رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«جاليانو».. بلدة إيطالية تشكو «الفجوة الرقمية»

هدير الزهار

مشهد قلما تجده فى عصرنا هذا وربما يصعب عليك تصديقه لندرة حدوثه. ففى مقهى ببلدة جاليانو الإيطالية، يجلس عدد كبير من الكبار والصغار على حد سواء، يتصفح بعضهم الجرائد - مصدر معلوماتهم الرئيسى عن العالم الخارجى - بينما يتحدث الآخرون مع بعضهم البعض، ولا يوجد بينهم ولو شخص واحد ينظر لهاتفه أو يتصفحه، ولا يسعى أى منهم لتصوير المشروب الخاص به لنشره على الانستجرام. وأيا كانت عدد الساعات التى ستمكث بها داخل هذا المقهى، فلن تسمع صوتا لأى هاتف محمول. قد تظن أن المشهد يعود لعصر ما قبل الإنترنت، إلا أنه فى الواقع هذا المشهد معتاد فى بلدة جاليانو الصغيرة، التى تقع فى منطقة توسكانا شمال إيطاليا. وإن كان هذا الوضع لا يعد اختياريا لجميع مرتادى المقهى بل إجبارى، وذلك لمعاناة البلدة من ضعف شبكات المحمول والإنترنت.

بجانب ما تتمتع به هذه البلدة من مناظر خضراء طبيعية خلابة وتلال منحدرة، فقد باتت جاليانو أيضا ملاذا لأولئك الذين يريدون الاستمتاع بالحياة بعيدا عن وسائل التواصل الاجتماعى والتخلص من «السموم الرقمية»، لكن فى الوقت ذاته أصبح غياب تغطية الهواتف المحمولة لا يروق للكثير من سكان البلدة، الذين بدأوا فى الانتفاض ضد عدم قدرتهم على إجراء مكالمات أو إرسال رسائل نصية أو البحث عبر المواقع على أجهزتهم المحمولة. ومن ثم أصبحت البلدة رمزا للانقسام الرقمى فى إيطاليا، خاصة بعد إصدار هيئة مراقبة الاتصالات تقرير حديث وضعت به البلدة فى مرتبة متقدمة بين 204 منطقة فى إيطاليا مصنفة فى التقرير على أنها «مناطق بيضاء جدا» بسبب عدم وجود هواتف محمولة بها، أو بسبب عدم وجود تغطية جيدة للشبكات. ورغم أنه يمكن للأشخاص الوصول إلى الإنترنت فى المنزل عبر أجهزة الإنترنت المنزلى «واى فاى»، إلا أن الاتصال غالبا ما ينقطع، خاصة عندما يكون الطقس سيئا.

وفى تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية، كشف أن سد الفجوة الرقمية يمثل أولوية قصوى بالنسبة لحكومة رئيس الوزراء الإيطالى ماريو دراجى، مع تخصيص نسبة كبيرة لها من الـ 200 مليار يورو (170 مليار جنيه إسترلينى)، التى تتلقاها إيطاليا من صندوق التعافى من جائحة ما بعد فيروس كورونا فى الاتحاد الأوروبى، والتى من المقرر إنفاقها على الرقمنة.

ومن جانبه، يقول جيامبيرو مونجاتى، رئيس البلدية: «لا تستثمر شركات الهواتف المحمولة فى جاليانو لأنها لا تعتقد أن الأمر يستحق التكلفة، لذا إلى جانب أموال صندوق التعافى الأوروبى، يجب على الحكومة أن تدفع للاستثمار فى البلدة»، ويضيف مونجاتى قائلا: «لا شك أنه هناك إحساس قوى بالمجتمع فى جاليانو، فلا نرى أشخاصا يتجولون فى الشوارع وهم يحدقون فى هواتفهم، لكن فى الوقت نفسه، يريد المواطنون أن يكونوا متصلين بالعالم ومواكبين للأحداث، خاصة وأن الهواتف المحمولة باتت الآن ضرورة أساسية، لا سيما فى حالة الطوارئ».

وقد ذكر مونجاتى أنه فى نهاية عام 2019، عندما ضرب زلزال قوى المنطقة، لم يتمكن من تحذير الناس فى البلدة من هذا الخطر أو ارشادهم لاتباع إجراءات السلامة بسبب ضعف الشبكات، ويذكر مونجاتى أنه قام بإرسال العديد من الرسائل التحذيرية على وسائل التواصل الاجتماعى لمطالبة السكان بالخروج للشوارع، لكنهم لم يتمكنوا من قراءتها لعدم اتصالهم بشبكات الإنترنت، فكان عليه إرسال دوريات شرطية لتحذيرهم.

وقد أصبحت أزمة عدم الاتصال بالإنترنت عائقا قويا أمام الطلاب الذين اضطروا لمتابعة دروسهم عبر الإنترنت فى المنازل أثناء عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا، حيث أُجبر بعضهم على أخذ أجهزتهم إلى موقف سيارات يقع على تل قريب من البلدة، حتى يتمكنوا من إيجاد إشارة بعد عناء. ومن ناحية أخرى، يطالب السكان بتحسين شبكة الإنترنت حتى يتمكنوا من التسجيل للحصول على اللقاحات.

ويقول مونجاتى إن الشيء الذى يميز جاليانو عن البلدات أو القرى الأخرى- التى لا يوجد فيها اتصال بالإنترنت- هو عدد سكانها الكبير، كما أنها ليست بعيدة حيث تقع بالقرب من جبال أبيناين، وتبعد ساعة واحدة فقط عن مدينة فلورنسا، كما تشتهر المنطقة بالمتنزهين، كما ظهرت فى مقطع فيديو لأغنية مادوناTurn Up the Radio. لكن مونجاتى يرفض الترويج للبلدة كواجهة لقضاء العطلات لأولئك الذين يسعون للتخلص من السموم الرقمية، حيث يقول: «عندما ذهبت إلى الشاطئ لمدة 15 يوما فى الصيف، أوقفت هاتفى برغبتى.. فالحرية الحقيقية لا تتعلق بعدم وجود إشارة أو الإجبار على إيقاف الهاتف، بل باختيار وقت التوقف.. ونحن بحاجة لمنح مواطنى جاليانو هذا الخيار».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق