رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرير اسود

لنا عبد الرحمن

كلما أتى إليه الرجل العجوز حكى عنها باسم «الست»، «الهانم»، «المدام». لم يلفظ اسمها يوما. ولم يعرف الخياط الشاب من هى صاحبة هذه الفساتين البديعة. اعتاد العجوز أن يأتى إليه كل مدة، حاملا بيده شنطة من الكارتون الفخم المستخدم للهدايا والمزين بقلوب حمراء وبيضاء، يضع فيها فساتين للنهار، للسهرة، للبحر، للعمل، مطلوب من الخياط تقصيرها وتضييقها، أو بلوزات صيفية وخريفية يطلب منه قص أكمامها أو تغيير أزرارها وإلغاء ياقتها. كان العجوز سخيا فى الدفع، لا يناقشه فيما يطلبه من مال، وكان الشاب يدوخ حيرة مع فساتين الحرير والأورغانزا، البيضاء منها والسوداء والملونة، ويحرص أن يُنجز عمله ببراعة تُرضى صاحبتها. يذكر أن العجوز أتى إليه أول مرة بقطعة فراء من جلد الثعلب على شكل شال للكتفين، مبطنة بالحرير، لكن خيطانها مُرتقة من الجوانب، طلب منه إعادة درزها دون أن يمس الفراء بسوء، هدده يومها بأن «الهانم» سوف تزعل، لو حصل شىء لقطعة الفراء الثمينة.

اعتاد الخياط الشاب على تقصير عباءات نساء أهل الحى، وجلابيب الرجال، تعديل ثياب المدرسة للأولاد والبنات، تقصير بنطلونات الجينز للمراهقات، إلغاء فتحات الفساتين للنسوة المحجبات، توسيع بعض البلوزات الضيقة، تركيب «الأستيك» الذى انتهت صلاحيته، وتبديل الأزرار المكسورة، لذا منذ المرة الأولى التى شاهد فيها الرجل العجوز، أحس بغرابة الأمر. فما الذى أتى به إلى هذا المحل الصغير المنزوى فى ركن جانبى من الشارع؟

كان العجوز يرتدى زيا رسميا أنيقا، مما يدل أنه يعمل موظفا فى شركة، لكن الثياب التى يأتى بها من أجل تعديلها تنفى هذا الأمر. تراجع الخياط عن فكرته حول العجوز، وخمن أنه يعمل سائقا لدى إحدى الأسر الثرية التى تسكن فى «حى الفيلات» المقابل للحى الشعبى، لكن العجوز يأتى إليه سائرا على قدميه دون سيارة، مما يُبعد هذه الفكرة أيضا. حاول الخياط استدراجه للحوار، لكن العجوز ظل واقفا قبالته صامتا لا يتفوه إلا بتعليمات العمل، وبيده اليسرى سيجارة مشتعلة دوما، وحين يهم بفرد الفستان ليشرح له المطلوب منه من تقصير أو تضييق أو تعديل، يضع العجوز السيجارة فى زاوية فمه ويضغط عليها بشفتيه، يقف عند باب المحل يُدخن سيجارته متعجلا على الرغم من أن الخياط يدخن سيجارته وهو يواصل عمله، ثم يعود العجوز إلى الداخل يفرد القماش أمام طاولة الخياط قائلا: «الست بتقول لك مطلوب»، يحذره بألا يُدخن وهو يعمل على ثيابها لأنها سوف تُميز رائحة السجائر التى ستعلق بين طيات القماش، وهذا سوف يزعجها جدا، يتأكد أن الخياط تلقى التعليمات بوضوح ويبتعد بخطوات سريعة منضما إلى سيل الأجساد فى الشارع.

............

قلب الخياط فستان الساتان الوردى الذى تنتهى أطرافه بقماش من الأورغانزا الأسود، كان مطلوبا منه تضييق الفستان عند الخصر، نظر إلى قياس الثوب كان 38، مما يدل على أن صاحبته أقرب للنحول منها للامتلاء، أمسك الثوب بيديه، أصدر احتكاك الساتان فحيحا يكاد لا يُسمع، راودته رغبة شريرة بتمزيقه، كى يُشبع إحساسا ما فى أعماقه، لكنه انتبه فورا إلى ضرورة إنجاز عمله فى الحال، إذ أمهله العجوز ساعتين قبل أن يعود إليه مساءً ليأخذه، تنشق الخياط رائحة الفستان، فأربكته تلك الرائحة -مزيج من تعرق خفيف اختلط بعطر زهور برية وبرتقال- انتبه أن الفستان يشبه فساتين قديمة ظهرت موضتها فى السبعينيات وشاهدها فى أفلام الأسود والأبيض، ثم عاد وشاهد مثلها فى فوازير نيللى أو شيريهان، لا يذكر من على وجه التحديد التى ارتدت الفستان الضيق على مساحة الجسم كله، ثم ينفرج باتساع بعد الركبتين، ما يذكره بوضوح أن هذا الفستان ارتدته هند رستم أيضا فى أحد أفلامها، فهو يحب «هند» بل هى نجمته المفضلة.

كيف تكون صاحبة هذا الفستان الوردى المطلوب منه تعديله، بيضاء بشعر أسود طويل، أم سمراء بشعر بنى متوسط الطول، أم شقراء بشعر أصفر أو كستنائى قصير؟ ما هو لون عينيها، كيف هى ملامحها؟ لون بشرتها، شكل أنفها، طويل أم أفطس، متناسق أم معقوف، هل تكون بجمال فساتينها، أم تغطى على قبحها ببهاء الأقمشة والألوان؟ سرح فى تخيلاته عنها قبل أن يقلب الفستان على ظهره ليبدأ فيه أولى خطواته، اختيار الخيط المناسب ثم وضع علامة على المساحة المطلوب تعديلها.

ماذا سيحدث لو عاد إليه العجوز عند المساء ووجد أنه لم ينته من الفستان بعد؟ سيتبرم قليلا، سيلح عليه بالانتهاء منه لأن «الهانم» تحتاجه. قرر أنه لن يعمل على الفستان، ولو جاء إليه العجوز مساء، سوف يستبقيه ويعزم عليه بسيجارة وكوب شاى، ويحاول استدراجه ليعرف منه شيئا ما عن صاحبة الفستان الساتان الوردى، والأسود الدانتيل، والبلوزة الأطلس ذات اللون الليلكى المشرق.

لكن الخياط خاب أمله، ولم يأت العجوز ذاك النهار، بل انقضت ثلاثة نهارات أخرى ولم يظهر. ثم مر أسبوع ولم يرجع.

............

بعد مرور شهر عاد العجوز، كان متجهما جدا أكثر من ذى قبل، أخذ منه الفستان الوردى بعدم اكتراث بل إنه لم ير التعديلات المطلوبة إن تم تنفيذها بشكل صحيح، سلمه هذه المرة فستانا أسود من الحرير، بأكمام واسعة تصل للكوعين خال من أى زخارف إلا صفا من الأزرار السوداء، محاطة بخيط فضى تمتد من الياقة حتى الخصر، أحس أن الفستان يشبه الفساتين التى ترتديها النساء فى مناسبات العزاء، طلب العجوز منه أن يقص قليلا من أطراف الفستان ويصنع منها حزاما للوسط يثبته عند نهاية صف الأزرار، أصر العجوز على الخياط أن يتمم مهمته فى الحال، بينما هو واقف بجانبه. لم يجرؤ الخياط أن يعزم عليه بسيجارة وكوب شاى كما تخيل، فقد استعجله العجوز قائلا: «إن الوقت مساءً، وعليه أن يرجع بسرعة». استرق الخياط نظرة إلى قياس الثوب وجده 38 أيضا، إنه للمرأة نفسها صاحبة الفستان الوردي؛ لكنها تحتاج الآن للثوب الأسود، ثوب العزاء هذا، من فقدت يا تري؟ لابد أنها حزينة الآن، فى حاجة لمن يواسيها فى مصابها الأليم، ربما كانت منهارة، أو ترقد فى المستشفى، بجانب سرير المتوفى، ويلزمها الثوب الأسود كى تظهر به أمام الناس، ربما تكون زوجة لرجل هَرِمٍ فرحت برحيله، أو ابنة ثرى ينتظر أبناؤه وبناته وفاته كى يرثوه، من يدرى؟!

كعادته، وقف العجوز عند عتبة المحل يدخن سيجارته، بينما بدأ الخياط يقص أطراف الثوب ويعمل على تحويلها إلى حزام يثبته عند نهاية الأزرار. الثوب الحريرى الأسود يحتاج لحزام محكم عند خصرها، هى أنيقة دائما، ولا ينبغى خلال مناسبة العزاء أن تبدو فى حالٍ بائس.. هؤلاء الناس يظهرون بشكل لائق وأنيق فى كل المناسبات الحزينة والمفرحة، وهى ستبدو جميلة جدا فى هذا الثوب الأسود رغم بساطته. لكن رائحة الثوب بدت له مختلفة عن الفستان الساتان الوردى.. هذا الأسود يبدو أنها لم تستخدمه منذ وقت طويل، فيه قليل من رائحة الرطوبة أو العطن، لم يتمكن من تحديد الرائحة لكنها رائحة قاتمة فى كل الأحوال.

أنهى العجوز سيجارته ودخل يستعجله، لكن الخياط أوضح له أن أزرار الثوب تحتاج إلى إعادة تثبيت، وعرض أمامه صف الأزرار المائلة التى ذابت خيوطها،ثم أوضح أنه لن يتمكن الآن من القيام بخياطتها لارتباطه بأعمال أخرى، وأن على العجوز العودة غدا ليأخذ الثوب. فكر الخياط أنه ليس من الضرورى لها أن تجالس المُعزين اليوم، لترتاح فى غرفتها، ليقوم أى أحد آخر بالمهمة بدلا عنها.

أظهر العجوز تبرما، ثم غادر المحل بسرعة منضما إلى سيل الأجساد فى الشارع الضيق المزدحم. أغلق الخياط باب محله الزجاجى، واضعا لافتة: «مغلق للصلاة»، ثم تبعه بسرعة، كانت خطوات العجوز بطيئة لذا حافظ على مسافة منه وهو يتبعه. بعد أن غادر الشارع الجانبى الصغير، مضى العجوز نحو الطريق الجديد حيث يبنون جسرا كبيرا، مر من تحت الجسر ليمضى نحو حى الفيلات، حى قديم وهادئ فيه مجموعة من الفيلات القديمة، غير مزدحم، يبدو كما لو أنه مفصول عن صخب المدينة وضجيجها.

قبل أن يدخل العجوز إلى الفيلا رقم «3»،ألقى التحية على حارس الفيلا المجاورة الذى يجلس فى الشارع يدخن الشيشة، فتسرى رائحة دخانه فى الشارع، رد عليه قائلا: «أهلا يا بيه» وهو يواصل تدخينه، فتح العجوز الباب بمفتاحه،كانت الفيلا مظلمة، ولم يبد للخياط أن هناك أحدا فى الداخل. خمن الخياط أن العزاء فى مكان آخر، وأنه سيذهب إلى الهانم الآن من دون الثوب الأسود. أحس بتأنيب الضمير فرجع بسرعة إلى محله، أعاد ضبط أزرار الثوب، وثبت الحزام عند الخصر كما طلب منه، ووضعه فى الشنطة الكرتونية، وانطلق من جديد إلى حى الفيلات.

حين وصل إلى الحى، بدت له الفيلا رقم «3» مضاءة بأنوار صفراء ضعيفة، وصوت موسيقى يصدح من داخلها.. اقترب من الباب وحاول أن يسترق النظر.. شاهد فى فناء الفيلا الجانبى ثيابا منشورة على منشر غسيل متحرك، كان من ضمن الثياب الفستان الوردى الذى عمل عليه الخياط، وبجانبه الفستان الأبيض المنقط بالأسود، والقميص الأطلس الليلكى، يعرف هذه الثياب جيدا، بل لا يمكنه نسيانها. رن جرس الفيلا لكن لم يتلق أى رد، مرة، مرتين، ثلاثا، بلا مجيب. فكر أن يلقى بالشنطة التى فيها الثوب من سور الفيلا إلى الداخل لكنه وجدها فكرة متهورة، تراجع إلى الوراء.. قرر أن يترك الثوب مع حارس الفيلا المجاورة الذى ألقى عليه العجوز التحية.

اقترب الخياط من الحارس،أوضح له الأمر باقتضاب، وهو يناوله الشنطة التى تضم الفستان الحريرى الأسود، كان يشعر بالحرج وهو يطلب منه أن يُسلم ثوب السيدة للرجل العجوز، الذى دخل إلى الفيلا منذ ساعتين. نظر إليه الحارس بتعجب! مؤكدا أن «البيه» الذى يسكن فى الفيلا رقم «3» يعيش وحيدا.. هز الخياط رأسه بالنفى مؤكدا وجود امرأة ما، هو من عدل ثوبها الأسود، كما أن باقى ثيابها منشورة على حبل الغسيل، سحب الحارس من يده وأشار نحو الفستان الوردى الذى تتطاير أطرافه فى الهواء. عاد الحارس للجلوس مكانه وهو يسحب نفسا من الشيشة قائلا بلامبالاة: «آه.. هذه ثياب المرحومة زوجته، ماتت منذ أشهر».

مضى الخياط فى طريقه والفستان فى يده، عاد إلى محله، كان فى داخله غصة لم يعرف سببها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق