن مسعود قال سألت النبي: أى الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك)، قلت إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: (وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قلت: ثم أى (قال أن تزانى حليلة جارك). فالمشرك شركا أكبر يظلم نفسه فيجعلها من أهل الخلود فى النار إذا صرف شيئا من عبادته لغير الله عز وجل. ويُعد تحايل الإنسان على الشرع لارتكاب المعصية على رأس مظالمه لنفسه، فقد كان العرب يتحايلون قبل الإسلام على ارتكاب المعاصى فى الأشهر الحرم، فإذا أرادوا استمرار حرب أو قيامها، وصادف ذلك شهرا حراما؛ كانوا يقومون بتغيير اسم الشهر، ويعتقدون بذلك انهم حلوا المشكلة!

وقد وصف الله، عز وجل، هذا التحايل بالكفر الزائد، فقال: (إنما النسيء زيادة فى الكفر يُضل به الذين كفروا)، والنسيء: عملية ترحيل الشهر أو تأخيره لشهر آخر.

ومن ظلم النفس كذلك: الشرك الأصغر كيسير الرياء والسمعة، كمن يحسن عبادته الفعلية كالصلاة، أو القولية كقراءة القرآن؛ رغبة فى مدح الناس وثنائهم وغيرهما من حظوظ النفس الدنيوية، فمن راءى الناس فى العبادة خاب وخسر، وعمله مردود عليه، إذ يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك.. من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه).

ومن صور ظلم النفس، أخيرا، اتباع الشهوات، وإهمال الواجبات، كالتقصير فى إخراج الزكاة، فيكون ذلك سببا فى نزع البركة من المال كله. وكذلك منها: الجهر بالمعصية، وتهوين الزنى، ومقدماته، فى عيون الناس.

 أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق