رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المعلم إبراهيم جوهرى بين التاريخى والمقدس

هبة عبدالستار

لا تزال السير أو قصة حياة الشخصيات وسيلة مهمة لاستكشاف وتحليل جوانب مختلفة من التاريخ، خاصة على صعيد التاريخ الاجتماعى، حيث يقوم المؤرخون بدراسة التاريخ من أسفل ليضيئوا لنا المزيد مما كان مخفيا فى الهامش. ولعل كتاب “المعلم إبراهيم جوهري.. سيرة مصرية من القرن الثامن عشر»، الصادر عن دار المرايا للثقافة والفنون، للباحث الدكتور مجدي جرجس، أحد تلك الكتب المهمة التى تتبع سيرة أحد أعيان القبط وتكشف خلاله المزيد عن تاريخ مصر العثمانية.

المعلم إبراهيم جوهرى كبير أعيان الأقباط المصريين بالقرن الثامن عشر، ذو أصل متواضع، والده حائك غير مسلم، ولكن الابن ارتقى السلم الاجتماعي حتى وصل إلى قمته ولعب أدوارا مهمة، مالية وسياسية، وأصبح زعيما وقائدا لطائفة القبط، حتى كتب عنه الجبرتى في حولياته، وسجلت سيرته الكنيسة القبطية في سجل قديسيها الرسمى، الذين تُتلى سيرهم بالكنائس.

بعيدا عن تلك السيرة المعروفة التى تحصره فى إطار طائفى محدود؛ يعيد جرجس سرد سيرة جوهرى، مستعينا بالوثائق، التى تشغل نصف صفحات الكتاب، كاشفا عن جوانب شديدة الأهمية والثراء، من تاريخ مصر العثمانية في عهد علي بك الكبير بالقرن الثامن عشر مثل الحراك الاجتماعي ومعاييره، وفاعلية الدين وسيادة المفاهيم الدينية آنذاك، وتحولات التغير في تمثيل الأقباط من (الدينى/ الكنيسة) إلى (المدنى/الأعيان) وكيف أثرت الظروف السياسية على تشكل علاقات قوی جديدة بمصر، وكذلك رصد ميلاد توجهات اقتصادية شبه رأسمالية ميزت الدولة العثمانية ككل، وكيف أتاحت مجالات لتراكم رأس المال وتنميته، وتوظيف وسائل شرعية لتسهيل هذه المهمة ما يفسر ثراءه العريض؛ وتمكن المباشرون الماليون الأقباط، عبر سلطتهم المعرفية، من اكتساب نفوذ سمح لهم بتواجد قوى ومؤثر على الساحة السياسية؛ وكيف كانت قراءاتهم للنزاعات السياسية، وكيف تشكلت ولاءاتهم، وكلها زاويا مهمة لقراءة التاريخ السياسي لمصر.

يتتبع جرجس جذور العائلة ونشأتها وتحول مسارها من حرفيين إلى أرباب قلم، وكيف تسني لابن حائك غير مسلم تعديل مساره المهني، ثم التدرج الوظيفي ليبزغ نجمه بداية من عام 1770م عندما التحق بالعمل عند الأمير علي بك الكبير، ثم ما لبث أن صار كبير المباشرين منذ عام 1771 م وحتى وفاته، وما تبعه من حراك اجتماعي، وكيف تغيرت مع هذه النقلة كافة مظاهرالحياة الاجتماعية للأسرة.

تكشف سيرة جوهرى تغير بنى الطوائف والفئات الاجتماعية وكيف لم تجعل السياقات الثقافية والاجتماعية في مصر بتلك الفترة، من الدين شرطا أساسيا في الحراك الاجتماعى الذى كانت تسييره الفرص التى توفرت لحرفيين وأفراد من خارج الصفوة، للاستثمار وتكوين رءوس أموال أو انتسابهم لطوائف العسكر أو رجال الدين، دون أن يكون لهم علاقة بالعسكرية أو الكنيسة.

كما تقدم سيرته نموذجا لكيفية إدارة الأعيان لأمور الطائفة القبطية وإذعان وترحيب الكنيسة بهذا الدور، والمكاسب والمغانم التي تحصلت عليها الطائفة بفعل هذا النظام، وكيف أن القرن الثامن عشر شكل سياقا لبروز نخب محلية رسخت نفوذها وأسست لمصالح طويلة المدى. وكيف هيأ ارتخاء قبضة الدولة المركزية، الظروف لتشكل ما يطلق عليه جرجس “هويات محلية”و في ظل هذا السياق الجديد، استطاع المعلم إبراهيم جوهري أن يشرع في نهضة عمرانية بمعظم أرجاء مصر، وأنفق خلالها أموالا جزيلة على إنشاء وترميم وتعمير الكنائس والأديرة. فضلا عن أنه بعد وصوله لمنصب رئيس المباشرين صار منغمسا في دواليب السياسة، وقريبا من دوائرالسلطة بحكم منصبه، وتمكن بحنكة من إدارة علاقاته بين مراكز القوى المختلفة التى ترسخت بمصر وقتها.

أحد أبرز جوانب الكتاب خلال رصده لتحول سيرة المعلم إبراهيم جوهري إلى سيرة مقدسة؛ يلقى جرجس مزيدا من الضوء على كيفية صناعة الرمز المقدس وتحولاته وكيف تتم صياغة الأحداث التاريخية لتتسق مع نمط السير المقدسة سواء من خلال توثيق معاصر لصاحب السيرة أو رجال الدين أو من خلال إقحام روايات شفاهية وكرامات مجهولة المصدر لتشكل إرثا يتخذ صفة الرسمية، يتراكم بلا تنقيح ويتم أخذه كمسلمات فتصيرالسيرة رسمية ضمن طقوس الكنيسة، ويصبح من الصعب العبث بمكوناتها؛ فبذل المؤلف جهدا كبيرا لتتبع كل تفاصيلها ومحاولة ردها إلى أصولها، لافتا إلى أهمية الفصل بين التاريخي والمقدس حتى تستقيم الرواية التاريخية، معتبرا أنه في حالة إبراهيم جوهري، فإن خلط المقدس بالتاريخي ظلم الرجل وشوه سيرته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق