رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جزء من اليقظة

عبير أحمد

أتذكر جيدأ يوم رحيلى،كان الموافق يوم 31 من ديسمبر صباحا، الحدث مؤلم للجميع ولى أيضا، أتذكر تفاصيل الوفاة. كنت أتناول طعام الفطور، وفجأة وقعت على الأرض مغشيا على لم يكن معى مالاً؛ لأحضر طبيب يبلغنى هل مازلت حيا أم لا. أحضرت زوجتى جارتنا الكبيرة فى السن، لديها مايكفى من الخبرة أن تعرف إن كنت ميتا أم لا. فجاءت تقلب فى جسدى يمينا ويساراً وتفتح عينى ولكن بلا جدوى، بلغت زوجتى أننى فارقت الحياة، ما أبسط رحيل البسطاء! وجدت نفسى بعدها فى صندوق ضيق جدا، صنعه نجار بخيل كان الصندوق أصغر من جسدى كثيرا، رغم ذلك أحاول أن أتأقلم مع هذا الوضع مؤقتاً، حتى أصل إلى المقبرة. أتذكر كان الوقت من منزلى إلى المقبرة عدة ساعات، ولكن لا أعرف كم من الوقت سأقطعه وأنا ميت، وليس لدى رغبة جادة للوصول مبكرا، فالوقت أصبح عندى غير مهم ولم يعد لدى ارتباطات بعد الآن.

الوقت ممل داخل الصندوق، تمنيت لو أن معى صديقى المقرب بهجت وزجاجة النبيذ ولعبة الشطرنج القديمة، ولكن لا أظن أن أحدا سيلبى دعوتى إلى هنا.

الوحدة مختلفة هنا تماما. أشعر بتيار بارد يخترق الصندوق، لا أعرف مصدره وبعد تركيز اكتشفت أنه ثقب صغير جدا على جانبى الصندوق. الفضول دفعنى أن أستدير وأنظر من وراء الثقب؛ لأرى ماذا يحدث بالخارج وجدت عدداً قليلاً من المشيعين لجنازتى، أولادى يحملقون فى دهشة، كأنهم لا يعرفون من مات. زوجتى تقف بعيداً كأنها خائفة من عدوى- الموت - أبواب الدكاكين القديمة مفتوحة كما هى بلا زبائن وأصحابها يجلسون أمامها كالتماثيل.

عم موريس صاحب محل بيع الملابس المستعملة يغرقنى بوابل من السباب؛ لأنى مت قبل سداد الدين الذى له على، لكنه شعر بالإحباط ولا جدوى من ذلك، فعاد يشاكس مع زبائنه لإقناعهم من جديد أن بضاعته جديدة. الوجوه شاحبة على المقاهى المطلة على شارع ضيق متسخ، كأنهم فكرة مترهلة من عالم قديم. الشوراع تبدو أشد قدماً عن طبيعتها من داخل الصندوق، وها هو الشحاذ يجلس فى منتصف الطريق بملابسه الممزقة، يمد يده للمارة ولا أحد يعطيه قرشاً واحداً. أقدام المشيعين تترنّح بالصندوق وأنا بداخله، كأنى أتأرجح على حافة مبنى قديم آيل للسقوط. اللامبالاة تملأ المكان، أشعر أن العالم لايبالى برحيل أحد وخاصة إن كان من الفقراء مثلى! أشعر بقلق لم أعتده من قبل، حتى صديقى بهجت لم يحضر جنازتى، احتمال سيتذكرنى عندما تمر جنازتى أمام المكان الذى يقضى معظم يومه فى شرب النبيذ فيه، وقد لا يتذكرنى لو أكثر من الشراب، فلا داعى للتخمين، قليل من الوقت وأصل أمام المكان؛ لأرى بنفسى ماذا يفعل هذا اللعين مع العاهرات وأنا هنا.

كم كنت ساذجاً عندما تصورت أن العالم سيبكى من أجلى. يتباطئ السير بى، أنظر من وراء الثقب، أجد نفسى أمام مدرستى، نعم هى بجدرانها القديمة المتهالكة، فابتسمت بسخرية من أيام الطفولة، ما أجمل الأمنيات! ونحن صغار تخيلت كل الذكريات كأنها اليوم، صوت التلاميذ فى فناء المدرسة كما هو، جرس الفسحة، الحديقة التى لا تشبه الحديقة فى شىء، الطباشير الملون،صوت المدرسين، وبالذات مدرس الرسم، كنت أعشق مادة الرسم، وكنت موهوباً جداً فى الرسم، كان حلمى أن أصبح رساماً مشهوراً. تذكرت مزحة قديمة عندما طلب مدرس الرسم منا أن نرسم فاكهة مفضلة لدينا، ولأنى لا أعرف الفاكهة ذهبت إلى بائع الفاكهة؛ لأرسم نوعا من الفاكهة فأعجبت بنوع عرفت من البائع أن اسمه تفاح، وجلست قرابة نصف اليوم عند البائع. أرسمها جيدا؛ لأننى أراها للمرة الأولى، ولدى شعور بغربة شديدة بيننا، ولكن رسمتها مقضومة، وعرضتها على المدرس فى حصة الرسم مما أضحك التلاميذ والمدرس، وسألنى «لماذا مقضومة ياغبى؟» فأجبته «لأننى كنت أتمنى أن أتذوق طعمها يا أستاذ مما أضحك التلاميذ، لكنها كانت الإجابة الحقيقية داخلى، وليس نكتة، طردنى المدرس من حصة الرسم لمرات؛ لأنى لم أحضر أدوات الرسم، ثم بعدها طردت من المدرسة نهائيا؛ لأننى لم أعد قادراً على تسديد مصروفات المدرسة. ذكريات التفاحة المقضومة مازالت تنهش فى عقلى وجسدى حتى الآن، فهنا فى الجنة مؤكد لن أحتاج للألوان، فكل شىء جميل، وصلت أخيرا أمام الحانة القديمة». أرى صديقى بهجت يترنح كالعادة وفى ذراعه امرأة تشبه إلى حد ما النساء، تلف بيدها على رقبته كأنها خائفة أن يهرب منها كيف لا يبحث عنى هذا الأحمق حتى الآن، ولم يعرف حتى خبر وفاتى! وأنا الذى أترنح أمامه فى هذا الصندوق الضيق من الصباح وحتى الآن! وهو غارق فى مضاجعة النساء وشرب النبيذ، ولولا أنى ميت، لأبرحته ضربا شديدا، ولكن لأنه صديقى المقرب لا يسعنى إلا أن أقول له ليلة كريسماس سعيد ة يا بهحت مع هذه المرأة القبيحة. انصرف الإثنان ناحية البدروم القديم الذى يسكن فيه أول الشارع.

سرقت انتباهى فجأة فتاة جميلة بملابس عارية قصيرة، تخرج من الحانة مع رجل عجوز، يا لها من فتاة فاتنة! فجمال ظهرها يوحى بوجه أكثر سحراً. تتبادل هى والعجوز القبلات أمام المارة، يتحسس بيده النحيفة خصرها المثير، يخرج من جیبه نقوداً؛ ليغريها على قضاء ليلة الكريسماس معه.. كم تمنيت أن أموت فى يوم آخر غير هذا اليوم؛ لأحتفل بهذا اليوم الجميل معهما. تستدير الفتاة بوجهها ناحية فتحة الصندوق. المفاجأة تكاد تقتلنى؛ إنها ابنتى الكبرى سلمى، لا أصدق ما رأيت، الغضب يحرق أعصابى. أحاول الخروج من الصندوق؛ لأقتل هذا الرجل الذى غرر بابنتى، وجعل منها فتاة ليل، لكن الصندوق سيكسر ضلوعى. القدر يحكم قبضته على بشدة، فهنا كل المحاولات قطعاً ستفشل. حاولت السيطرة على أعصابى، فتذكرت أشياء داخلها، تفاصيل مهمة لم أنتبه إليها وقتها، تذكرت فساتين سلمى التى تملأ الدولاب، والمساحيق التى كانت تضعها بكثرة، وتأخرها حتى منتصف الليل عن البيت، تفاصيل كبيرة أفهمتنى مغزى معين، لكن اليقين الوحيد بداخلى الآن أننى أب ليس مثالياً. ضجيج عال يقطع تسلسل أفكارى، أسمع صراخ امرأة وأطفال، أنظر من الثقب، إنها زوجتى وأولادى، ماذا يحدث لهم؟

إنها مشاجرة مع صاحب المنزل الذى أسكن فيه يرمى بأثاث منزلى القديم المكسور إلى الشارع، ويطرد عائلتى لأنهم لا يملكون مالاً لدفع الإيجار. ما أسوأ معاملة البشر عندما لا نملك مالا! وما أسوأ العالم عندما يحكمه المال! وهذا بائع الخبز يقوم بضرب ابنى الصغير حتى يسيل منه الدم، لقد سرق رغيف خبز أثناء انشغال بائع الخبز بمشاهدة المشاجرة مع أمه، وقام باستعادة الرغيف ثانية. يبكى ابنى منكسراً تحت حائط الدكان، زوجتى تلملم باقى أثاثها المتهالك بفعل الزمن المتوحش الذى لا يرحم الأثاث ولا الإنسان! تحنو على طفلها الجائع وتهدئ من روعه. سلمى تجرى مسرعة ناحيتهما بملابسها العارية القصيرة.. أمى أمى، لقد أحضرت لكما النقود، وسنعطى المالك الإيجار، ونشترى بالباقى طعاما لنا. يا له من ثمن بخس يا ابنتى! تمنيت أن يعطينى أحد سكينا؛ لأقتل نفسى مرات، لكن عذرى الوحيد أننى ميت بالفعل. كم أصبح وجود هذا الثقب مؤلما وقاسيا جدا. ليست كل النوافذ المطلة على العالم تجلب لك مشاهدة ممتعة. لا أريد أن أنظر منها مجدداً، ولكن الأحداث تفرض نفسها تباعا. عائلتى تصعد إلى غرفتهم ثانية بعد سداد الإيجار، أرى ابنى الصغير يخبئ شيئا ما وراء ظهره. أخته سلمى تلاحظه وتسأله ما هذا الذى تخبئه وراء ظهرك يا سمير، يرد عليها «إنها تفاحة سرقتها من بائع الفاكهة، ضحكت سالى «يا لك من ولد محظوظ، ستأكل فى أول العام الجديد تفاحاً!» ثوانى وانطفأت الأنوار؛ احتفالاً بقدوم عام جديد، وأنا لم أصل المقبرة حتى الآن! كأننى أحمل على أكتاف عام هزيل لا يستطيع الوصول بى مبكرا! وأخيراً تمنيت حظاً سعيداً لعائلتى البائسة، وحظاً أوفر لابنى الصغير الذى أخيراً سيقضم التفاحة ولن يحتاج لرسم تفاحة مقضومة، ولن يسخر منه العالم بعد الآن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق