رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حاتم على شاعر الدراما العربية

رشا حسنى

عينان قلقتان لاتستقران على شىء، صوت هادئ قادر على نظم الكلمات المحكمة كطلقات الرصاص، قلب أنهكته التساؤلات، وعقل قضى سنوات عمره «1962 ــ2020» جيئة وذهابا بين ما مضى وما هو آت؛ لعله يصل.

لم يكن «حاتم على» مجرد مخرج أتقن عمله فحاز ثقة ومحبة الجمهور العربى، وإنما كان مبدعا متعدد المواهب امتلك رؤية وفلسفة تجلت فى كل ما قدم على غزارته وتنوعه.

عقب هزيمة 1967 ذاق «حاتم» طفلا مرارة التهجير من بلدته بالجولان المحتل ليستقر فى «مخيم اليرموك» ويقضى طفولته وقسطا من صباه مع اخوته السبعة خلف أسوار المخيم غارقا فى تفاصيله اليومية شديدة القسوة، لكن أحلامه استطاعت أن تعبر تلك الأسوار وتشده ليعبر خلفها.

...............

كانت الكتابة شغفه الأول ففى ذهنه الكثير الذى ينتظر أن يقال. فى عام 1986 حصل على بكالوريوس الفنون المسرحية، قسم التمثيل لكنه استمر فى كتابة المسرحيات والنصوص الدرامية والقصص القصيرة.

وفى عام 1988 تزوج «حاتم» من حبيبته ورفيقة دربه الكاتبة والمحامية دلع الرحبى وفى العام نفسه عرفه الوسط الفنى السورى ممثلا للمرة الأولى فى مسلسل «دائرة النار»، ثم توالت مشاركاته ممثلا عبر 23 عملًا تليفزيونيًا كما كتب نصوصا درامية للسينما والتليفزيون.

فى منتصف التسعينيات شق «حاتم» طريقه نحو الإخراج وكانت المسلسلات الاجتماعية ميدانه الأول الذى مضى فيه بخطوات ثابتة ولفت مسلسل «الفصول الأربعة» 1999 الأنظار إليه كمخرج ذى بصمة خاصة ولايزال هذا المسلسل الذى تشاركت فى كتابته ريم حنا ودلع الرحبى محفورا فى وجدان السوريين وكثير من العرب لما قدم من صور ونماذج انسانية نابضة بالحياة.

وفى العام التالى قدم «حاتم» من تأليف الكاتب الكبير ممدوح عدوان، مسلسل «الزير سالم» الذى يُعد نقطة تحول فى مسيرته مهدت لتتويجه مخرجا للروائع التاريخية إذ قام فى عام 2001 بإخراج مسلسل صلاح الدين الأيوبى الذى لاقى اهتماما كبيرا وتمت دبلجلته إلى عدة لغات.

وكان هذا المسلسل بداية التعاون بين الثنائى حاتم على والدكتور وليد سيف الذى أسفر عنه إنجاز «ثلاثية الأندلس»؛ «صقر قريش» 2002، «ربيع قرطبة» 2003، «ملوك الطوائف» 2005 بالإضافة إلى أيقونة الدراما العربية «التغريبة الفلسطينية» 2004.

خاض «حاتم» تجربة العمل فى مصر فأبدع فيها بدءا من «الملك فاروق» 2007، مرورا بمسلسلات «تحت الأرض»، «كأنه امبارح»، «حجر جهنم»، «أهو ده اللى صار»، وأسهمت أعماله المتميزة فى تجديد الدماء فى الدراما المصرية.

فى 29 ديسمبر 2020 فجع الجمهور العربى بنبأ رحيل الفنان المبدع «حاتم على» فى القاهرة، عن عمر ناهز الثمانية والخمسين.

وخلف رحيله صدمة كبرى لزملائه ولجمهوره العربى العريض وإن ظل إبداعه كنزا يغرى باكتشاف أسراره وجمالياته وهو ما نحاول تتبعه عبر تأمل بعض الأعمال الدرامية البارزة فى مسيرته الحافلة.

ثمة عناصر رئيسية تجلت خلالها الملامح الإبداعية المميزة لحاتم على حتى نكاد نلمح شاعريتها رغم التصاقها بالتاريخ وبالواقع:

البيوت فى مسلسلات حاتم على طبيعية، مكملة لمصداقية الشخصيات، لها روح تشعرك بالألفة وتهيئك لتقبل ما يجرى بها من أحداث وحوارات. ربما يكمن السر فى أصالة التفاصيل ودقتها فتجد منزل الطبقة الوسطى البسيط النظيف المنظم ينبئ كل ركن فيه برسالة ما ويعطيك احساسا بالراحة والحميمية وللشرفات أيضا دلالتها الرمزية.

ضواحى الشام وحواريها تحضر دائما فى مسلسلات «حاتم» يقدمها برؤية بانورامية واقعية أجاد استخدامها كفواصل بين المشاهد الدرامية لكنها فى الحقيقة لاتفصل بقدر ما تربط بين الدراما والواقع.. كثيرا ما تجد لقطات لشوارع دمشق وأسواقها الشهيرة حتى نكاد نشم روائح عطورها وتوابلها.

كما طرح حاتم على قضايا المرأة فى كل أعماله كجزء من قضايا المجتمع ويعالجها من منطلق إنسانى لا نسوى، يفضح تحيز المجتمع ضدها، يناقش ويعرى الأعراف البالية؛ يقدم همومها كجزء من هم إنسانى أشمل.

تقدم أعماله صورة شديدة الإيجابية للمرأة فهى «وتد» الخيمة وسند العائلة فى «التغريبة» وهى «رياض» فى «عصى الدمع» التى ترفض أن تختزل قيمتها فى أنوثتها.

وانتبه حاتم على إلى أن واحدة من مشكلات التعاطى مع القضية الفلسطينية تجريدها من محتواها الإنساني؛ لذا حين أقدم على تقديم «التغريبة الفلسطينية» استطاع أن يجسد النص الفريد للدكتور وليد سيف ويضيف إليه الكثير من خلال تكامل عناصر الصورة والصوت والموسيقى حتى صار هذا العمل الدرامى أيقونة عربية قادرة على مخاطبة العالم بأسره وتقديم القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنى متتبعا جذورها التاريخية منذ الثلاثينيات.

تتجلى قيمة الحب فى أعماله بصوره المختلفة كمحور أساسى للحياة وكإحدى القيم الإنسانية العليا فتفيض المشاهد التى تجمع أفراد العائلة والأصدقاء بمشاعر دافئة ولا تنفصم عن تلك الرؤية معالجته لقصص الحب التى تجمع بين رجل وامرأة سواء جاءت كمحور للعمل الدرامى أو تفتحت بين ثناياه.

ففى «التغريبة» يطل الحب وسط الأجواء الوعرة كشعور فطرى نقى بين حسن وجميلة يمنحهما قوة للتصدى للعادات البالية ويظل راسخا فى قلب حسن حتى بعد أن تذهب حبيبته ضحية لتلك الأفكار والعادات القبلية البغيضة.

وفى «على طول الأيام» – تأليف فادى قوشقجى- تأتى قصة الحب بين «نبيل» و«لمى» فى بؤرة الأحداث وتُغزل حولها قصص متعددة المستويات لصور أخرى من الحب، يغلفها كثير من الدفء المطل من العلاقات الأسرية الوطيدة التى تتجلى فى أكثر من نموذج فى بيوت تشبه بيوتنا، مقابل الخواء العاطفى فى بيت «العم» على اتساعه وبهرجته.

استخدم «حاتم «هنا عناصر إخراجية متعددة بطريقة منحت العمل جدة وقرب من وجدان المشاهدين عبر تضفير الأحداث بمقاطع سردية أشبه بالمذكرات تتيح للمى ونبيل شرح الكامن ومالايقال مباشرة عبر البوح فى مذكرات بخطيهما وبصوتيهما على وقع نبضات يسجلها بيان «رسم القلب» الذى يظهر فى صورة جانبية على الشاشة مجسدا حالة القلق والتوتر والترقب وفوران المشاعر وانطفائها..فكيف للمشاهد بعد كل ذلك ألا يتوحد مع هذا الصدق والصفاء ويتمنى لـ «نبيل» بما يمثله من قيم مثالية و«لمى» الحبيبة المخلصة أن يبقى حبهما «على طول الأيام»؟!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق