رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

علامة بريطانيا التجارية فى خطر

رسالة لندن منال لطفى
الملكة والمؤسسة الملكية وبريطانيا يمرون بأوقات عصيب

تمتلئ الصحف البريطانية بقصص حول خطط الاحتفال باليوبيل البلاتينى للملكة اليزابيث الثانية، أى ذكرى مرور 70 عاما على توليها العرش، ومن ضمن الخطط لإحياء الذكرى إقامة حفلات شعبية فى الأحياء والشوارع، وغرس الأشجار احتفالاً بالمناسبة، وطابع بريدى تخليدى، ومسابقة لابتكار «حلوى بودينج» جديدة. لكن من المرجح أن يكون طعم الاحتفالات مُر المذاق.

فبريطانيا تمر بأوقات عصيبة، وأزمات تثير غضب الشارع واحتقان الرأى العام، وهذه الأزمات متعلقة بأميرين ورئيسى وزراء. الأميران هما دوق يورك الأمير أندرو، ابن الملكة اليزابيث، والأمير هارى حفيد الملكة، ورئيسا الوزراء هما، رئيس الوزراء الأسبق تونى بلير ورئيس الوزراء الحالى بوريس جونسون.

فالملكة ستحتفل باليوبيل البلاتينى لها على العرش، فيما ابنها الأمير أندرو يواجه محاكمة فى أمريكا بتهمة الاستغلال الجنسى لفتاة قاصر، هى فيرجينيا جوفرى.

محاكمة أندرو فى أمريكا مصدر حرج بالغ للمؤسسة الملكية، ولا عجب أنه بعد قرار المحكمة الأمريكية عدم إسقاط الدعوى وطلب شهادة أندرو، أعلن قصر باكنجهام تجريد دوق يورك من كل أدواره العسكرية الشرفية، وتنحيته من كل المؤسسات الخيرية التى كان يرعاها، ومنعه من استخدام لقب «صاحب السمو الملكي».

بيان قصر باكنجهام فى جملتين قصيرتين نقل أندرو من أمير لديه حصانة، إلى شخص بلا مزايا، موضحا أنه سيواجه المحكمة بصفته «مواطنا عاديا»، فى قطيعة حادة تُظهر أن القصر لن يغامر بانتظار المحاكمة وتداعياتها، أو معرفة ما إذا كان أندرو يمكنه تبرئة اسمه فى المحكمة أم لا.

المتخصص فى شئون العائلة المالكة بيتر هانت كتب على تويتر ملخصا الوضع: «أظهرت عائلة وندسور أنه عندما تكون المؤسسة فى خطر، فإن الحفاظ على السلالة الحاكمة يتفوق على علاقات اللحم والدم». فبدلاً من مواجهة أسئلة محرجة لا نهاية لها حول مستقبل أندرو، قام قصر باكنجهام بضربة استباقية وقائية، وأعلن بشكل عملى أن أندرو لن يعود أبداً إلى ممارسة دور رسمى فى المؤسسة الملكية.

والسؤال الملح الآن:هل سيكون ذلك كافيا لحماية العائلة الملكية من التداعيات السلبية للمحاكمة خلال عام يريدون فيه التركيز على احتفالات اليوبيل البلاتينى للملكة اليزابيث؟

لا أحد يعلم على وجه الدقة فالمحاكمة لن تبدأ إلا فى وقت لاحق هذا العام وبالتالى مسارها وما سيترتب عليها من تداعيات ما زال مجهولاً. ومع أن العائلة الملكية نجت من العديد من العواصف من قبل لأسباب من بينها شعبية الملكة اليزابيث والتمييز بين مؤسسة الملكية والأفراد الذين يشكلون جزءاً منها، إلا أن الأزمات الأخيرة تلقى بظلال من الشك على مستقبل الملكية بعد رحيل الملكة اليزابيث. ومع أن شعبية الملكة ما زالت مرتفعة، فإن محاكمة أندرو إذا طال أمدها وإذا تم الكشف عن تفاصيل مخزية خلالها سيؤثر هذا بالسلب على المؤسسة كلها، وبالتالى أفضل السيناريوهات هو تسوية القضية فى أقرب وقت ممكن بدلاً من «التعذيب البطيء» لأشهر بسبب التغطية الصحفية المحرجة والعناوين المدمرة فى وسائل الإعلام عبر الأطلنطى.

طبعا كان يكفى الملكة اليزابيث أزمة أندرو، لكنها تواجه أيضا أزمة جديدة مع حفيدها الأمير هارى الذى غادر بريطانيا والمؤسسة الملكية كى يستقر فى أمريكا مع أسرته.

ففى سابقة من نوعها، رفع هارى دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية البريطانية كى تعيد إليه عناصر حماية شرطة سكوتلاند يارد لتوفير الحماية له خلال زياراته لبريطانيا، وقال الممثل القانونى لهارى إن الدعوى قُدمت «للطعن فى اتخاذ القرار وراء الإجراءات الأمنية الحالية، على أمل إعادة تقييم ذلك من أجل الحماية الواضحة والضرورية المطلوبة»، موضحاً أن هارى وعائلته غير قادرين على العودة لزيارة بريطانيا لأن ذلك يشكل خطراً عليهم دون التمتع بحماية الشرطة البريطانية.


متظاهرون أمام داوننج ستريت يرتدون أقنعة وجه بوريس جونسون خلال احتجاجات على انتهاكات الحكومة لقواعد ا

فمنذ تخلى هارى عن دوره فى المؤسسة الملكية ومغادرته لأمريكا، قررت الداخلية البريطانية عدم تزويده بحراسة من الدولة وتركه يعتمد على شركات أمنية أمريكية خاصة. لكن هارى يريد عودة عناصر سكوتلاند يارد لحمايته خلال زياراته المستقبلية لبريطانيا على أساس أن عناصر الحماية التابعين للشركات الأمنية الأمريكية الخاصة، لن يكون بمقدورها الاطلاع على معلومات حساسة حول المخاطر الأمنية أو تبادل المعلومات مع الشرطة البريطانية.

إنها المرة الأولى التى يرفع فيها عضو فى العائلة الملكية قضية ضد حكومة المملكة المتحدة، وهذه إذن قضية أخرى أمام المحاكم ستكون الأعين مسلطة عليها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، أضف إلى ذلك مذكرات هارى المتوقع أن تصدر هذا العام، والمتوقع أن تشكل صداعا كبيرا فى رأس المؤسسة الملكية.

وإضافة إلى الأميرين، هناك رئيسا وزراء تسهم اخبارهما أيضا فى احتقان الرأى العام.

الأول هو رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير الذى تم منحه وسام الفروسية ولقب سير ما أدى لانتقادات لاذعة لنظام التكريم فى بريطانيا. فعندما أعلن قصر باكنجهام لائحة الألقاب والتكريمات مطلع هذا الشهر صُدم ملايين البريطانيين بتكريم بلير الذى ما زال كثيرون يعتبرون أن يده ملطخة بدماء البريطانيين والعراقيين بعدما شارك فى غزو العراق 2003 والتى دفع بريطانيا إلى خوضها دون أدلة كافية.

وبعد منح بلير وسام الفروسية بأيام قليلة كانت العريضة التى تدعو لسحب التكريم منه قد وقع عليها أكثر من مليون بريطانى، واستشهدت العريضة بدوره فى حرب العراق، موضحة: إن رئيس الوزراء الأسبق هو الشخص الأقل استحقاقا للحصول على التكريم... لقد تسبب فى ضرر لا يمكن إصلاحه لكل من دستور المملكة المتحدة ونسيج الأمة.. لقد كان مسئولا شخصيا عن التسبب فى مقتل عدد لا يحصى من الأبرياء والمدنيين والجنود فى نزاعات مختلفة (العراق وأفغانستان). ولهذا وحده يجب أن يحاسب على جرائم الحرب.

وردا على الانتقادات، قال المتحدث باسم الحكومة البريطانية إن مثل هذا التكريم من اختصاص الملكة وليس للحكومة أى دور فيه، موضحا أيضا أن كل رئيس وزراء سابق يتلقى دائماً وسام الفروسية. لكن من بين رؤساء الوزراء الأربعة الآخرين الأحياء، فقط السير جون ميجور هو من حصل على وسام الفروسية، فحتى الآن لم يحصل جوردون براون أو ديفيد كاميرون أوتيريزا ماى على تكريم مماثل، برغم دور براون البارز فى التصدى للأزمة الاقتصادية العالمية 2008.

لا يمكن التقليل من حجم الغضب والاستياء إزاء تكريم بلير. فحرب العراق جرح غائر فى ذاكرة البريطانيين وفى سجله، فقد راح ضحية الحرب نحو مليون عراقى، وما زال ضحاياها يسقطون حتى اليوم عبر العمليات الإرهابية التى تشنها تنظيمات متطرفة، أو غرق الآلاف من المهاجرين واللاجئين العراقيين فى القنال الانجليزية أو البحر المتوسط فى محاولة للهروب لأوروبا من أوضاع صعبة فى العراق. كما أن حربى العراق وأفغانستان كلفت الخزينة البريطانية أكثر من 20مليار جنيه إسترلينى. وبالنسبة للبريطانى العادى ،الذى يعانى مشاكل اقتصادية مركبة وارتفاع الأسعار ونسبة تضخم عالية وتعقيدات تطبيق البريكست ،فإن تكريم بلير هو لطمة كان فى غنى عنها.

وإذا أضفت إلى كل هذا أزمات حكومة جونسون التى لا تنتهى ستجد أن عام احتفالات اليوبيل البلاتينى لم يكن ليأتى فى وقت أصعب.

فجونسون يجد نفسه فى مهب الريح بسبب «فضيحة الحفلات» أو «بارتى جيت» فى «داوننج ستريت» فى أثناء الإغلاق الوطنى فى بريطانيا خلال 2020 و2021.

فحتى الآن تم الكشف عن نحو 14 حفلة أقيمت فى مقر الحكومة بحضور عشرات الأشخاص،فى الوقت الذى كان فيه البريطانيون ممنوعين من لقاء أفراد أسرهم. ومن بين تلك الحفلات، حفلة أقيمت عشية جنازة الأمير فيليب، زوج الملكة اليزابيث، فى أبريل الماضى عندما كانت التجمعات محظورة ما أجبر الملكة على الجلوس وحيدة دون دعم أفراد أسرتها خلال جنازة زوجها.

الكشف عن تلك الحفلة فى داوننج ستريت عشية جنازة الأمير فيليب بحضور العشرات اضطر جونسون لتقديم الاعتذار للملكة شخصياً، وللاعتذار للبريطانيين فى البرلمان.

لكن اعتذار جونسون كان «نصف اعتذار»، فهو قال أمام نواب حزبه بعد الاعتذار إنه من الناحية الإجرائية لم يرتكب العاملون فى داوننج ستريت مخالفات قانونية ضد قواعد الإغلاق العام على أساس أن «الحفلة لم تكن حفلة لأنها أقيمت فى مكان العمل».

لكن فضيحة الحفلات، بالإضافة إلى قيود كوفيد 19، والآثار السلبية للبريكست على الاقتصاد البريطانى ،كل هذا أسهم فى تراجع حاد وسريع فى شعبية جونسون، فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة الـ «أوبزرفر» أن شعبية جونسون انهارت إلى مستويات أسوأ حتى من رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماى.

ووفقا للاستطلاع حصل حزب العمال على دعم 41٪ مقابل 31% لحزب المحافظين. وفيما يتعلق بفضيحة الحفلات، يعتقد 78٪ من الناخبين أن موظفى داوننج ستريت انتهكوا قواعد الإغلاق، مقابل 8٪ قالوا إنهم لم يفعلوا ذلك. ويعتقد نحو 76٪ أن جونسون نفسه خرق قواعد الإغلاق، مقابل 8٪ يعتقدون أنه لم يفعل ذلك. فيما أعرب 13٪ فقط عن اعتقادهم بأن جونسون يقول الحقيقة بشأن ما حدث، مقابل 64٪ يعتقدون أنه يكذب، بينمايعتقد نحو 67٪ أن على الشرطة البريطانية التحقيق فى فضيحة الحفلات وعدم الاعتماد على التحقيق الداخلى الذى تجريه الحكومة. فيما يعتقد أكثر من ثلثى من تم استطلاع رأيهم أن على جونسون الاستقالة.

بعبارة أخرى، تضيق الدوائر بسرعة حول جونسون، لكن هذا لا يعنى بالضرورة الإطاحة به على الفور، فهناك اختبار الانتخابات المحلية فى مايو المقبل، وإذا خسر حزب المحافظين مئات المقاعد فى المجالس المحلية ورؤساء المدن والبلديات فمن المؤكد أن يفتح هذا الطريق للإطاحة بجونسون، لكن معضلة هذا التوقيت أنه يدخل بريطانيا فى فترة من الاضطراب السياسى، بينما ذروة احتفالات اليوبيل البلاتينى للملكة فى شهر يونيو.

ولإنقاذ زعامته وللفت الانتباه لقضايا أخرى، بدأ جونسون تنفيذ خطة تحت اسم رمزى هو «إنقاذ الكلب الكبير» (Save Big Dog) كشفت صحيفة الإندبندنت تفاصيلها، وتتضمن الخطة قيام رئيس الوزراء البريطانى بالتخلص من كبار مستشاريه الحاليين فى داوننج ستريت، ويُعتقد أن دان روزنفيلد، كبير موظفى طاقم مكتبه، ومارتن رينولدز، سكرتير جونسون الخاص من المرشحين لمغادرة مناصبهم.

أيضا ضمن خطة الانقاذ التخفيف الجذرى من قيود كوفيد- 19 لاسترضاء الشارع، وتسليط الضوء على إنجازات رئيس الوزراء فى تنفيذ البريكست وقيادة بريطانيا خلال الجائحة، والسماح لعدد متزايد من النواب بالحديث للإعلام للدفاع عن جونسون، أيضا من ضمن الخطة ضم نواب ذوى شعبية لتحسين صورة الحكومة مثل وزير الصحة السابق جيرمى هانت ودفع منافسى جونسون المحتملين مثل وزير الخزانة ريشى سوناك ووزيرة الخارجية ليز ترس للخروج بشكل علنى أكبر والدفاع عن جونسون، علما بأنه بعد كشف فضيحة الحفلة فى داوننج ستريت عشية جنازة الأمير فيليب، انتظر سوناك وترس لأكثر من 9 ساعات كى يغردا «دعماً بارداً» لجونسون يؤكدان فيه ضرورة انتظار نتائج التحقيقات الداخلية فى وقائع «بارتى جيت».

طبعا فى ظل الجائحة وتداعيات البريكست والوضع الاقتصادى ومشاكل العائلة الملكية كانت بريطانيا فى غنى عن تحقيقات «بارتى جيت». لكن فضيحة الحفلات تُكمل الصورة السيريالية للمشهد، فهذه الأزمات تضر بعلامة بريطانيا التجارية، فبدلاً من استغلال اليوبيل البلاتينى لتولى الملكة، ومشاعر الارتياح النسبى لبدء انحسار الجائحة والتطلع لصيف سعيد، تجد بريطانيا نفسها تتطلع لصيف ملتهب قد يكون مليئاً بالمفاجآت، بعض هذه المفاجآت قد يضر بالمؤسسة الملكية واستقرار الحكومة الحالية، وبعدما كانت بريطانيا رمزا للاستقرار السياسى والمؤسسى والدستورى، مقارنة بدول أوروبية أخرى ،أصبحت بريطانيا مضرب الأمثال فى الحكومات قصيرة العمر والفضائح المتتالية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق