رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لحاف العائلة

نهى صبحى;

من نافذة غرفتى التى شهدت أوقات عزلتى المفضلة ألقيت نظرة على ساحة بيتنا الكبير التى هلَّ الشتاء عليها أهلاً وضيفًا.

بلل المطر البلاطات القديمة المجوفة، وامتلأت البؤر الطينية العتيقة لتفوح منها رائحة كالمسك تشفى جراح العليل، الرائحة المقربة إلى قلبى.

تنقر قطرات المطر شجرة الليمون الصغيرة ورغم أن أمى زرعت أكثر من نوع فى ساحتنا، فإن شجرة الليمون المحظوظة نالت نصيب الأسد من ماء المطر اليوم، أما عن التعاسة فهى من نصيب زرعة البامية الحزينة التى كان نصيبها أن تختبئ تحت المظلة الكبيرة، دون أن تتلقى قطرة واحدة تروى ظمأها.

أشعر بالظلم الواقع عليها يوخز صدرى وكأن أمى تعمدت التفرقة العنصرية فيما بين الشجيرات الصغيرة كما فعلت مع أخويَّ الصغيرين اليوم حين تجنى أحدهما على الآخر فأسرعت وحكمت على المظلوم بالعقاب دون أن تبحث عن أصل الحكاية، أو ربما كومة أعمال المنزل المتكدسة فوق رأسها جعلت رأسها غير خاوية، ولا ترغب فى إرهاقها بالمزيد من مشكلات الصغار.

أرغب فى ارتداء معطفى والخروج لمساعدة الشجرة البائسة فى الحصول على حقها من المطر، لكنه بدأ يشتد مرة أخرى، وانطلق صوت البرق والرعد يلقيان الرعب فى روحى كساحرتين شريرتين تنفثان العقد فى ليلة شتاء طيبة غزيرة المطر، كلما كثر فيها الدعاء نفث فيها الشر فى العقد، وكأنى أرى هاروت وماروت يمران خلفهما بكؤوس قرمزية مدخنة فى ساحة المنزل وقت شرارة الرعد الغاضبة ويختبآن كلما توقفت.

تَجول عاصفة خفيفة بين الأوانى الملقاة على عتبة المطبخ تحاول أن تلطخها بالماء المحمل بالطين لتدمر تعب أمى طول نصف يوم، رنين الأوانى مع نقرات قطرات المطر يتناغم مع رفرفات أوراق الشجر والمظلة فى الهواء البارد.

تلك الحالة تتعارض مع مشهد الساحة الصيفى، وهى مليئة باللعب بين إخوتى وشجارهم وشكواهم وصرخاتهم، وأصوات الباعة الجائلين على عتبتنا ينادون على أمى للشراء منهم، وزيارات أمى وأبى المستمرة لجلسات الصلح والتحكيم، وزيارات جارتنا أم كريم المقيمة بمنزلنا تقريبًا التى تأتى بأخبار المنطقة إلى أمى أولا بأول، لم تتوقفا عن النميمة أبدًا، أما عن حفلة النميمة الكبيرة فتكون حين تأتى الجارات مع بناتهن فى ساحة منزلنا وكأنه عرس شعبى، مرات يأتين للمشاركة فى صنع الخبز، ملتفات حول فرننا القديم أو يجتمعن بهدف الطبخ الجماعى، أو ربما بلا هدف لكن حكايتهن التى تتسلل من تحت عتبة بابى الموصد دائمًا كانت تجذبنى، وأحيانًا تحفزنى للخروج والمشاركة بالرأى والفتوى، وفى النهاية ألقى عليهن تعليقى الساخر، وأدخل إلى غرفتى مرة أخرى مع صوت ضحكهن الجماعى الذى يبهج روحى ويحسن مزاجى.

رغم عزلتى المستمرة فكلما دخل الشتاء، زاد شوقى لدفء الأسرة، زاد حماسى حين تخللت رائحة البطاطا المشوية إلى أنفى من خلف جدران الغرفة الرئيسة التى تجتمع بها كل الأسرة مختبئين من برد الشتاء.

أثناء ارتداء معطفى فى حماس أشعله دخان البطاطا سمعت صوت أختى الكبيرة هند التى تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًّا تنادينى للخروج من أجل تناول وجبة العشاء، سرعان ما أجبتها، وطلبت منها فى لهفة أن تنتظرنى خارج الغرفة، وتصطحبنى معها من شدة الخوف حتى لا أذهب إلى هناك وحدى إنها فرصتى، خرجت وأنا ألفلف نفسى من البرد وبيدى جواربى السميكة وأدفس أذنيَّ بين شعرى الغزير الطويل ليدفئهما ثم طلبت من هند الانتظار لحظة بإلحاح حتى لا تهرب منى وتسبقنى إلى هناك، واتجهت نحو الشجرة البائسة بسرعة سحبتها خارج المظلة، وعدت مع نظرة انتصار بإنجاز المهمة.

صدرى ممتلئ بالسعادة، وهى تتلقى أولى قطرات المطر، سألتنى هند: «ماذا تفعلين؟ هيا سيبرد الأكل»، قلت لها: «لا تشغلى بالك» وأنا على يقين أنها لن تفهمنى إذا شرحت لها وجهة نظرى وربما ردت بسخرية، فتستفزنى ويشب بيننا شجار، دخلت الغرفة الكبيرة والجميع فى صوت واحد: «أغلقى الباب خلفك بسرعة، حتى لا يدخل البرد» كان الجميع على الأرض ملتفين حول طاولة الطعام، وأبى بهيبته وجسده الضخم على رأس الدائرة، وأمى تضع فى المنتصف محشى الكرنب الساخن الذى عبأ الغرفة بالدخان، وزادها دفئًا فى إناء واحد كبير يأكل منه الجميع.

تمسك غادة آخر العنقود البالغة من العمر ثلاث سنوات طرف جلباب أمى، وهى تسكب الطعام حتى إنها تعيق حركتها، وهى توزع على كل منا قطع اللحم وتحاول إبعادها فى حذر.

دفست نفسى بين إخوتى هروبًا من نظرة أبى العميقة التى يقول لى بها: «أهلا يا هالة، أخيرًا خرجتِ من غرفتك وجلستِ معنا مثل إخوتك» لكننى وقعت فى يدٍ أعنف، قالت أمى وهى تعطينى نصيبى من اللحم: «تفضلى يا هالة، أفضل قطعة ربما تقتنعين بالجلوس معنا».

اكتفيت بهز رأسى بالشكر فى خجل، وهند المستفزة تضحك على كلام أمى بنبرة ساخرة، أرغب فى الهجوم عليها، وأكل كتفها الناعم، ولكنى تجاهلتها بصعوبة. بدأ بيننا سباق على من يأخذ نصيب الأسد حتى أنهينا عليه كاملاً ثم نهضنا، وبالتناوب غسلنا أيدينا فى ركن من أركان الغرفة وضعت فيه أمى وهند التى تساعدها فى أعمال المنزل دائمًا إناء وصابونة وإبريق ماء دافئ.

أمسك يوسف الأخ التوأم لسيف اللذين لا تتوقف شجاراتهما جهاز التحكم، وأشعل التلفاز فيما أتى سيف بلحاف كبير وكان أول من يجلس تحته أمام الشاشة. بعدما نظفت هند المكان، جلست بجواره أنتظر دخول أمى بالبطاطا الساخنة؛ لأخذ نصيبى منها قبل العودة إلى غرفتى، جلس الجميع ومددوا أرجلهم تحت اللحاف، أخرجت قدمى وارتديت جوربى، الذى لم يكن كافيًا لتدفئة قدمى فى هذه الليلة الشتوية الباردة جدًّا.

بحثت قدماى عن الدفء تحت لحاف العائلة التى أختبئ داخله بخجل، دبيب الأمطار على النافذة والبرد القارس بالخارج يتسلل بشكل موجه فى خبث من بين فتحات النوافذ وعتبة الباب من كل حين لآخر لكنه سرعان ما ينهزم أمام دفء غرفتنا. اعتدت الضجيج، وتصارع الأنفاس التى تعلو على صوت التلفاز، أحسست بضيق من الجورب عديم الفائدة فنزعته، وألقيت به بعيدًا، دون أن أنظر أين أصبح، لكننى رأيت نظرة أمى، وهى تنظر لى تلك النظرة الغاضبة التى تقول: ألم تتوقفين عن أفعالك الفوضوية؟

ظللت أخشى أن تعاقبنى، ولا تعطينى نصيبى من البطاطا التى تحملها بيدها، حتى انبثقت نفحات رقيقه دافئة بجوار وجنتى، وهى تمد يدها بها تجاهى فأخذتها على استحياء، وفركت قدميَّ ببعضهما، وأنا آكل البطاطا معزولة عمن حولى فى حالة خاصة، وأنا أتناولها بنهم تلك الأكلة الشتوية المفضلة لى، كنت أستمتع بالحالة حتى دخل أخى الكبير ذو الثلاثة عشر عامًّا، ودفس قدمه المثلجة تحت اللحاف فانتفض جسدى من البرد، وصاح الجميع فى وجهه من البرد الذى نشره تحت لحافنا الدافئ، إنه مستفز وذو طابع حاد وأنا أتضايق من تعليقاته الساخرة السخيفة التى يكثر من إلقائها علينا طوال الوقت لدرجة أننى أشعر بالرغبة فى الهرب منذ لحظة دخوله، عادت الفرحة إلى روحى حين دخلت أمى وجلست عن يمينى..

تلك القدم الدافئة، تسللت بقدمى مسرعة باحثة عن مصدر الدفء، حتى اصطدمت قدمى بسطح أملس رغم شقائه، فقدمها دافئة جدًّا اليوم كقلبها تمامًا، الجميع يتسابق على الالتفاف حولها، وأخذت ألمسها فى حذر من بين أقدامهم، وأتحسسها بأطراف أصابعي؛ حتى لا تشعر ببرودتى وتفر هاربة، وكلما حاولت التشبث بها انزلقت قدمى، إنها ملساء رقيقة، وحرارتها تزيد من إحساس النعومة الذى يدفع بقدمى للأسفل كلما حاولت التشبث بها أكثر، وجدت أقدام إخوتى تلتف معى حول قدمها التى أدفأتنا جميعًا.

حينها اطمأن قلبى، وقررت أن أميل على أذنيها خلسة دون أن يسمع أحد وأطلب منها المساعدة بعدما أخبرها أننى فى حالة فزع منذ يومين بسبب قطرات الدم التى وجدتها فى ملابسى الداخلية، ولا أعرف كيف أتصرف فيها، ولا من أى أتت، وأننى أتألم منذ حدث ذلك، ولا أجرؤ على الخروج من الغرفة من شدة الخجل، ولا النظر إلى أعين أحد، ولكنى لم أجد أمى، وضعت هند يدها على رأسى وعيناها مليئة بالدموع، وجذبتنى إلى صدرها وهى تنظر إلى أبى، وهو يحتضن بقية إخوتى فى أسى وتقول: «رحم الله روح أمى ستظل بيننا وداخلنا مدى الحياة رغم أنها غادرتنا بجسدها لكن روحها الدافئة ستظل تحرسنا وترعانا».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق