رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كريمة

إيمان يحيى

ساعة ضُحي، شوارع وسط القاهرة مزدحمة بالناس والسيارات والأوتوبيسات. يوم خميس مابين خريف وشتاء عام 65، وبالتحديد فى شهر نوفمبر. كنت قد أخذت إجازة من عملى كسكرتيرة تقوم بالطبع على آلة كاتبة من طراز «كونتنينتال» من مقر «الشركة العربية للاستيراد والتصدير» بشارع «التحرير» بوسط البلد. كان التصريح بالقيام بها ميسرًا، بناء على خطاب من «أمانة الشباب بالاتحاد الاشتراكي». نلت إجازة بنفس المدة من معهد «الخدمة الاجتماعية» بصورة من نفس الخطاب.

اتفقت مع «سُهِير» زميلتى فى المعهد، التى تكبرنى بعامين دراسيين، أن نلتقى فى محطة قطار «حلوان» بباب اللوق. أخبرونى فى أمانة قسم «قصر النيل» للاتحاد الاشتراكى بضرورة التوجه إلى «معهد الشباب الاشتراكي» بحلوان لحضور دورة لإعداد القيادات بمنظمة الشباب. حملت حقيبة ملابسي، واتجهت من شارع «قصر النيل» إلى شارع «صبرى أبو علم»، ومنه دلفت إلى شارع صغير لأجد نفسى فى ميدان «الفلكي». لا أعرف هل سنجد اليوم غذاءً معدًا لنا فى المعهد أم لا؟ قررت أن أمُر على محل فول «القط الدمياطي» فى الميدان، لأشترى ساندوتشين فول وطعمية من محل أسفل عمارة «الأطباء». دفعت قرشين صاغ ثمن الساندوتشين، ومن كشك الصحافة أمامه اشتريت جريدة «الأهرام» بثلاث «تعريفة» كى أقرأها فى القطار. عبرت الميدان، واخترقت محطة الترام الكبيرة التى فى وسط الميدان قافزة فوق ثلاثة أرصفة تقف عليها عربات الترام. أدلف إلى شارع «منصور»، أشاهد طابورًا طويلًا على يسار الشارع أمام الجمعية الاستهلاكية. أعرف – بالطبع- أن الموظفين، وربات البيوت ينتظرون دورهم لشراء دجاج الجمعية المجمد. لا يعطون أكثر من دجاجة للشخص فى المرة الواحدة. وهناك استثناءات فى الخفاء، يقوم بها بعض الموظفين المرتشين بالجمعية.

هذا الجزء من شارع «منصور»، الممتد من ميدان «الفلكي» حتى شارع «محمد محمود»، لا يهدأ طوال اليوم والليل. ساعتين فقط قبيل صلاة الفجر، تلتقط المحال فيهما أنفاسها للراحة. مطاعم ساندوتشات والوجبات الشعبية على جانبيه لا تكاد تخلو من الزبائن، أغلبهم من راكبى قطار «حلوان». عمال الحديد والصلب ومصانع الطائرات والمصانع الحربية، وموظفون، وطلاب جامعات. ساعة الذروة فى الشارع فى الصباح الباكر وعند الغروب، مع تدفق العمال فى مواعيد الورديات للذهاب والرجوع من الضاحية العمالية التى ملأتها الثورة بالمصانع. على الرصيف الأيسر، سينما «ريو» تعرض برنامجًا من فيلمين أحدهما أجنبي. أبوابها مغلقة، فهى سينما صيفية تفتح أبوابها فقط فى المساء.

اقتربت من باب محطة «باب اللوق»، على ناصيتها سِنترال وساعة تشير عقاربها إلى الحادية عشرة، وجدت «سهير» تنتظرنى على الرصيف وتًلوَّح بيدها. دخلنا المحطة، وأسرعنا لنلحق بالقطار المكهرب. عدد الباعة الجائلين على الأرصفة قليل، ربات بيوت وطلاب وموظفون يتحركون بسرعة مابين شبابيك قطع التذاكر، وأرصفة المحطة. اشترت كل واحدة منا تذكرة إلى «حلوان» بثلاثة قروش، وقفزنا إلى القطار الذى على وشك الانطلاق.

ستستمر دورة الإعداد عشرة أيام، أفهمونا نظام الدراسة قبل أن نذهب إلى حلوان. سيوزعون علينا محاضرات مطبوعة فى الصباح لنقرأها، وفى المساء ستجتمع المجموعة بمشاركة الموجهين السياسيين لمناقشتهاــ كنت ــ طوال جلوسى فى القطار ــ أفكر فى المعركة التى انتصرت فيها على أبي. كان إقناعه بغيابى عن البيت عشرة أيام أمرًا مستحيلًا. لم يرفع راية الاستسلام، إلا بعد أن تيقن من أن البنات الدارسات لن يختلطن بالرجال أثناء إقامتهن فى المعهد. ورغم ذلك، فاته أن الموجهين والمدرسين كانوا من الرجال!

تتابعت المحطات، وتوقفاتنا بها فى طريقنا. سألت «سهير» :

ــ إزاى انضميتِ للمنظمة؟

أجابت فى لامبالاة:

ـ ماعرفش، فاتحتنى مُدرِسة فى مدرستى الثانوية باختيارهم لي.

ــ وليه اختاروك انت بالذات؟

ــ مش عارفة. يمكن لاقونى حافظة الفصول اللى كانوا بيدرسوها لنا من الميثاق فى حصص اللغة العربية! وانت ازاى اختاروكي؟

ــ أنا زيِك مش عارفة! يمكن عشان غلباوية، بأحب أتكلم، وبأحب عبد الناصر قوي.

أخرجت «سهير» من جيب حقيبتها راديو ترانزستور، وبدأت تدير محطاته. هندام «سهير» وطريقة حديثها يدلان على أنها من عائلة متوسطة الحال. علمت أن والدها يعمل مهندسًا فى أحد المصانع بإمبابة. لم تسأل عن عائلتى ومهنة والدي، أعتقد أن ذلك مُريح لكلينا. فردتُ الصحيفة، وتشاغلت بها.

انتبهت على «سهير» وهى تنادينى لننزل من القطار. قالت بمرح:

ــ وصلنا إلى محطة الإعداد الثورى!

المعهد غير بعيد عن محطة القطار، بضع خطوات ونكون على بوابته. فوق البوابة لافتة كُتب عليها بخط جميل « معهد الشباب الاشتراكى». ساحة المعهد واسعة، بها أشجار كبيرة ذات ظل وافر. لعله أقيم على أنقاض غابة شجرية. علمت فيما بعد، أنه كان معسكرًا كشفيًا. أول ما رأينا، كانت خيمات بيضاء منصوبة ومتناثرة فى ساحته. هناك مبنى من الخرسانة المسلحة يحتل رُكنًا فيه، ومدرج حجرى دائرى مكشوف تتوسطه أرض يابسة، كأنه مسرح روماني، أو حلبة مصارعة للثيران. استرعى انتباهى مبنى خشبى عتيق، علمت فيما بعد أنه مدرج كبير لاجتماعات الأعداد الكبيرة من أعضاء المنظمة. توجهنا إلى الإدارة حيث أرشدنا أحد المسئولين إلى الخيمة التى سنعيش، ونبيت فيها. تخففت أنا و«سهير» من حقيبتى الملابس اللتين أثقلتا كاهلنا. أرشدنا المسئول الإدارى إلى خيمة النقاش والدراسة. خيمة المعيشة تسع 6 فتيات بأمتعتهن وفراشهن، بينما خيمة الدراسة تسع مكانًا لثلاثين دارسة، مع الموجهين الذين سوف يديرون نقاشنا.

فوجئنا بتدفق فتيات فى مثل عمرنا، عبر بوابة المعهد. كانت المفاجأة الحقيقية التى أدهشتنا، أن الفوج الذى سيبدأ من الغد التدريب والإعداد سيضم ثلاثمائة من الفتيات! مجموعتنا الدراسية لن تزيد عن ثلاثين دارسة.

أعطونا ورقة مطبوعة، فيها جدول وتوقيتات محددة. فى السابعة صباحا نستيقظ، وفى الثامنة نتناول إفطارنا فى قاعة مبنية ملحقة بمطعم المعهد، وفى التاسعة يتم توزيع محاضرة اليوم مطبوعة علينا لنقرأها بمفردنا، وفى الثانية عشرة نخلد إلى بعض الراحة، ثم نتناول الغداء فى الثانية ظهرا. من الثالثة والنصف إلى الخامسة عصرًا نشاط رياضى أو ثقافى أو فنى. فى السادسة مساء، نلتقى فى خيمة الدراسة ليقوموا بإدارة المناقشات الخاصة بالمحاضرة التى قرأناها فى الصباح. ومن التاسعة مساءً نتناول العشاء، ومن بعدها وحتى الحادية عشرة مساء حفلة سمر نحضرها مع الموجهين والمشرفين علينا.

لم ينس المسئول الذى قابلنا أن يثير انتباهنا إلى أن الموجهين سيكونون فى ساحة المعسكر تحت الأشجار، إذا احتجناهم فى الصباح لاستفسار هنا أو هناك فى محاضرة كل يوم. حضرنا قبل بداية البرنامج بيوم، كما أشاروا علينا. بدأت الدارسات فى التوافد طوال اليوم، وامتلأت خيمتنا، أنا و«سهير»، بأربع أخريات: واحدة من كلية طب «قصر العينى»، وثانية من كلية التجارة، وثالثة من كلية هندسة «عين شمس»، ورابعة من المعهد العالى للفنون المسرحية. بدا الأمر مثيرًا وجديدًا لى. اكتشفت أن ما أحضرته من طعام بلا فائدة، فقد كان المطعم الكبير بالمعهد، ولنقل المعسكر بحق، يقدم وجبة الغداء والعشاء يومها.

خلدنا فى المساء إلى النوم، وكنت أفكر فى التجربة الجديدة التى ارتضيتها لنفسى. عدم الاكتفاء بدبلوم التجارة المتوسطة، والإصرار على دخول المعهد العالى جنبًا إلى جنب مع العمل، والانخراط فى نشاط سياسي. كان كل ذلك تحديًا صعبًا. دخلت معاركَ، لأثبت لوالدى وعائلتى أننى قادرة على تحقيق ذاتي. كان أشقائى الثلاثة الذكور الذين يكبرونني، يتعجبون من استطاعتى إقناع عم «إدريس» بتحقيق طموحاتي. لم يُكمِلوا تعليمهم، فعمل أحدهم ميكانيكيًا للسيارات بإحدى الوِرش بشارع «معروف»، بينما اكتفى الآخران بالعمل اليدوى فى محلات وسط البلد. نظرات والدتى الأُمية الفخورة بي، تشعرنى أننى «كِنداكة». أميرة نوبية تهزم جيوش الرومان، بل وقائدهم «الاسكندر الأكبر». لا أستطيع إنكار فضل الثورة، و«عبد الناصر» على تحقيق طموحي. لولا مجانية التعليم، ومساندتهما حق النساء والفقراء فى التعليم والمساواة وتكافل الفرص، لظللت بنت حارس عقار أبحث عن زوج من أسفل السلم الاجتماعي.

مرت الأيام الأولى لدورة الإعداد، كل يوم يحمل لنا الجديد من الخبرات والمعلومات. الموجهون والرواد والقيادات التى تشرف على المعهد، كلهم من الرجال. لاحظت أن بعضهم قد تجاوز مرحلة الشباب بقليل، بينما مازال البعض الآخر فى مثل أعمارنا. الفريق الأخير كان من قيادات المنظمة الذين اختيروا للجنتها المركزية، ولمتابعة شئون التثقيف والتدريب. فى جلسة النقاش المسائية لليوم الثالث من دورة الإعداد، حضر إلى خيمتنا فى معية المُوَّجِه رجال، من بينهم شاب يبدو أنه متخرج حديثًا. قدمه لنا من يدير النقاش قائلًا الأخ «حمزة النادي» الأمين العام المساعد بقيادة المنظمة. كنا نناقش المحاضرة التى قرأناها فى الصباح، وكانت عن «التنظيم السياسي» . فى الخيمة ثلاثون فتاة، كنت اكتشفت من بينهن خمس عاملات من مصانع النسيج وأجهزة التليفزيون والنصر للسيارات، وصحفية تعمل بمجلة «حواء» النسائية التى تصدرها «دار الهلال». رفعتُ يدى طلبًا للحديث، وعندما سمح المُوَّجِه لى بالكلام، انطلقت متسائلة:

- الميثاق يقول «كل الحرية للشعب، ولا حرية «لأعداء الشعب»، ولكن من يحدد من هم «أعداء الشعب»؟ هل هم الرأسماليون مثلًا؟ ولكن اليست إحدى قوى تحالف الشعب العامل «الرأسمالية الوطنية»؟ تخلصنا من الاستعمار، والملك، وأعوانهما، ولكن هل ما زال بيننا «أعداء الشعب»؟!

ابتسم المُوَّجِه ومن معه وسط همهمات، ونقاشات هامسة مابين الدارسات. فوجئت بعاملة مصنع التليفزيون ترفع يدها، وتتحدث:

•«أعداء الشعب» لن ينتهوا من الوجود، سيتجددون ويغيرون من جلودهم باستمرار. لصوص القطاع العام وأصحاب «الياقات البيضاء»، التجار المستغلون، وكبار المُلاك الزراعيين هم أيضًا «أعداء الشعب».

انهالت نظرات الإعجاب على المتحدثة من قيادة الجلسة، بينما لم تستطع بعض الدارسات كبح مشاعرهن، فصفقن استحسانًا. اضطر الأمين المساعد الشاب إلى التدخل، مشيرًا بإصبع سبابته يمنة ويسرة:

لا تصفيق فى النقاش. نحن لسنا فى مباراة مصارعة. كل واحدة تدلى برأيها فى حرية ودون محاولة لكبت الآراء الأخري.

أحسست بالعرفان له، ونظرت إليه. وجدته الآخر ينظر إلى من طرف خفي، وبتعاطف واضح. سمعت صوتًا يتهدج، وكله أنوثة طاغية. كان صوت الصحفية ذات الشعر الأشقر:

الحرية لا يُمكن أن تُعطى للرجعية. حرية المرأة وحقها فى الدراسة والعمل أعطتها الثورةـ ولا يمكننا التنازل عنها. حرية اختيار الزوج وشريك العمر لا تتجزأ عن تلك الحرية.

سمعت تنهُداتِ زميلاتى، بينما كانت الصحفية تواصل حديثها وتشير بأصابعها المصبوغة بلون طلاء أظافر أحمر فاقع. كان فستانها الغالى قد انحسر عن ركبتيها، فاحمر وجه المُوَّجِه. كانت البلوزة والجوب الرخيصتان اللتان أرتديهما، قد اشتريتهما من محلات «بيع المصنوعات» فى نهاية «شارع 26 يوليو» بجنيهين إلا رُبع، قد بهت لونيهما. فى التاسعة مساء، اتجهنا جميعًا إلى صالة الطعام بالمعهد لتناول العشاء. فى الطريق إلى صالة الطعام، فوجئت بـ«حمزة النادي» ومعه موجه مجموعتنا يقتربان مني. سألنى «حمزة»:

- ليه ماكملتيش مناقشة، واكتفيتى بالاستماع إلى الباقى حتى نهاية الجلسة؟

- تساءلت، واستمعت لإجابات كتيرة. مش نُص المعرفة برضك طرح السؤال؟

تدخل مُوجّه المجموعة فى الحديث:

•الأخت كريمة دايما نشيطة وبتشارك بحيوية فى النقاش.

سألنى «حمزة»:

ــ إنتِ من النوبة ولا من أسوان؟

ــ من النوبة.

انسحب المُوَّجِه من لسانه، وأضاف:

•الأخت بتشتغل وبتدرس فى معهد الخدمة الاجتماعية فى نفس الوقت.

شعرت بنظرة إعجاب فى عينيْ «حمزة». عندما وصلنا إلى المطعم افترقنا. ذهبا إلى ناحية يتناول فيها الموجهون وقيادة المعسكر عشاءهم، بينما اتجهت إلى طاولة ناحية الدارِسات. اقتربت «سهير» بمقعدها مني، وسألت باهتمام:

ــ كانوا بيقولوا لك إيه؟

ــ مفيش حاجة، مجرد تعارف!

همست «سهير» فى أذنى:

• خايفة يكونوا حسبوكِ من أعداء الشعب.

فى حفلة السمر شاهدنا عرضًا، تضمن عزفًا موسيقيا على الكمان لإحدى طالبات «معهد الموسيقى العربية»، ورقصة شعبية تمثل فرح الفلاحين بقانون الإصلاح الزراعى ارتدت فيها فتيات جلابيب الفلاحين، ورسمن شنبات بأقلام الكحل فوق شفاههم. وكان الختام قيام زميلتنا فى خيمة المعيشة بإلقاء قصيدة لعبد الرحمن الشرقاوى بعنوان «رسالة من أب مصرى إلى ترومان». قبل إلقاء القصيدة، وقف أحد قادة الدورة من الرُواد، وتحدث عن إلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية مرتين على «نجازاكى» و«هيروشيما» مرتين عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. تكلم عن الضحايا المدنيين الذين قُتِلوا، واحترقوا فى تلك الجريمة. أصابت إشعاعات تلك القنابل الذرية النساء الحوامل، فولدن أطفالًا مشوهين تنتشر بينهم العيوب الخلقية. فى لمحة ذكية، أشار إلى تكرار ذلك الآن فى «فيتنام»، وختم حديثه قائلًا:

•الإمبريالية الأمريكية اليوم تعيد مافعلته منذ عشرين عامًا فى اليابان، ليندون جونسون يُكرِر جرائم مافعله من قبل أحد أسلافه ترومان.

انجلَّت موهبة زميلة خيمتي، وهى تعبر بقسمات وجهها وتلوح بيديها:

« ولكن كفي! لن تنال ابنتي

وأقسم أن لن تنال ابنتي!

أتطفيء نظرتها الباسمة؟

أتقطع أطرافها الناعمة؟

أتجرى دماء ابنتى فى غد كنافورة ذرة تنسكب؟

أتنثر أشلاء اليانعات عليَّ حيث تضحك بين اللعب؟!

انطلقت بخيالى أغوص فى تلك الصور الشعرية المتدفقة. كنت مشدوهةً بأداء زميلتنا، وكلمات شاعر قالها منذ عشرين عامًا. أفقت على تصفيق حاد يهز مدرجات المسرح الدائري. هذه القصيدة بالذات بحثت عنها فيما بعد، وحفظتها عن ظهر قلب!

طوال الليل كنت أشعر بأننى وجيلى محظوظان، لأننا وُلِدنا فى مصر، وفى عهد «عبد الناصر». نقود شعوب العالم فى معركة التحرر ضد الاستعمار بشكليه القديم والجديد. أثناء نومي، استرجعت فى الحلم كلمات الزعيم التى قالها، منذ ما يقرب من عام فى احتفال عيد النصر بمدينة «بور سعيد». رأيته واقفًا على منصة عالية، وأنا وحدى أمامه أتطلع إليه من أسفل المنصة:

« الذى لا يعجبه سلوكنا يشرب من البحر، والذى لا يكفيه البحر الأبيض يأخذ البحر الأحمر يشربه كمان. نحن لا نبيع استقلالنا من أجل 30 مليون جنيه قمح أو أربعين أوخمسين!»

بعد أن أنهى خطابه، نزل من المنصة، ووضع كفه على كتفى بحنان. ابتسم ابتسامته الواسعة، وسأل:

•عاملة إيه ياكريمة؟ مبسوطة؟ بتشتغلى وتتعلمي؟

تلعثمتُ، أصابنى شلل المفاجأة. الرئيس المعلم القائد يحدثنى وحدي، ويحنو عليَّ، أنا بنت الناس الفقراء! فجأة ظهر رجال كثيرون يرتدون بذلات غامقة، وتحلقوا حوله. لم أعُد أراه، ولا هو يراني. ذهب معهم، ووجدت نفسى وحيدة فى سرادق كبير مليء بمقاعد شاغرة. كنت ألوم نفسي، لأننى لم أستغل الفرصة، وأحكى له عن بيوت أهل النوبة والتعويضات البخسة التى نتلقاها من الحكومة. كنت أريد أن أبلغه بخجلى من ملابس أشترِى قماشها من «أم محمد» الدلالة التى تأخذ استمارات القماش بعشرين جنيهًا من موظفى وعمال الحكومة والقطاع العام،التى تقتطع ثمنها الحكومة ثلاثين جنيهًا من مرتباتهم على أشهر طويلة، ثم تقوم ببيعها لى ولغيري. فى تلك اللحظة رأيت أمين مساعد المنظمة الشاب يدخل السرادق، ويشير إليَّ كى أقترب، ثم يسأل:

•يا تري، أم محمد من الشعب ولا من «أعداء الشعب»؟

أضطرِبُ ولا أعرف الإجابة. أعرف أنها تجرى على أيتام، وأن رأسمالها لا يتعدى ستين جنيهًا، وأن قطع أقمشة «البفتة» و»الكستور» و»الباتيستا» و»اللينوه» التى تحملها فى بُقجتها المصرورة نُفصِلها عند الخياطة، فنبدو متوسطى الحال. «أم محمد» تعيد توزيع الثروة! تفُك ضِيقة موظف الحكومة البسيط، فيأخذ مبلغًا معتبرا من المال دفعةً واحدة منها، فيدفع مستحقات الأعياد ونفقات دخول المدارس. صحيحٌ أنه يظل يسدد ما أخذه منها بزيادة 50% للحكومة على عدة أشهر، إلا أنها تنجده فى الملمات المتكررة. يملأ ناظرى وجه «أم محمد» المُتعب بلونه المخطوف المصفر بسبب الأنيميا. تسألنى وتشير إلى صدرها:

ــ أنا يا كريمة؟ أنا عدوة الشعب؟!

تجمع بضاعتها فى البُقجة فى تسرُع، وتُهروِل فى الشارع فارةً من رقابة الشرطة ورجال التنظيم السياسي. تلتفتُ إليَّ برأسها، وفى عينيها نظرة عتاب ممزوج بمرارة:

ــ ماكانش العشم!

أصحو على لكزات، وكلمات بصوت»سهير» تُنبِهني:

ــ اصحى يا كريمة. انت عندك كابوس ولا ايه؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق