رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كازاخستان .. المشكلة بين المقدمات والنتائج

د. سامى عمارة
> بوتين توكايف

بالكثير من القلق تواصل العاصمة الروسية متابعة تبعات ما جرى من مواجهات دموية وأعمال شغب فى كازاخستان مع مطلع يناير الحالى، ردا على قرارات الحكومة برفع أسعار الغاز، حسب التفسيرات الرسمية التى سبق وأعلنتها القيادات السياسية فى هذه الجمهورية الآسيوية. ورغم ان الرئيس قاسم جومارت توكايف سارع بإلغاء هذه القرارات واتخذ قراره بإقالة الحكومة، وإعلان موافقته على كثير من مطالب المتظاهرين، فقد تواصلت أعمال الشغب واتخذت طابعا سرعان ما وصفه كثيرون من القيادات الرسمية فى كازاخستان وفى روسيا، بأنه «مخطط إرهابي» لا يستهدف كازاخستان وحسب، بل كثيرا من البلدان المجاورة لها. وذلك ما أكده رؤساء بلدان معاهدة الأمن الجماعى فى اجتماعهم الذى عقدوه عبر الفيديوكونفرنس أخيرا. وفى هذا الصدد أعلن رؤساء روسيا وبيلاروس وأرمينيا وطاجيكستان ورئيس حكومة قيرغيزستان اتفاقهم مع تقديرات رئيس كازاخستان قاسم توكايف الذى قال إن «الأحداث فى بلاده تم تنسيقها من مركز واحد، وكانت مخططة ومنظمة من قبل قوى مخربة، كما شارك فى الاشتباكات أجانب».

كانت الأعمال الإرهابية قد تجاوزت كثيراً من الخطوط الحمراء التى تضعها الدولة للحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة مواطنيها، فى الوقت الذى فشلت فيه قوات الأمن والشرطة والحرس الوطنى فى الحد من وتائر الشغب والعمليات الارهابية التى بلغت حد القتل والتمثيل بجثث الضحايا، وإضرام النيران فى السيارات، بما فى ذلك عربات الإسعاف والمطافئ سعيا وراء الحيلولة دون نقل الجرحى وإطفاء الحرائق التى أضرمها «المحتجون» فى مقار المؤسسات الحكومية وأقسام الشرطة وأجهزة الامن. وذلك ما دفع رئيس الدولة قاسم توكايف إلى طلب العون والمساعدة من منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» التى تضم كلا من كازاخستان وروسيا وبيلاروس وأرمينيا وطاجيكستان بعد اعترافه بأن ما واجهته بلاده من تخطيط جهات خارجية وقفت وراء الدفع بقرابة العشرين ألفا من المقاتلين الذى جرى تدريبهم خصيصا لهذا الغرض. وقال توكايف إنه «مضطر إلى طلب مساعدة وعون منظمة معاهدة الأمن الجماعى بموجب المادة الرابعة من ميثاق تأسيس المنظمة، نظرا لتعرض البلاد لأخطار من جانب عصابات إرهابية دولية تلقّت تدريباً فى الخارج، وينبغى اعتبار هجومها عملاً عدوانياً». وفيما أعلن نيكول باشينيان رئيس حكومة أرمينيا الرئيس المناوب للدورة الحالية لمنظمة «معاهدة الأمن الجماعي» عن استجابته لنداء نظيره رئيس كازاخستان، واتخاذ قرار إرسال قوات حفظ السلام التى تمثل بلدان المعاهدة بما فيها روسيا، أعلن عدد من القيادات الروسية عن شجبهم لما جرى فى كازاخستان من اعمال إرهابية وشغب. وقالت فالنتينا ماتفيينكو رئيسة مجلس الاتحاد، إن هذه الأعمال لا تشكل خطرا ضد أمن واستقرار كازاخستان وحسب، بل أيضا أمن البلدان المجاورة. ومن جانبه قال قسطنطين كوساتشيف نائب رئيس مجلس الاتحاد الروسى، إن ما شهدته كازاخستان من اضطرابات وعمليات إرهابية من تدبير عناصر خارجية، أشار الجنرال فلاديمير فاسيليف رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الحاكم فى مجلس الدوما، إلى أنها تلقت تدريبها فى باكستان، وتابعة لتشكيلات تضم الكثيرين من مقاتلى «الخلافة الإسلامية» التى تحمل اسم «الظاهر بيبرس». وأضاف كوساتشيف أن بلاده تحذر مما قد ينشب من أخطار يمكن أن تتعرض لها روسيا التى تربطها بكازاخستان أطول حدود فى العالم، يبلغ طولها ما يزيد على 7500 كم.  

وفى هذا الصدد أيضا، كشفت صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» الروسية نقلا عن البروفيسور ألكسندر جوسيف، الدكتور فى العلوم السياسية، عن «وقوف أجهزة المخابرات الغربية وراء أعمال الشغب فى كازاخستان قبل اجتماع روسيا والناتو» الذى عقد فى بروكسل فى 12 يناير الماضى. وللمزيد من الايضاح قال ما نصه:

• ليس من قبيل المصادفة أن وكالة التنمية الدولية، من خلال وزارة الخارجية الأمريكية، خصصت 1.5 مليون دولار «لتعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني»، فى الواقع، هذه «ثورة ملونة». هذه بيانات منشورة. يشير كل من التمويل من الخارج والمراسلات إلى المتظاهرين الذين يستخدمون أنظمة معروفة - Telegram و WhatsApp باللغة الروسية، إلى أن هذا إجراء مدروس جيدًا.

ومضى الخبير الروسى ليقول، أن قيادة المتمردين تمت عبر قنوات « Telegram « و « WhatsApp»، وذلك على نحو مشابه لما جرى فى بيلاروس عام 2020. وإذ أشار إلى أن التخاطب جرى عبر القائمة البريدية باللغة الروسية ولم يكن ذلك محض صدفة، حيث إنهم لم يتمكنوا من ترجمتها إلى اللغة الكازاخية، لأن كل شيء تم على عجل، قال جوسيف «لقد تعرضوا لضغوط بسبب ضيق الوقت».

على أن هناك من يقول إن ما جرى فى كازاخستان «ثورة شعبية عفوية ضد الفساد ومن اجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على نحو يعيد إلى الاذهان ثورات «الربيع العربي». وذلك قول يأتى فى سياق القول العربى المأثور، أنه حق يراد به باطل، على حد تعبير الكثير من القيادات الروسية التى سبق وانتقدت ما يجرى فى كازاخستان، من منظور ما يتعرض له الروس هناك من إذلال ومهانة، وهو ما سبق وتوقفت عنده الكثير من القيادات الروسية الرسمية فى معرض انتقاداتها لأوضاع الأقليات الروسية فى عدد من بلدان آسيا الوسطى ومنها كازاخستان.

وعلى ضوء ما تناولته صحف روسية ومنها «كومسومولسكايا برافدا» من أخبار تقول بتغلغل أجهزة أمريكية فى كازاخستان، نشرت هذه الصحيفة واسعة الانتشار حديثا مع جينادى أونيشينكو خبير الوبائيات والسياسى المعروف، أعرب فيه عن مخاوفه من احتمالات انفجار الأوضاع المتعلقة بتفشى الفيروسات والأوبئة، من منظور ما جرى الكشف عنه من أخبار حول تأسيس الأمريكيين منذ عام واحد لمختبر بيولوجى عسكرى فى الماآتا، على غرار تلك المختبرات التى سبق وأسسوها منذ سنوات طويلة فى جورجيا، على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. وأعرب أونيشينكو عن مخاوفه من احتمالات مداهمة المتظاهرين لمثل هذ المواقع، التى قال بضرورة أن تبادر القوات الروسية ضمن مهام قوات معاهدة الأمن الجماعى لحفظ السلام بإحكام السيطرة عليها، تحسبا لما يمكن أن يسفر عن وقوعها فريسة لهجمات المتظاهرين من تبعات جسام. وكشف المسئول الروسى، عن أن قيادة كازاخستان سبق وأنكرت وجود جندى أمريكى واحد هناك، رغم ان عددا من شهود العيان قالوا بغير ذلك. وأعرب عن أمله فى أن تتدارك قوات «حفظ السلام» التى وصلت الى كازاخستان هذه المسألة، وتبسط حمايتها على هذا المختبر.

على أن ذلك كله لا يمنع التضارب فى التقديرات التى تتباين بقدر تباين مواقع أصحابها تجاه ما جرى ويجرى فى كازاخستان على مدى عقود طوال. فهناك من يقول أن الأحداث التى عصفت وتعصف بكازاخستان يمكن تناولها من منظور الصراع على السلطة ومحاولة الإطاحة بالرئيس الحالى قاسم توكايف، الذى ثمة من يعتبره «ستارا» يواصل الرئيس السابق نزاربايف ممارسة الحكم من ورائه. بينما يؤكد آخرون عدم صحة هذا الطرح، وهو ما أكده توكايف بسرعة سيطرته على الموقف والامساك بكل خيوطه بعد استقالة نزاربايف من منصبه كرئيس لمجلس الأمن الوطنى، وإقالة كريم ماسيموف من سكرتارية هذا المجلس واعتقاله بتهمة بالخيانة العظمى، بسبب تقصيره وعدم اتخاذ ما يلزم من إجراءات للكشف فى حينه عن مخططات التدخل الأجنبى والخلايا النائمة للإرهابيين، الذين ينتمى الكثيرون منهم إلى فصائل المجموعات المتطرفة التى تنتشر فى الشرق الأوسط والبلدان المجاورة. وحول احتمالات التدخل الأجنبى، يقف مراقبون عند الولايات المتحدة التى لا تكف عن مواصلة تدخلها فى الشئون الداخلية لبلدان الفضاء السوفيتى السابق، مشيرين إلى انتشار منظمات المجتمع المدنى التى تتجاوز أعدادها عشرات الآلاف فى كازاخستان. وأشار هؤلاء إلى سيطرة الولايات المتحدة وعدد من البلدان الغربية على معظم مكامن الثروة والطاقة فى البلاد، من خلال عدة شركات. ولم يغفل المراقبون كذلك الدور الذى يتصاعد يوما بعد يوم لتركيا فى المنطقة، فى إطار ما أعلنته عن طموحات استعادتها لأمجاد الإمبراطورية العثمانية السابقة فى هذه المنطقة. ولا يغفل هؤلاء المناورات الدورية التى طالما أجرتها كازاخستان مع تركيا وعدد من البلدان المجاورة.

ورغما عما تقدم ذكره، فإن هناك من يقول أن ما جرى فى كازاخستان يخدم بشكل غير مباشر المصالح الجيوسياسية لروسيا، ويوفر لها المقدمات المناسبة لاستعادة الاتحاد السوفيتى السابق، وهو ما يجب التوقف عنده بالكثير من الاهتمام، فضلا عن اعتباره أعباء إضافية تقع على كاهل موسكو، المدعوة إلى القيام بواجبها فى مواجهة المخططات الأمريكية والغربية التى تستهدف المنطقة. ورغم أن الرئيس فلاديمير بوتين سبق وأعلن أن «من لا يعرب عن الأسف والآسى لانهيار الاتحاد السوفيتى إنسان بلا قلب، وأن من تراوده فكرة استعادة الاتحاد السوفيتى السابق إنسان بلا عقل»، فإن هناك من الدلائل ما يشير إلى تراجع مثل هذه التوجهات. أما عن الأسباب فتكمن فى الضغوط المتواصلة التى تواصل الولايات المتحدة والدوائر الغربية ممارستها ضد روسيا، وفيما يتحلى به بوتين من خصال تدفعه إلى الجنوح نحو تبنى نظرية المؤرخ البريطانى أرنولد توينبى، تؤكد أن بوتين وعلى عكس أسلافه فى الكرملين وتحديدا ميخائيل جورباتشوف وبوريس يلتسين، وبدلا من النكوص الى الماضى ومحاولة اجترار أحزانه والبكاء على أطلاله، إنطلق إلى تصفية تبعات أخطاء ذلك الماضى، ومواجهة تحديات الحاضر، سعيا وراء مستقبل قال إن بلاده تستحق أفضله.  وفى هذا الصدد، أشرنا سابقا إلى ما وصفه توينبى فى نظريته «التحدى والاستجابة» التى تقول «إنه كلما ازداد التحدى تصاعدت قوة الاستجابة حتى تصل بأصحابها إلى ما يسمى بـ «الوسيلة الذهبية»، التى تتلخص فى أن الحضارة تقوم من خلال مواجهة التحدى بسلسلة من الاستجابات». انطلق بوتين لا يلوى على شيء، يشد من أزره ما تراكم لديه من خبرات «ضابط كى جى بي» ومن ملفات جمعها بحكم مناصبه السابقة، مستفيدا من كبوات نظرائه ممن كان يعرف أنهم يضمرون لبلاده مصيرا مشابها لما سبق وحققوه مع الاتحاد السوفيتى السابق. فما أن نجح فى وأد أحلام الانفصاليين فى القوقاز والشيشان، وإعادة بناء البيت من الداخل، حتى شخص بكل قامته فى مؤتمر الأمن الأوروبى فى ميونيخ فى فبراير ،2007 ليقول برفضه لعالم القطب الواحد وعدم جواز استمرار زحف الناتو شرقا. أعاد على أسماع «خصومه وشركائه» ما قاله مانفريد فيرنر أمينه العام فى أعقاب حل حلف وارسو 1991، حول أن الحلف لن يتقدم خطوة أبعد من حدوده الحالية شرقى ألمانيا الغربية! وجاءت الأزمة الأوكرانية لتوقظ روح التحدى لمواجهة مخططات الناتو والولايات المتحدة، وفضح حقيقة أن قائمة أحلامهما المؤجلة لا تقتصر على جورجيا وأوكرانيا، وإنما تستهدف أيضا تقويض أمن واستقرار روسيا والصين، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفيتى السابق. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق