رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

انتصار حسن فتحى فى «القرنة الجديدة»

الأقصر ــ رانيا عبد العاطى
القرنة الجديدة تعود فى أبهى صورة

دلالات تراثية وثقافية وحضارية متنوعة عن العلاقة بين الإنسان والمعمار تحملها قرية حسن فتحى الواقعة فى البر الغربى بالأقصر فى المنطقة الوسطى ما بين نهر النيل وجبل «القرنة» الذى احتضن على مدار آلاف الأعوام أهم كنوز وأسرار قدماء المصريين من المقابر الملكية فى وادى الملوك والملكات ومقابر النبلاء.

كان افتتاح المرحلة الأولى من مشروع تطوير قرية حسن فتحى قبل أيام من انتهاء العام المنقضى وبداية العام الجديد. وهو المشروع الذى تم بالتعاون بين وزارة الثقافة المصرية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، ومحافظة الأقصر ليكون ثمرة جهد متواصل امتد منذ أكثر من 12 عاما من أجل الحفاظ على التراث المعمارى لأحد أهم المهندسين المعماريين المصريين فى العصر الحديث، المهندس القدير حسن فتحي(1900- 1989).

يقول الباحث الأثرى البارز فرانسيس أمين، إنه تم بدء إنشاء القرية عام 1946، وقد سبقها حسن فتحى بعام كامل من التخطيط لإنشاء القرية بغرض نقل السكان المقيمين فوق المقابر الأثرية بالبر الغربى. وقتها، والكلام منسوب لفرانسيس، عملت الدولة على دعم تنفيذ المشروع وقامت مصلحة الآثار بتوفير نفقاته. وكان المشروع يحظى برعاية الأميرة فايزة، شقيقة الملك فاروق فى ذلك الوقت. وفى الفترة بين عامى 1946 و1951، نجح حسن فتحى فى تشييد 95 منزلا، وبناء مسجد، ومدرسة، وخان، وسوق، ودوار للعمدية على مساحة 60 فدانا .

ويكمل فرانسيس موضحا «تأثر حسن فتحى بالعمارة النوبية تأثرا كبيرا، مستخدما العناصر البيئية المتوفرة من أحجار وطوب لبن، معتمدا على أشكال هندسية كالأقبية الضخمة، والقباب، وجامعا بين الطرازين الإسلامى والنوبى» وذلك كله بالإضافة إلى تهيئة البيوت لتمتص جدرانها حرارة الصيف وتقوم بإخراجها فى الشتاء.

ويضيف فرانسيس إن تلك الفضائل كلها لم تمنع افتقار المشروع لفهم أبعاد الحياة الاجتماعية بالمنطقة، وذلك حال دون نجاح نقل السكان. فكان هناك ارتباط واضح بين الأهالى ومنطقة المقابر الأثرية. وخلفية تلك العلاقة الوثيقة، كان اشتغال وانشغال الأفراد من قاطنى المقابر بعمليات التنقيب عن الآثار، كما أن المشروع تضمن فصلا لمنطقة «الحظائر» التى تؤوى الدواب المملوكة للأهالى، عن المنازل، وهو أمر غير معتاد عليه فى الثقافة الريفية المصرية.

ويكمل المعمارى جمال عامر، أحد تلاميذ حسن فتحى والذى عمل فى مشروع تطوير القرية منذ بدايته في2010، أن أستاذه الكبير أصيب بإحباط لعدم اكتمال «القرنة الجديدة»، والمقاومة الكبيرة التى صادفت المشروع سواء من الأهالى الذين تمردوا على مبادرة نقلهم إلى محيط معيشى مختلف. أو من جانب قطاع مقاولى البناء، وذلك فى وقت شهد ظهور ثقافة البناء الخرسانى فى القرى، والذى كان يعد مصدرا أكثر ربحا بالمقارنة مع المدرسة التى كان حسن فتحى يبشر بها اعتمادا على استخدام المواد البيئية. ويضاف إلى ذلك ارتفاع منسوب المياه الجوفية، للاعتماد التاريخى بالموقع على «الزراعة» كنشاط اقتصادى أساسى.

وعن فلسفة البناء لدى حسن فتحى، يوضح عامر أنه بخلاف توظيف المواد المحلية واستعمال القباب، فإنه كان حريصا على توفر ما يعرف بـ«صحن الدار» وتوثيق علاقته بمداخل الهواء داخل المنزل. وكان حريصا على فكرة المعمار المحلى المتأثرة بالتراث، فكان يدمج العناصر الحضارية المميزة للثقافة المصرية سواء فيما يخص عمارة قدماء المصريين، أو المعمار القبطى، أو الإسلامى، وذلك من أجل عكس طبيعة التفرد والتنوع بالهوية المصرية.

ويستشهد عامر بنجاح النموذج المعمارى لحسن فتحى فى عدة مدن ومناطق خارج مصر، من بينها ما شهدته «مكسيكو سيتى»، و«الدرعية» فى جدة بالسعودية. وحصل حسن فتحى على تقدير دولى كبير، المعمارى الأشهر اقترن اسمه بعدد من أبرز الجوائز العالمية التى نالها عن استحقاق مطلق مثل منحه من المؤسسة الأمريكية للعمارة جائزة أفضل معمارى، كما حصل على «جائزة أغاخان للعمارة» عام 1980 و«جائزة بالزان» العالمية من إيطاليا، وجائزة الاتحاد الدولى للمعماريين من فرنسا وجائزة المعهد الملكى للمعماريين البريطانيين وجائزة لويس سوليفان للعمارة من الاتحاد الدولى للبناء والحرف التقليدية، وجائزة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

وعن المستقبل، وحسب الدكتور محمد أبو سعد، رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، فإن «القرنة الجديدة» ليست مجرد مشروع معمارى ولكنها أيضا مشروع ثقافى كبير، سيشهد قريبا تطوير وتجديد منزل حسن فتحى، خاصة وأنه فى حالة سيئة جدا. فيحتاج للتدخل العاجل لتحويله إلى مركز ثقافى يضم معرضا للصور الشاهدة على تطور تاريخ المشروع الفذ، وتاريخ معماريه الاستثنائى الكبير الذى انتصر فكره وفنه رغم مرور العقود.

كما ستتم الاستفادة من الاستوديوهات الستة الكائنة بالخان لتخدم «سمبوزيوم التصوير» الذى يقام فى الأقصر سنويا بمشاركة فنانى العالم. والانتصار الأكبر لحسن فتحى، سيكون فى الإعداد الجارى حاليا لملف تسجيل قريته ضمن قوائم التراث المادى لمنظمة اليونسكو.

 

 المدينة على قائمة «الصادرات المصرية»


حسن فتحى

حسب شهادة الدكتور فكرى حسن، أستاذ الآثار الكبير ومدير مركز حسن فتحى للعمارة والتنمية، فإن نموذج «القرنة الجديدة» فى سبيله ليكون من أحدث وأهم «صادرات» مصر فى المرحلة المقبلة.

فالقرنة الجديدة، وفقا لشرح دكتور فكرى حسن، يمكنها أن تكون خير نموذج على كيفية تعامل المعماريين مع ظاهرة «التغيرات المناخية» التى تزداد ثقلا على واقع الحياة اليومية العالمية. فهى تتميز بـ «التكامل» بين عناصر البشر والطبيعة وأهداف التنمية الاقتصادية والممارسات الاجتماعية والمعمار بالطبع، كما أن «القرنة الجديدة»، حسب إضاءة فكرى حسن، من أبرز نماذج التعافى العمرانى أمام الأزمات الكبرى كما فى أزمتى فيضان القرنة وحريقها.

وحسب الشرح الموجز للدكتور حسن، فإن « القرنة الجديدة» مؤهلة كنموذج عالمى قابل للتصدير ويكافح التهديدات المناخية المتصاعدة عبر عدد من العناصر، أبرزها: استخدام المواد القابلة للتحلل والمتوافرة محليا، والالتزام المطلق والسباق بمبدأ «إعادة التدوير» سواء لمواد البناء أو المخلفات المترتبة على الحياة اليومية بالقرية.واعتماد تصميمات اقتصادية تمتاز بمراعاة الإنصاف الإجتماعى.

ذلك كله بخلاف ماهو معروف عن الآلات الهندسية التى اعتمدها وأورثها الراحل حسن فتحى فى توفير مصادر طبيعية للتهوية والتدفئة بالوحدات.

 

 لوحات «عمار» تستعيد ذكرى «مراسم القرنة»


ممدوح عمار مع لوحته «تكوين من القرنة» 1954

"القرنة الجديدة" ليست مجرد تجديد موقع معمارى، ولكنه بعث لحلم حضارى متكامل بدأت تباشيره فى الأقصر قبل أمد بعيد، ولعل فى استحضار سيرة وأعمال الدكتور الفنان ممدوح عمار( 1928- 2012) خلال افتتاح المرحلة الأولى من مشروع تطوير" القرنة الجديدة"، خير دليل إلى هذا الحلم المقصود. شغل الفنان الكبير منصب مدير "مراسم القرنة" التى كان يجرى نشاطها تحت إشراف وزارة التربية والتعليم بين عامى 1954 و1956، وكان أستاذا بكلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة. ويعد عمار من أبرز أسماء عهد "مراسم الأقصر" أو " مراسم القرنة" بالبر الغربى، التى بدأت فى زمن الحرب العالمية الثانية، كتحايل على معوقات السفر حينذاك، وسبيل للابتعاث الداخلى والتفرغ الفنى يمنح لمدة عامين لخيرة خريجى المدرسة العليا للفنون الجميلة، وذلك حتى أغلقت أبوابها فى النصف الأول من عقد الستينيات.

تركت هذه المرحلة الخاصة والفريدة آثارها على الفنان الكبير، سواء فيما يعرف بأعماله المسماة "مجموعة الأقصر"، أو عبر تأثيرات واضحة تعكس أصول الهوية المصرية وعذوبة الممارسات اليومية فى حياة المصريين، وذلك بعدد كبير من بقية أعماله.


لوحة فتاة من الأقصر

ممدوح عمار، الذى تتلمذ على أيدى الفنانين العظام هدايت شيرازى ودكتور يوسف كامل وأحمد صبرى وحسين بيكار، هو أحد العناوين العريضة لمرحلة وفلسفة خاصة فى صياغة هوية الفن التشكيلى المصرى، والذى شكلت "القرنة" أحد ركائز الجهد المبذول فى سبيل تلك الصياغة. فقد كان للأقصر إجمالا تأثير " خالد" على كل من وفد لها من الفنانين وخرجوا منها بمجموعات خاصة حول الأقصر وإلهام دام عمرا. فما يجرى فى القرنة الجديدة هذه الأيام وينتظر أن يكتمل خلال 2022 يأتى كخير تذكرة بارتباط إبداعى خاص بين فنانى الأربعينيات وصولا إلى الستينيات، وبين "الأقصر". وكأنه أيضا يجسد إحدى مقولات الفنان ممدوح عمار: "المتعة الحقيقية فى عملية الإبداع نفسها، ومنزل الإنسان وحديقته هو الحلم الذى يجسد شخصيته".

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق