رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسافر

عبدالرحيم كمال

مسرعًا يهرول على رصيف المحطة حاملًا حقيبته، يحاول أن يلحق بالقطار الذى بدأ التحرك. الضجيج الذى يملأ المحطة لم يمنع وصول صوت والده المتكرر فى أذنه، والقادم منذ سنوات مضت: «القطر ما عيستنّاش حدّ.. دايمًا رُوح قبل القطر ما يوصل المحطة».

فشل فى اللحاق بالقطار الذى ابتعد كثعبان حديديّ عجول، ليرى قريبًا له يقود دراجته وهو يبدّل بساقيه اللتين إحداهما خشبية. كيف دخل قريبه ذلك بالدارجة إلى رصيف المحطة؟ وكيف تركه الأمن الواقف على بوابة المحطة يفعل ذلك؟

توقف قريبه بالدراجة بجواره تمامًا وهو يتصبب عرقًا ويقول لاهثًا: «اركب ورايا ع العجلة وهنلحقو القطر قدام».

ركب خلفه وأخذ قريبه يبدّل بسرعة رهيبة حتى يلحقا بالقطار، فيما هو يحمل الحقيبة الكبيرة وقد استقرّ أحد طرفيها على كتفه، وطرفها الثانى على كتف قريبه، الذى بدا عليه التململ والضيق ثم الغضب، فدفع الحقيبة فجأة بعيدًا عن كتفه، ليسقط هو وحقيبته على الأرض وإلى جوارهما ساق قريبه الخشبية.

أفاق وهو يلملم حقيبته التى انفتحت وطارت منها الأغراض، ليتعلق كل غرض منها بشخص من المارّة، فيتعلق القميص برجل عجوز، والبنطال بفتاة ممتلئة، فيما غطّت غياراته الداخلية البيضاء رؤوس مجموعة من الشباب والفتيات، فصاروا يضحكون ويقفزون فى سعادة.

جاهَد فى سحب أغراضه من الناس وأعادتها الى حقيبته، فيما كان قريبه يرقص على الدراجة بساق واحدة ويصنع حركات بهلوانية رائعة، جعلت الناس يصفقون له ويمنحونه عديدًا من السيقان الخشبية الملونة.

واصَلَ طريقه مبتعدًا، ليأتى صوت القطار من مكان قريب، يلتفت نحو الصوت ليجد صديق طفولته الذى غرق فى النيل. كانا معا فى الصف الثانى الإعدادى، وكان يجلس إلى جواره فى آخر ركن فى الفصل. غاب ماجد عن الفصل فى وسط الأسبوع فى اليوم التالى، عرف الجميع أنه غرق، بكى يومها بكاءً طويلًا وحده فى الفصل، بعد أن غادر الجميع. وها هو يراه الآن كما هوــ مبتسمًا ممتلئًا، يركب حمارًا أبيض وخلفه قطيع من الحمير السود الصغيرة. يبتسم له بفرحة شديدة، ويهمّ بسؤاله المعتاد: «هل عُدتَ من الموت...؟»، ولكن ماجد يقاطعه فى جدّية طفولية بقوله: «اركب حمار من دول وتعالى ورايا عشان تلحق القطر».

ركب حمارًا واحتضن حقيبته أمامه،كان الحمار يسير ببطء عجيب، لا يكاد ينقل أرجله إلى الأمام إلا بصعوبة بالغة، فيما يقود ماجد حماره الأبيض ويُسِرع قبل أن يتلفت فجأة ويقول: «هو انت كبرت ليه كده وانا لا؟».

لم يجد إجابة مناسبة، فبدأ فى لكز الحمار فى بطنه بقدميه ليسرع قليلًا، فالتفت إليه الحمار فى ضيق، ورفع نصفه السفلى إلى أعلى، فتزحلق هو وحقيبته نحو مؤخرة الحمار، الذى ضرب برجليه الخلفيتين الهواء بكل قوّته، فانقلب هو وحقيبته على الأرض. حمل حقيبته ووقف تحت الشمس ينظر فى دهشة، وغابت الحمير، وغاب صديق طفولته، فهتف فى ضيق: «يا رب، لو حلم صحّينى.. يا رب».

رفع عينيه ويديه ورأسه بالدعاء، ليرى طائرة تحلّق فى السماء لكنها ليست على ارتفاع شديد، بل أخذت تهبط رويدًا رويدًا حتى صارت قريبة من الأرض، ليفتح بابها ويهبط سلّم منها حتى يلامس الأرض أمام قدميه، وتهبط منه مضيفة حسناء تبتسم له وتحمل عنه الحقيبة وتقول له بلطف: «اتفضل معانا، احنا أسرع من القطر».

صعد خلفها مفتونًا، وقادته داخل الطائرة إلى مقعد وثير جلس عليه، فأحضرت له بطانية لطيفة دثرته بها، وقبّلته فى جبينه وهمست قائلة: «رحلة سعيدة».

أغمض عينيه قليلًا ثم فتحهما ونظر من شباك الطائرة، ليرى سحابًا متراكمًا كالقطن يجاور الشباك، وعلى ذلك السحاب الأبيض كانت جارته ناهد الفاتنة الأربعينية تسير، وبجوارها طفلتها رضوى ذات السنوات الخمس، وعلى كتفها «مشنّة». كانتا مشغولتين بالحديث والطفلة تقطف من ذلك الثلج القطنى وُتلقى به بعيدًا. انتبهت الطفلة أخيرًا إلى وجوده خلف الشباك، وتنبّهت أمها التى اقتربت من زجاج الشباك وأشارت إليه كى يفتح الشباك من الداخل، لتمنحه قطعة خبز من مشنّتها.

يفتح الشباك دون أن ينتبه إلى تحذيرات المضيفة، التى كانت تجرى نحوه مسرعة محذِّرة، ولكن بعد فوات الأوان، فقد فتح الشباك.

تمدّ إليه السيدة ناهد وابنتها رضوى أيديهما لتساعداه على الخروج من شباك الطائرة الضيِّق، ويمشى ثلاثتهم معًا على السحاب. كم كانت فكرة مغرية. تُغلِق المضيفة الشبّاك خلفه من الداخل وهى تهز رأسها فى تعجُّب، وتبتعد الطائرة حتى تغيب، وهو يسير سعيدًا بجوار السيدة وابنتها، متفاديًا قِطَع السحاب التى تُلقيها عليه الطفلة رضوى، وتهمس جارته همسة ساخنة فى أذنه: «الظاهر ان دى أول مرة تمشى ع السحاب، فخُد بالك».

ينظر فى دهشة إلى قدميه، فإذا بهوّة رهيبة بين سحابتين، والطفلة تضحك وتقول: «القطر بتاعك تحت أهه».

يلمح القطار تحته يجرى، وتنزلق قدماه فيهوى إلى أسفل وهو يحرك يديه بعشوائية علَّهُ يُمسِك بأى شيء، وبالفعل تُمسِك يده اليسرى بشىءٍ ما، لا يتبيِّنُه، فيمدّ يده اليمنى لتتشبَّث اليدان معًا بنفس الشىء الذى يبدو زلقًا طريًّا محاطًا بالريش الناعم، وتغوص الأصابع فى اللحم الطرى، يرفع رأسه إلى أعلى مستكشفًا، ليجد نفسه معلقًا فى الهواء ويداه متشبثتان بمؤخرة طائر ضخم، والطائر يتألم ويصرخ صرخة مروعة، فيتركه ويهوى. يواصل السقوط ولكن الطائر ينتبه إلى سقوطه، فيمدّ ساقيه ويمسكه بمخلبيه من قميصه، ثم يرفعه على ظهره، ليستقرَّ فوق الطائر طويل العنق، وينظر من أعلى. كانت لحظة تحمل قدرًا كبيرًا من السعادة والإثارة، والهواء يلفحه من كل ناحية وهو يشاهد العالم من فوق ظهر طائر ضخم رماديّ الريش طويل العنق ضخم الرأس، لكن سرعان ما تبدّدت تلك المتعة وتحوّلت الى خطر عظيم؛ كان تحتهما بحر عظيم والطائر يندفع فجأة إلى أسفل باتجاه البحر بكل قوّته، وكأنه قذيفة موجهة بدقة تنقضّ على البحر، ليغطس أخيرًا رأس الطائر فى البحر، والماء يغمر جسمه ويديه الممسكتين برقبة الطائر، يكاد يقع من فوقه وسط الماء، ولكن سرعان ما خرج رأس الطائر من الماء وفى منقاره سمكة ضخمة حية تتلوى، كانت قبل ثوانٍ هانئة فى بحرها تلهو، لولا أن رأتها عين الطائر الذى يبتلع سمكته ويعاود الصعود. ومع حركة الصعود المفاجئة تلك، يختلّ توازنه ويسقط فى البحر وهو يصارع الموج العاتى، والطائر يواصل صعوده إلى السماء.

كانت حقيبة سفره تطفو بجواره، وقد راحت أغراضه تعوم إلى جواره وهو يحاول أن تكون الحقيبة طوق نجاته، فيحتضنها فى أمل، فيما هناك سفينة تحمل راية عليها عظْمتان متقاطعتان وجمجمة ومنظار مثبت فى عين قرصان أعوَر يرصده. يضحك القرصان من ذلك الذى يجلس فوق حقيبته ويجدف بذراعيه فى عمق البحر، ثم يعلو صوت القرصان المبحوح آمرًا: «هاتولى اللى بيصارع الموج هناك ده»، ليجد نفسه تحت عين القرصان الواحدة يتفحصه بعناية، وهو مرعوب يتفحص عين القرصان الأخرى التى عليها ضمادة سوداء مكتوب عليها: «القطر يا ولدى ما عيستناش حدّ».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق