رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«تاتش» رومانسى

مروة غزاوى

تجهّز شنط المدرسة للأولاد. تتأكد من وجود كل الكتب حسب جدول اليوم، و«اللانش بوكس» وزجاجة المياه والمصروف، ثم تتمّم على شنطتها والمحفظة والـ «لاب توب».

على استعجال، قبل أن يلاحظها أحد الأولاد، وقبل أن تستوعب هى شخصيًا ما تفعله، تدس فى الشنطة قميص نوم أسود حريرياً وزجاجة البرفان الغالية وكيس المكياج الصغير. يتراجع خجلها عندما تتأمل جسمها فى المرآة قبل أن ترتدى ملابس الخروج؛ جلدها صاف وناعم بعد جهدها بالأمس فى إزالة الشعر الزائد وتنعيم الجلد بالترمس المبشور المخلوط بالعسل وزيت اللوز.

لم تستعد للقاء رجل منذ عامين.

بعد الطلاق أقسمت على الصوم عن الرجال، لكن القلب يحن والجسد يرغب، وفى النهاية هى لا تزال فى عز شبابها كما يؤكد لها الجميع.

بابا اللى حياخدكوا النهارده من المدرسة. حتقضوا معاه خميس وجمعة.

تنظر فى مرآة السيارة لترى وقع كلامها على الأولاد، «چنى» تواصل النظر من الشباك ولا تهتم، غارقة كالعادة فى أحلام عالم المراهقة. «أحمد» الصغير يتعلق برقبتها ويقول: لأ، عاوز أرجع أبات معاكى. تدفعه برفق ليجلس مكانه مرة أخرى وهى لا تزال تمسك بيده وتهزها فى مرح.

بابا محضّر لك مفاجآت حلوة وبيجاما «سبيدرمان» جديدة، وأنا حاجى يوم السبت آخدكوا.

انتهى يوم عمل لم تنجز فيه شيئا، قضته فى «شات» خليع معه. الـ «شات» بدأ بريئا منذ شهرين ثم تحول بالتدريج إلى حالة من الجرأة والجنون والتعبير الصريح عن الرغبات والخيالات. لم تعد تستطيع الامتناع عنه، لكنه يرهقها كالشرب من البحر.

توجهت إلى مصر الجديدة. فى الطريق توقفت لشراء بيتزا، ثم تراجعت: هل يجب عليها شراء الأكل أم هو؟ أم يتوقع منها أن تطهو العشاء؟ احتارت، وقررت أن تكتفى بشراء شموع معطرة.

وصلت إلى العمارة فى ميدان الإسماعيلية حسب وصفه، بادرت البواب، الذى لم يسألها، بأنها صاعدة لعيادة د. هشام فى الثالث، فالعيادة تجاور الشقة.

صعدت السلالم الرخامية المتقوسة بسرعة شديدة حتى لا تعطى نفسها لحظة للتفكير. دخلت شقته لأول مرة، دهمتها رائحة تراب عالقة فى الجو وظلمة لم تفلح اللمبة الخافتة فى تبديدها. الغرفة مكتومة بورق حائط بنى وسفرة زان غامقة تكاد تسد المدخل من ضخامتها.

قادها مرحبا ببساطة إلى غرفة المعيشة، وجلسا متجاورين على الكنبة ذات القماش «الكريتون» المنقوش بورد بنى متداخل. خنقتها رائحة التراب، لكنها تراجعت عن أن تطلب فتح الشباك. قال ضاحكا:

«أخيرا بقينا لوحدينا، زى ما بيقولوا».

ضحكت ضحكة صغيرة متوترة، وأخذت بلا وعى تلعب فى سلسلتها الذهبية. لاحظ اضطرابها فتوجه إلى المطبخ وهو يقول: «أنا جبت حاجة خفيفة ناكلها».

قامت فى إثره من باب الفضول وهى تتابع قامته الطويلة وشعره الأسود الناعم، وظهره الأسمر يظهر من خلف القميص الكتان الأبيض. المطبخ قديم ومتسخ جدا، لا تكاد تتبين اللون الأصلى للسيراميك من بقع الدهون المختلطة بالتراب، إلا أنه ليس مهجوراً؛ فالثلاجة بها بقايا أكل، والبوتاجاز عليه طاسة زيت وأعواد ثقاب مستعملة. لم تشأ أن تفسد الليلة بسؤاله: لم يتردد على شقته القديمة وهو يعيش مع أسرته فى التجمع.

جهز صينية الكباب والكفتة، وقبل أن يحملها استدار فجأة وأخذ وجهها بين كفيه، وقال:

«أنا مبسوط قوى إنك معايا النهارده».

وضع الصينية على الطاولة الخشبية التى تقشرت فى أكثر من موضع، أضاءت الشمعة المعطرة وهى تبتسم وتقول:

«تاتش رومانسى».

تناولا العشاء معاً وهماً يشاهدان فيلما كوميديا لأكرم حسنى. ضمت ساقيها إلى صدرها وانكمشت على نفسها والتصقت به كطفلة صغيرة. أحاطها بذراعه واستمرا فى الضحك وهما يشاهدان الفيلم.

استغرقت فى الاستمتاع بالونس، واستحضرت مشاعر زوجين يقضيان ليلة الجمعة معا بعد أن ينام الأطفال.

كان مباشراً وصريحاً حين قال لها: «أنا عاوزك، تعالى ندخل جوّة».

قالت: طب نكتب الورقة الأول.

ورقة زواج عرفى. بلا محام ولا حتى شهود. ورقة بلا قيمة، لكنها تحفظ لها القليل من ماء الوجه. وفى نفس الوقت لا تعرضها لخطر وصول الخبر لأبى الأولاد الذى لا يكف عن مطاردتها وتهديدها بأخذ الاولاد إذا تزوجت، أو إيقاف معاش والدها الذى يسقط حقها فيه بزواجها.

طبقت الورقة باهتمام ووضعتها فى شنطتها وقالت: «حادخل أغير هدومى».

ارتدت قميص النوم المثير، وجلست على جانب الفراش فى مواجهة التسريحة تنظر إلى نفسها فى المرآة وتفكر ما الذى سيحدث الآن، سيباغتنى كرجل جائع؟ شعرت بالاشمئزاز عندما تذكرت زوجها السابق وجلافة طبعه.

دخل الغرفة تسبقه رائحة برفان قوية، ويحمل فى يده وردة. قبلها على جبينها وقال:

«مبروك يا عروسة. حشغّل مزيكا هادية، إيه رأيك»؟

أومأت بالموافقة.

خفّف إضاءة الغرفة وجلس بجوارها.

بهرتها جرأته وسلاسته، هو مدرك لعمق رغبتها، إلا أنه بحكم السن والخبرة يتمهل بين الخطوة والأخرى حتى لا يفزعها: تتسلل يداه إلى جسدها بهدوء، ولا يتقدم خطوة قبل أن يتأكد أن رغبتها أقوى من خجلها. استسلمت وتركت له القياد.

أدركت أنها بحضرة شخص يعرف ما يجب أن يقال وما يجب أن يفعل؛ فتركت جسدها بين يديه ليشبع، بعد سنوات طويلة من الزهد الإجبارى. عاشا لحظات الحب التى طالما اشتاقا لها وأسهبا فى وصفها على رسائل «الواتس اب».

فى العاشرة مساء قال إنه يجب أن يعود إلى التجمع ليبيت فى «البيت»، ويقضى الجمعة مع عائلته كالمعتاد.

انتهت لحظات المشاركة المصطنعة والحب والوله نهاية باردة ومفاجئة. قاما بجمع قطع الديكور البائس، وعادت الشقة متربة كالحة كما كانت. لملمت أشياءها بنصف وعى. شعرت بالاستغلال على الرغم من أن كل شيء تم بإرادتها.

فى طريق العودة أرسلت رسالة صوتية إلى «چنى»، تطلب منها أن تستعد، هى وأخوها، ليرجعا معها ويباتوا فى بيتهم الليلة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق