رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بابا شارو

سلوى بكر

الروتين اليومى لنزلاء مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، تم، وكما جرت العادة منذ زمن طويل، فبعد وجبة فطور متواضعة، تتناسب وميزانية شحيحة لمستشفى حكومى قديم، جرى إخراج كل النزلاء الهادئين المسالمين والمطيعين إلى حديقة المستشفى للمشى والتريض، والاسترخاء على الأرائك الخشبية المتناثرة أسفل أشجار الكافور العجوز، تلمسا لدفء شمس يوم شتوى بارد، كان ذلك ووفقا لما رواه محرر جريدة يومية عريقة فى واحدة من سنين ستينيات القرن الفائت، وعبر سرد شيق لوقائع تمت بالمستشفى خلال ذاك اليوم البعيد، باعتبار ما حدث وقتها طرفة غرائبية لطيفة مستحقة للتذكير بها فى العام الأول من العقد الثالث للقرن الحادى والعشرين، بينما يصول ويجول فيروس كورونا الشرير، و«يجيب عاليها واطيها فى العالم كله».

وعلى مايبدو، فإن المساحة المخصصة لقصة المستشفى هذه، لم تكن كافية لسرد ماجرى على وجه التحديد، إذ إن كاتب الموضوع اكتفى بذكر أن من كانوا بالحديقة يومها، قد خرجوا من بوابتها الحديدية خلسة واختفوا، وكمنت طرافة الحادثة ليس فى رجوعهم سالمين فقط، ولكن فى عددهم الذى زاد زيادة غير مفهومة عند عودتهم داخل أسوار المستشفى مرة أخرى.

طويت الجريدة، منتهية من قراءة الحكاية، مستمتعة بلذتها الممتزجة بلذة نكهة البن الغامق المحوج لزوم الجلوس الصباحى بشرفة بيتى متأملة شجرة كافور وحيدة، نجت من مذبحة أشجار، تمت منذ شهور على الرصيف المواجه لعمارتنا، وقد تخالطت صورة هذه الشجرة مع صور تشكلت بمخيلتى وأنا جالسة بمكانى، عن احتمالات حدوث وقائع، ربما جرت بالفعل بالمستشفى عند ذلك الصباح، ولم تسرد تفاصيلها بالحكاية المنشورة على صفحات الجريدة، خمنت: ربما نسوا إغلاق البوابة جيدا، أو لعل واحدا من حراسها، قد تغيب عن الحضور يومها، وفاجأت زميله آلام وتقلصات معوية حادة جعلته يسارع بترك البوابة، ويندفع بسرعة قوس قزح إلى بيت الراحة، بقيت جائلة بخيالى باحثة عما يكون قد حدث بالفعل يومها بالحديقة إياها فى يوم من أيام ستينيات القرن الماضى، فها هو المريض الجالس على أقرب أريكة للبوابة، يهز رأسه هزا متواليا بحركات عصبية مثلما يفعل دائما لأنه يعانى من تخيلات وهلاوس تداهمه على هيئة ديك بلدى أحمر ضخم دائم الصياح عند أذنيه بكوكو.. كوكو.. كوكو، وعندما يلاحظ ذلك الرجل المفزوع دوما غياب الحراس عند البوابة المنفرجة قليلا، يجرى تجاهها بسرعة ليدلف منها إلى الشارع المفتوح عليه، وللعلم فهذا النزيل تحديدا، طالما كان نزيلا مزمنا بالسجون، منذ زمن الهتاف الشهير «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وقد تعرض للبهدلة والتعذيب منذ ذاك الزمان وما تلاه من أزمنة، بسبب انتمائه لواحد من التنظيمات الشيوعية السرية المنتشرة آنذاك، والتى طالما طالبت بخروج البلد من مأزق الفقر والتخلف والتبعية للاستعمار.

ولما كان جُل المرضى، معتادين فى أثناء تنزههم الصباحى الحدائقى مراقبة بعضهم بعضا من طرف خفى، فقد لاحظ اثنان منهم اجتياز النحيل المبتلى بالديك الصياح، للبوابة وخروجه إلى الطريق، فانطلقا خلفه، ليتبعهما آخرون، بعد أن رفرفت روح القطيع بحلاوتها على الجميع، وإلا ما الذى يفسر كل هذا العدد الكبير الذى ذكره محرر الجريدة الغراء كما تلقب دائما وكل أولئك الذين انطلقوا خلف نزيل السجون والمعتقلات الخبير، لتمتلئ بهم المساحة الممتدة من الطريق أمام المستشفى، وهو الطريق المنشأ بعد عام 1952 ليقطع القرافة الكبرى أسفل جبل المقطم، ويمتد حتى منطقة المعادى بالجنوب، ليصلها بمطار المدينة فى الشمال، وليسمى باسم واحد من الذين قاموا بحركة الجيش المباركة وهو صلاح سالم.

ورغم أن المستشفى لم يكن يبعد عن حى العباسية العريق، فإنه كان محاطا بمناطق شبه خاوية من الناس وغير معمورة، اللهم إلا من بعض الثكنات العسكرية المنشأة منذ زمن المملكة المصرية الأخيرة التى لم تصمد بسب خيبة حكامها فى وجه الزمان إلا بنحو مائة وخمسين سنة لا غير، لذلك ما إن وجد النزلاء أنفسهم خارج الأسوار فى الخلاء الفسيح الممتد، حتى بدأوا ينطلقون على هواهم، والتصرف بما يتناسب ونزلاء مستشفى أمراض نفسية وعصبية، تحت شمس شتوية تلاعبها الغيوم، البعض رفع عقيرته بغناء وصياح وصفيرا، البعض الآخر بدأ يضحك ويكركر ويرقص ويتشقلب على الأرض، قلائل ورغم برودة الطقس، فضلوا خلع ملابسهم ليبقوا كحى ابن يقظان وهو فى الغابة مع أمه الغزالة، وذلك بعد أن تفتحت قريحة المبتلى بالديك وتنبأ بسقوط المطر وهو ينشد مبتهجا.

جادك الغيث إذا الغيث همى

يازمان الوصل بالأندلس

هاجوا وماجوا بسعادة من عبر بوابات الجحيم إلى حيث فراديس النعيم، وقد ملكوا طريق صلاح سالم بطوله وعرضه أمام المستشفى القاهرى الشهير، سعادتهم وفى حقيقة الأمر لم تدم طويلا، فمدير المستشفى الذى واجه المسألة بهدوء وثبات ورباطة جأش تليق بخبير مفرقعات وألغام مخضرم، وبعد أن وجد الرجل نفسه إزاء مصيبة أشد من مصيبة لغم على وشك الانفجار، وقد كان ولحسن الحظ وقت سريان السعادة والسرور، للصاخبين المهللين بصلاح سالم، واقفا عند نافذة مكتبه بالمبنى الإدارى القديم، يدخن ويسحب بالتذاذ نفسا من السيجارة الكوتاريللى المفضلة لديه، وبينما كان يفكر فى إيجاد حل لمشكلة ذلك النزيل الجديد، المصر على أنه قنفذ، ولا يتوقف عن البحث عن ثعابين بالحديقة لاصطيادها، لاحظ ذلك المدير السمين قليلا صاحب الوجه الطفولى، أن الأرائك الخشبية، خالية تماما من جلاسها التقليديين، ولا صوت يأتيه غير حفيف أوراق الكافور الخشنة عندما تداعبها الرياح.

أطفأ سيجارته بسرعة، ونادى على نائبه والممرضين، بينما يمد يده لدرج مكتبه، ليخرج منه صفارته النيكل المطوسة القديمة، ثم لينطلق على رأس جيشه الصغير بأسرع ما يستطيع إلى ما وراء البوابة المفتوحة على شارع صلاح سالم.

المدير هذا، هو مدمن عمل، وتظن زوجته أنه بحاجة إلى علاج، لأنه يقضى جُل وقته بالمستشفى منذ تعيينه به منذ عدة سنوات، وبرأيها أنه مصاب بجنون خفيف، ليس هذا السبب فقط، ولكن وكما تحاول إقناع نفسها لأنه يصر على ارتداء قمصان بألوان قوس قزح الزاهية رغم تجاوزه الخمسين، كما أنه يحرص على متابعة برنامج الأطفال بابا شارو، صباح يوم الجمعة من كل أسبوع، والاستمتاع به كأى عيل صغير.

هذا الجنون الخفيف اللطيف، كما تقول، كثيرا ما كان يحيرها، بل يغيظها أحيانا، مثلما حدث ذات مرة، وهو خارج من الحمام يغنى مع مطرب بابا شارو الألثغ

ياعسيى «يا عسكرى» يا أبو بندقية

يازينة الأمة المصيية «المصرية»

أنت قوى جباى «جبار»

ولا تخاف الناى «النار»

فزعقت عليه من المطبخ

ـ عاوز بيض مقلى بالزبدة ولا زيت زيتون.

«ثم إنه هادئ.. هادئ.. هدوء قطة شيرازى قطعت الخلفة وأعصابه فى ثلاجة»، هكذا كانت تقول عنه لأختها بينما تشكو منه.

ولعل الجنون الخفيف اللطيف هذا، الذى تظنه الزوجة بزوجها، كان هو الدافع لدى المدير صاحب الرأس الضخم نسبيا قياسا إلى جسده، لابتداع طرائق عملية فعالة للسيطرة على نزلاء المستشفى واحتوائهم، خصوصا أولئك الرافضين لتلقى العلاج، أو المصابين بنوبات هياج مفاجئة، ولم يكن الرجل يلجأ إلى العنف والقوة فى التعامل مع مرضاه، ولطالما لجأ إلى صفارته النيكل لحل أعوص المشكلات التى تواجهه، فيجمع بها النافرين والمارقين عن النظام، ليدخلوا حظيرة الانضباط مرة أخرى ويعودوا الى عنابرهم وأسرتهم بلا قيد أو شرط رافعو شعار «حرية بلا ضفاف»، والمنتشرون خارج البوابة الحديد بفضاء طريق الحركة المباركة، والذين ضحكوا ورقصوا وغنوا وهاصوا وزاطوا، وتعروا، وتنططوا وتشقلبوا كيفما شاءوا، بمجرد أن رأوا، رأس مديرهم الضخم يبرز من البوابة، وفى أعقابه طابور الأطباء والممرضين، وقد أمسكوا بأطراف معاطف بعضهم البعض البيضاء، مشكلين طابورا ممتدا كقطار السكة الحديد، بينما الهادئ بارد الأعصاب ينفخ بصفارته كقاطرة، ثم يحاكى صوت القطار: توت تش.. توت.. تش، بمجرد أن رأوا وسمعوا ذلك، حتى تجمعوا بسرعة لينضموا إلى القطار الأبيض، ليمتد ويطول، ثم ليدلف الجميع داخلين من البوابة مرة أخرى.

الطريف فى الحكاية ولعله الدافع وراء نشرها بالجريدة هو أن عدد الذين خرجوا من البوابة، لم يكن مطابقا الذين دخلوا منها مرة أخرى مع القطار الأبيض الممتد خلف قاطرته ذات الرأس الضخم الكبير، فالذين خرجوا كانوا ثلاثمائة وخمسة أشخاص، بينما الداخلون من البوابة زادوا عليهم بخمسة وتسعين نفرا بالتمام والكمال، فمن أين أتت هذه الزيادة؟

هذا ما قاله مدير المستشفى لنائبه، قارنا حاجبتيه الرفيعين أكثر مما هما مقرونان أصلا، بينما يمط رقبته القصيرة بحركة انفعالية نادرة الحدوث له.

بلم المساعد، والذى لم يكن بحاجة إلى المزيد من الأسئلة المدهشة لأنه كان مندهشا بالفعل، هز كتفيه دون أن يرد، إذ كان يحاول وهو واقف قبالة رئيسه أن يجد إجابة لذلك اللغز وفكر فى عدة احتمالات:

ـ ربما مجموعة أو عصابة لصوص، أرادو الاختباء والتخفى بين المرضى.

ـ أو مجانين جدد طالما رغبوا الهروب إلى المستشفى هروبا من العالم الذى يعيشون فيه.

ولما كان المساعد من الجيل الصاعد الحالم، والمتأثر بأفكار العهد الجديد، فقد راوده الشك، بأن الموضوع كله، ربما كان مؤامرة خارجية مدبرة ضد المستشفى، عموما، لم يتمادى الشاب بعيدا فى هذا الاتجاه، فلم يتهم الاستعمار وقوى الرجعية بذلك، مثلما لم تصل الجريدة بقصتها المنشورة حتى النهاية، فتكشف عن مصير هؤلاء الداخلين بمحض إرادتهم إلى المستشفى ضمن صفوف الذين كانوا قد خرجوا منه.

تساءلت بينى وبين نفسى عن المنجذبين بمغناطيس الدخول، من أين جاءوا، ولماذا؟، بينما استعيد بذاكرتى شارع صلاح سالم فى بداية ستينيات القرن الماضى، لقد كان طريقا واسعا ممتدا، شبه فارغ، بلا صخب ناس أو سيارات مسرعة، خصوصا عند محيط مستشفى الأمراض النفسية والعصبية.

فجأة قفز إلى رأسى تساؤل جعلنى «أبلم» مثل مساعد المدير:

كم سيكون عدد الداخلين من البوابة فى زماننا هذا، ضمن أولئك الذين خرجوا منها، لو تكررت هذه الواقعة مرة أخري؟.

ألف.. ألفان.. آلاف مؤلفة؟. ربما ملايين قلت لنفسى.. أجل ملايين من الناس، ملايين باتوا لا يستطيعون الصمود أمام كل مايعيشونه فى عالمنا الآن من صراعات وحروب واستبداد وعنف وفقر، وكذب ونفاق، وزيف إعلامى، ثم هناك مشاكل البيئة والعبث بالطبيعة، والأمراض الغريبة والمستجدة وكوفيد.. وتخيلت كم مستشفى للأمراض النفسية يحتاجه العالم الآن ليهرب إليه البشر بعيدا عن كل ذلك البلاء، الذى يحل بهم ويتزايد يوما بعد يوم.

وشعرت بابتسامتى تتلاشى، ومرارة تتجمع فى حلقى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق