رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

« صِلة ».. دراما بديعة على مسرح آداب عين شمس

باسم صادق
مشهد من العرض

سيظل المسرح الجامعى حصانا رابحا لا يعرف معنى الخسارة، حتى وإن مرّ بفترات ضعف أو تراجع، مثلما يحدث منذ عامين تقريبا بسبب إجبار جائحة كورونا للنشاطات المسرحية الحية على التوقف.. ورغم هذا فقد أسرنى عرض «صلة» لطلاب كلية الآداب جامعة عين شمس والحاصل على جائزة أفضل عرض وجوائز التمثيل والنص والإخراج ضمن فعاليات مهرجان الاكتفاء الذاتى المسرحى بالجامعة.. وهو نص استوحى تفاصيله الشاب الواعد محمد السورى من قصة للأديب الكبير د. يوسف إدريس وأخرجه محمد صلاح.


بذكاء شديد بنى المؤلف محمد السورى نصه على قصة «أكان لابد يا لى لى أن تضيئى النور؟» والواردة ضمن المجموعة القصصية بيت من لحم المنشورة سنة 1971، بالإضافة لعدد من المقالات التى كتبها الأديب يوسف إدريس، فقد تناول فكرة الغواية والضعف الإنسانى أمام مغريات الشيطان والشهوة، حتى ولو كان الضحية شيخا فقيها فى أمور الدين.. فنسج بإحكام شديد عدة خطوط درامية تربط بين عالَمين، عاَلم الشيخ الذى وجد نفسه إماما لمسجد فى الباطنية معقل تجارة المخدرات، وعاَلم المعلم حنتيتة المسيطر على تلك التجارة والمتزوج من أربعة، ويعيش كباقى أهل الحارة حياة تحكمها المتناقضات بين الحرص على الصلاة فى أوقاتها بالمسجد، والتحكم فى أهل الحارة ببيع المخدرات لهم وعدم قدرته هو نفسه على التواصل مع زوجته الأحدث صافية بسبب تعاطيه المستمر، وحين يناقشه الشيخ فى الأمر يقع الصدام بين العالمين، فى حين يقع الشيخ أيضا ضحية ولعه بجارته «نور» الغانية التى يشتهيها الجميع ولا ينالها أحد لشعورها تجاههم بالدونية.. تطلب منه تعليمها الصلاة فيحاول التملص ولكنه يقع أسير هواها.. وتدور الدراما متوازية بإتقان بين صراع الشيخ ضد شيطان شهواته وبين سعى حنتيتة لاستمرار تجارته بينما بيته ينهار من الداخل بعلاقة آثمة بين زوجته وصبيه، حتى يموت قتيلا فى النهاية بعد شجار مع صبيه، لتسيطر زوجته على تجارته..

نجح المخرج فى تقديم صورة بصرية جذابة تخدم البناء الدرامى، اعتمد فيه على اختياراته المتناغمة للممثلين وتكوينات التعبير الحركى لمحمد بحيرى التى اختزل بها كثيرا من المناطق الحوراية المعبرة عن الصراع مع الذات، ومحاولات الشيخ للانتفاض من أسر ضعفه الإنسانى، بينما جسد محمد رضا دور الشيخ بتمكن شديد لاينقصه إتقان الفصحى، واستغل فيه أدواته الجسدية وتعبيرات وجهه ببراعة، خاصة مشاهد مناجاة الخالق طلبا للمغفرة والاستعاذة من شيطانه، ورغم ظهور بعض أهل الحارة فى شخصيات نمطية إلى حد كبير إلا أن الشخصيات الرئيسية حافظ فيها الممثلون على سماتها النفسية والجسدية، فلعب محمد صلاح دور المعلم حنتيتة ببساطة وخفة ظل مستخدما ضحكة ساخرة تناسب شخصيته المتناقضة، وأحسنت تهانى عصام فى دور صافية زوجة حنتيتة المطيعة، الباحثة عما يعوضها فقدان إحساسها بأنوثتها حتى تقع فى الرذيلة مع صبى المعلم.. بينما أحكمت مريم جبريل تفاصيل شخصية نور الغانية التى تستخدم جمالها فى التلاعب بالشيخ وبصافية وبكل أهل الحارة كما تشاء، دون أن تقع فى شراك الابتذال المتعارف عليه فى أدوار الغانيات.. وجسد سامر باسم شخصية على لوز المتسكع بلا عمل بتمكن شديد مستغلا تعبيرات وجهه وشعره الأشعث وتكوينه الجسدى الممتلئ قليلا خاصة بعد فقدانه لزوجته ليفقد معها معنى الحياة رغم فقره، وهو خامة تمثيلية واعدة يذكرنا كثيرا بأداء الراحل محمد متولى.. بينما تعاطفنا كثيرا مع شخصية نعمة البائسة المريضة التى تمثل صوت الحكمة، ولعبتها ميار مجدى بعذوبة وبساطة رغم بؤسها.. ورغم تحقيق التعايش مع الأحداث بالموسيقى الحية والغناء الجاذب لمحمد بكر، إلا أنه عابها طغيان صوت الآلات والغناء على أصوات الممثلين فى أغلب أوقات العرض، مما أثر سلبا على العلاقة التفاعلية بين الممثلين والجمهور.

العرض إجمالا حالة درامية بديعة بدءا من اختيار كلمة «صلة» عنوانا له، تعبيرا عن الصلة التى لا تنقطع بين العبد وربه مهما غرق فى الرذائل وكيف يمكن أن تمتد أواصر تلك الصلة مهما ألهتنا مغريات الدنيا.. والحقيقة أن بريق العرض يؤكد أن الصلة بين المسرح والقصة والرواية تزداد قوة وعنفوانا، والعبرة بمن يستطيع أن يلتقط من بين سطورها ما يصيغ به دراما تتسم بالثراء والحيوية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق