رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غدر الحفيد

نرمين عبدالمجيد الشوادفى

مع لفحات الهواء البارد وبزوغ شمس اليوم أخذ البعض من سكان الحى فى مغادرة فراشهم متململين متثاقلين استعدادا لبدء يومهم، فيما بقى الآخرون، يغلبهم الخمول متشبثين بأغطيتهم لا يريدون مبارحتها طلبا للدفء، لكن أمرا غريبا حدث فجأة استدعى من الجميع الفزع والمغادرة سريعا إذ علت صرخة مدوية من إحدى السيدات بأحد المنازل المجاورة تنامى بعدها القول بأن الحاجة قد لقت حتفها.. لا بل عثر عليها فى حال بين الحياة والموت نتيجة اعتداء غير معلوم!

وهى سيدة سبعينية لا تملك من حطام الدنيا الكثير، اللهم إلا بضع مئات من معاش يعينها على قضاء حوائجها، بعدما فقدت عائلها وخليلها وكبر الأبناء وتزوجوا ومضى كل لحال سبيله على طريق الحياة، لتبقى هى فى منزلها وحيدة غريبة ممسكة بدفة الأيام، تتعانق أفكارها بين ذكريات عمر مضى وحاضر مجهول دون أن تدرى أى مصير ينتظرها عندما يحين الأجل، والذى لو جال بخاطرها وقوعه، لم تكن لتتحمل وطأته ولماتت من تلقاء نفسها كمدا وحزنا.

داخل منزلها البسيط الجديد بمدينة أبوكبير، عاشت السيدة العجوز أسيرة للوحدة، قابعة جل وقتها بجوار الباب، تمر عليها الساعات بطيئة ثقيلة بانتظار أحد المقربين، ليقضى معها بعض الوقت يتلمس احتياجاتها وتحكى له وتتسامر عن أيام خلت تسترجع معها صفوة الشباب وربما الحياة فى سنوات لم تحص عددها، ومع دبيب نقر الباب كانت تنهض مسرعة فرحة وكأنها تستعيد ذكريات انقضت، لكنها لم تزل نابضة فى الأعماق، أوقات تختلسها من عمر الزمن تنتشلها من وحشتها وتعيدها إلى جو الأسرة والعائلة لدقائق أحيانا أو لساعات سرعان ما تنقضى وتمضى عليها دون أن تشعر، وبعد أن يذهب تعاود لسريرها أوشاشة التليفزيون تصارع الوقت لتطويه بين الجدران على أمل أن يأتى الصباح بجديد.

ومع طول غياب الأبناء وانشغالهم بأسرهم وهمومهم وقسوة الوحدة ووساوسها، كانت تخرج للشارع متوكأة على عصاها لتجلس بين المارة تتلمس نسمة هواء فى عز القيظ أو لحظة دفء تحت أشعة الشمس تستظل بها وتستأنس بجيرانها، وقد تطلب من أحد الأطفال شيئا أو طعاما ليبتاعه لها تسد به رمقها، ولم يكن يعرف عنها أى قسوة أو شدة، فقد مرعليها نحو العام وهى تحيا بينهم بالمنطقة التى انتقلت اليها حديثا، ولم يتذكر لها أحد سوى بساطتها ورقة حالها، ولم يكن يتوقع لها تلك النهاية الحزينة الصادمة. قبل أيام استيقظ أهالى المنطقة، حيث تقيم العجوز منتفضين على صرخات ابنتها المفجعة بعدما عثرت عليها داخل شقتها فاقدة للوعى بين الحياة والموت والدماء تنزف من رأسها، فهبوا للمساعدة وتم نقلها سريعا للمستشفي، ولخطورة حالتها لم تكد تمض بضعة أيام حتى لفظت أنفاسها وفارقت الحياة لتشكل وفاتها لغزا يستعصى على الحل قبل أن تتمكن الشرطة من فك طلاسمه وتلقى القبض على الجاني. وكان اللواء محمد والى مدير أمن الشرقية، قد تلقى إخطارا من العميد أيمن عبد الكامل مأمور مركز أبوكبير، بالعثور على سيدة فى منتصف العقد السابع من عمرها داخل منزلها وبها إصابة شديدة ونزيف بالرأس نتيجة لاعتداء من مجهول، حيث وافتها المنية متأثرة باصابتها، فتم تشكيل فريق بحث لكشف غموض الحادث بإشراف اللواء عمرو رؤوف مدير المباحث الجنائية والعميد حاتم ربيع رئيس مباحث المديرية والعقيد عمرو الجزار رئيس فرع البحث بشمال الشرقية وضم الرائد أحمد غالب رئيس مباحث أبوكبير. وتبين من التحريات أن السيدة لا تجمعها خصومة بأحد وليس لها أى عداوات، كما لم تكن من الثراء المشهود ما يجعلها محلا للطمع ما استدعى توسيع دائرة الاتهام وعدم تجاهل أى شكوك، لكن مع البحث والتحرى ولأنه لا توجد جريمة كاملة سرعان ما انزاح الستار وأخذت الشبهات فى الانحسار فى شخص واحد لم يكن يخطرببال أحد، فالجانى مرتكب الحادث هو حفيد المجنى عليها عامل المعمار المقيم بالصعيد ولم ينته عقده الثانى من العمر والذى لطالما دمعت عيناها لمرضه وكانت بسمته شفاءً لنفسها وكم دعت الله بألا يمسه سوء، لتمر السنون ويسطر بيديه قصة أخرى فى زمن طغيان المادة وغياب الرحمة وغدر القريب، حيث كان الجانى يمر بضائقة مالية وكان قد اشترى جهازا محمول وحل موعد سداد أقساطه، ولأنه لا يملك ما يكفى من المال ففكر فى الذهاب لجدته عله يجد مبتغاه وبدلا من زيارتها لينال البركة مصطحبا معه الود أو الهدايا، حضر وكل ما يفكر فيه هو ما سيتحصل عليه منها، لكن خاب ظنه فلم تلب طلبه أو تمنحه ما يريد فهب للبحث بنفسه وعندما اعترضته دفعها فى طريقه ثم ضربها بآله حادة لتسقط وتصاب بنزيف بالرأس، وخشية افتضاح أمره أو أن يكون احدا قد سمع عراكهما، انتظر بعض الوقت ليطمئن ثم غادر ولاذ بالفرار وكأن شيئا لم يكن ثم ذهب للاختباء لدى بعض معارفه. ومن خلال تتبع الحفيد المتهم تم ضبطه، وبمواجهته بالتحريات اعترف بارتكابه الجريمة مؤكدا أنه لم يكن ينوى قتلها، فتم إحالته للنيابة التى تولت التحقيق بإشراف المستشار حلمى عطا الله المحامى العام لنيابات شمال الشرقية، لتقرر حبسه على ذمة التحقيق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق