رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

91 عاما على ميلاد فيلسوف البسطاء صلاح جاهين

أمل سـرور
صلاح جاهين

  • للمرة الأولى «الفنانة سوسن زكى» زوجة جاهين الأولى وأم بهاء وأمينة تتحدث: يوم الخطوبة ضرب شقلباظ على السجادة
  • لم ينكسر ولم ينهزم بل كان جنديا فى الجبهة الداخلية
  • قام بتسمية بهاء على اسم أحمد بهاء الدين وأمينة على اسم جدتها
  • كره عبدالناصر فى البدايات واتهمه بالديكتاتورية
  • أحببت وسامته ولم أره يوما بدينا أو قصيرا

 


الفيلسوف إللى بالأمر المحال اغتوى، يرقص يزيح الهم يمحى الشجن،صوتك يا بنت الإيه كأنه بدن، وسط الزحام وأبواق السيارات المزعجة ماشى إيديك فى جيوبك وقلبك طرب، سارح فى غربة بس مش مغترب، وحدك لكن ونسان وماشى كده، توصى بهاء بالقمر والزهور وليل القاهرة المسحور، تحلم بالجعران والخنفسة، وتشوف الربيع يكوى الوشوش وطيور وساكنة من غير عشوش، عجبى عليك تغمض عينيك وترقص وتمشى بخفة ودلع وتقول للدنيا انت الشابة وانا الجدع هو الطائر الذى اعتاد التحليق حاملا همومنا وشجوننا وجنوننا إلى مسافات بعيدة، رحل حالما قائلا: خلى المكنجى يرجع المشهد، عاوز اشوف نفسى زمان وأنا شاب، داخل فى رهط الثورة متنمرد، ومش عاجبنى لا ملك ولا أب، عايز أشوف من تانى واتذكر، ليه ضربة من ضرباتى صابت، وضربة من ضرباتى خابت، وضربة وقفت بالشريط فى وضع ثابت.

عمنا الشاعر الفيلسوف البسيط «صلاح جاهين» الذى نحتفى بمرور 91 عام على ميلاده.


صلاح جاهين مع زوجته الصحفية سوسن زكى


...............



من أين أبدأ وكيف تكون نقطة الانطلاق؟

سؤال طاردنى كثيراً فالكتابة عن صلاح جاهين ليست سهلة على الإطلاق، بل إنها تشبه كثيراً من يذهب بكوب فارغ إلى المحيط حالما بالعودة وقد امتلأ الكوب بكل ما تحويه المياه من أسرار وأساطير؟

الإجابة ومفتاح السر يكمن عند الفنانة والإنسانة التى اختارت دوما أن تكون بعيدة عن الأنظار، الجندى المجهول الذى عاش واهباً الزوج والأولاد عطاء بلا حدود، نجحت فى أن تحافظ على الحبل السرى ما بين الشاعر المجنون والمشجون والمفتون والمشغول دوما وبين أولاده.

الفنانة والإنسانة والزوجة الأولى وأم بهاء وأمينة الجميلة «سوسن زكى» التى فتحت لى قلبها قبل أبواب منزلها الصغير الذى تفننت فى الحفاظ عليه قبل وبعد وفاة «صلاح جاهين».

رغم مرور سنوات كثيرة على آخر لقاء جمعنى بها حين شهدت معها إحياء ذكرى جاهين العاشرة، إلا انها لم تتغير كثيراً مازالت تحتفظ بابتسامتها الهادئة، وصوتها الهامس، وبريق عينيها الذى لا يخلو من الدموع ما إن تبدأ فى الحديث عن رفيق العمر وأبو الأولاد على حسب تعبيرها.

فاجأتنى سوسن زكى عندما قررت أن تبدأ حديثها ببعض من أبياته::

ليه يا حبيبتى ما بينا دايما سفر/ ده البعد ذنب كبير لا يغتفر

ليه يا حبيبتى ما بينا دايما بحور/ أعدى بحر ألاقى غيره اتحفر.

................................ عجبى.


صلاح جاهين مع طفليه بهاء وأمينة

91 عاما مرت على ميلاد صلاح مازلت أشعر بأنه ما زال حيا يعيش بيننا، ذكريات كثيرة لا تعنى بالنسبة لى سوى الحياة، أستطيع جيدا ان أرانى وقد حصلت على الثانوية العامة، وقتها كنت أود الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، وللأسف رفض والدى الذى ألحقنى بالعمل فى دار الهلال كرسامة.

وهناك جمعتنى صداقة بالفنان هبة عنايت وزوجته، وكان صلاح يعمل فى مجلة التحرير التى تصدر عن دار الهلال، لألتقيه مصادفة ونتحادث سريعاً ولكنه سافر بعدها مباشرة للعمل فى السعودية وأمضى بها عاما واحدا ثم عاد.

صمتت سوسن لفترة ليست بقليلة وكانها تستعيد مشاهد بعينها لتكمل حديثها بعد أن ارتسمت على ملامحها ابتسامة هادئة: فوجئت بهبة عنايت يقول لى إن صلاح يريد أن يتقدم لخطبتى، وظللت حائرة ظنا منى أنه كان متزوجا، لكنى وافقت على الزواج لأن شخصيته أثرت فى نفسى من خلال حديثى القصير معه، واستمرت الخطبة سنة ثم تزوجنا.

وتتذكر سوسن موقفا طريفا وقع يوم الخطوبة قائلة: كان صلاح جالسا بجوارى أمام المعازيم، ويظهر عليه الخجل الشديد، فاعتقد أقاربى أن دمه ثقيل، وفجأة وبدون مقدمات قام من الكرسى وضرب شقلباظ على السجاد المفروش على الأرض مما أثار دهشة الحضور، كان يوماً لا ينسى فى تاريخ علاقتنا.

كنت دائما أراه وسيما فعلى الرغم من أنه كان قصيرا بدينا لكن وسامته كانت ساكنة داخل شخصيته، وكان أهم صفة فيه الصراحة الشديدة، فقبل الزواج قال إن عمله هو نمرة واحد فى حياته، ولم نحتفل بشهر العسل سوى 3 أيام فقط عاد بعدها إلى عمله بمجلة صباح الخير التى كانت فى بداية صدورها، وكان يعمل فيها معه أحمد بهاء الدين وحسن فؤاد، وأتذكر وقتها أن صباح الخير كانت تشغله كثيرا، لدرجة أنه كان لا ينام إلا قليلا وكان يرسم كثيراً.


صلاح جاهين مع زوجته الثانية الفنانة منى قطان


أما عن سلوكه كأب فقد أطلق على أول مولود لنا اسم بهاء نسبة إلى أحمد بهاء الدين، أما أمينة فكانت على اسم والدته.

وعن طقوسه فى الكتابة تتحدث سوسن: كان ينام فى حجرة المكتب حتى لا يزعجنى أنا والأولاد، وعندما كبرا كان صديقا لهما خاصة أمينة، أما أنا فقد شجعنى على دراسة الفنون التى أحبها فى معهد ليونارد دافنشى، فلقد كان مؤمناً بموهبتى وعملى. تفاجئنى أم الأولاد بضحكة من القلب لم تمنعنى من ألمح بعضا من دموعها لتتحدث عن مزاجه العالى عندما كان ينتهى من عمله: لما يكون فاضى ومفيش رسم أو كتابة يرقص ويتنطط فى البيت، لكن عند كتابة الشعر أو الرسم كان عصبيا جدا حاد المزاج، ويرفض سماع أى صوت فكنت آخذ بهاء وأمينة وندخل الغرفة ونغلق الباب حتى لا يسمعنا.

قرأتنى جيدا السيدة سوسن بحسها الفنى الموهوب عندما قالت لي: لماذا تتردين فى سؤالى عن حكاية انفصالنا، وقبل أن أجيب تحدثت بالقول: عندما تعرف بأخرى أحسست وأخبرته قبل أن يخبرنى، وقررت الانفصال وتركت البيت إلى بيت والدى لكنه كان يتصل بى ويحضر الهدايا والتورتة فى عيد ميلادى، لكنى كنت أشعر أنى فقدت صلاح وهو كل ما لدى فى الدنيا.


صلاح جاهين يتوسط الأستاذ هيكل والفنان عبدالحليم حافظ


وعندما تقابلنا فى عزاء ابن خالتى عام 1980 طلب العودة إليّ خوفا على مستقبلى بعد وفاته، على أن تكون العودة على الورق فقط، وظلت الحياة بيننا هكذا، لكنى اعتقد أننى نجحت فى الحفاظ على كيان اسرتنا والأهم على ذكرى صلاح فى قلبى وقلوب أولادنا.



بهاء جاهين: تمنيت أن أحتويه أكثر قبل الرحيل

بهاء طفل برىء يطل عليك بعين حزينة وقلب نالت منه الشجون وابتسامة هادئة ترتسم على ملامحه، وصوت هامس يعلو قليلاً عندما يستعيد بعضاً من ذكريات الطفولة والشباب التى شكلت شخصيته، وسرعان مايخفت تدريجيا عندما يتذكر لحظات الفراق التى باتت جزءا أصيلا لا ينتهى من تفاصيله.


صلاح جاهين مع أبناء عمومته


...............

بهاء جاهين العاشق المحبوب لأبيه عمنا صلاح.. مسئولية ثقيلة أن يكون والدك فيلسوفا وشاعرا ورساما وممثلا ومخرجا وفنانا وتحديدا ان يكون صلاح جاهين..هكذا وجدتنى أتحدث بصوت عال مع الشاعر الجميل فى مكتبه بجريدة الأهرام، ليردد بصوت هادئ بالطبع مسئولية حاولت ان اكون على قدرها، منذ لحظة رحيله وانا حريص بشدة على الوجود فى أى حدث اعلامى يخصه، وأقل ما يجب فعله هو جمع الأعمال الكاملة ونشرها ولم أترك أى ورقة كتبها إلا جعلتها ترى النور، لكننى أعترف بأننى كان من الممكن أن أحتويه أكثر قبل رحيله، خاصة بعد أن كبرت وأصبحت فى عمر الشباب كان على أن اتعامل معه كما لو كنت أنا الأب وهو الابن، وهو ما لم يحدث كثيراً.

يصمت بهاء قليلاً ثم يعاود الحديث: الصداقة بيننا بدأت فى سن متأخرة نسبيا وقد يعود هذا إلى أننى عشت مع والدتى فى بيتنا بينما انتقل هو للعيش فى بيت آخر خاصة بعد أن تزوج أمى الثانية منى قطان، كان عمرى وقتها 6 سنوات، لكن ما إن أتممت 13 عاما حتى بدأت علاقتى به تتغير كثيرا، لتتحول إلى صداقة عالية جدا خاصة عندما بدأت أزوره فى بيته الآخر وأقيم معه أسابيع لتتحول العلاقة بيننا إلى غرام وعشق. يشرد بهاء بذهنه قليلاً فأستعيده عندما أسأله عن محطات الخلاف بينهما فيرد بلا تردد: عندما وصلت الى سنة رابعة فى الجامعة، أراد لى أن أكمل فى السلك الجامعى والأكاديمى، وهنا دب الخلاف بيننا لأننى لم أر نفسى إلا فى عالم الصحافة، رضخت لرغبته فترة قصيرة ونجحت وعُينت معيدا لكننى أخذت وقتاً فى الحصول على الماجستير فقرر أن يتركنى برغبتى وقال اعمل اللى انت عاوزه فتوجهت للكتابة والصحافة، كان لديه تخوف من أن النجاح فى عوالم صاحبة الجلالة مرهق وليس مضمونا.


صلاح جاهين في أثناء تكريمه من الرئيس جمال عبدالناصر


ويستطرد بهاء فى الحديث: أبى حياته كانت منقسمة إلى قسمين، نهارا لرسم الكاريكاتير ثم يأخذ قسطا من الراحة تقريباً ساعتين بعد الغداء، ليبدأ الدخول ليلا فى العالم الآخر للكاتب والشاعر والسيناريست، فكان البيت مليئا بالأصدقاء ويأتى فى مقدمتهم الملحن ابراهيم رجب رحمه الله، هذا غير المخرجين والممثلين وبالأخص زملاء منى قطان فى المعهد أحمد زكى ومصطفى متولى وعهدى صادق وسعاد نصر، وسمية الألفى وغيرهم ولاشك ان بيته احتضن الكثيرين. وينتقل بهاء إلى الحديث عن جده والد صلاح قائلاً: وكأن التاريخ يعيد نفسه علاقته بأبيه كانت شبيهة بحكايتنا، خاصة عندما أراد دخول مدرسة الفنون الجميلة، ووالده اراد له الحقوق لأنه كان يحلم بان يكون ابنه معروفاً فى الوسط القضائى ويقولون له عندما يدخل النيابة أنت ابوك بهجت أحمد حلمى رفض صلاح وقال له «مع احترامى لحضرتك هييجى اليوم اللى يقولوا لك انت أبو صلاح، وبالفعل حدث عندما كان جمال عبدالناصر فى زيارة لنادى القضاة واصطف القضاة للسلام عليه ودخل فسلم عليهم بشكل محايد، ومنهم جدى لكن ساعتها مال على ودنه حد من الياوران وقاله القاضى دا يبقى ابو صلاح جاهين فتبدل وجهه 180 درجة وسلم بحرارة وابتسم ابتساما عريضا جدا لأنه كان يحب صلاح جاهين وعن العشق بينهما يفاجئنى بهاء بأن صلاح كان يكره ناصر فى البدايات لم يكن يرى الوجه الوطنى والزعامة النهضوية كان يظن أنه ضد الديمقراطية، إلى أن تغير المنحنى تماماً بعد تأميم قناة السويس ومشاريع النهضة والعدالة ليصبح جاهين عاشقا لعبدالناصر كان مشاغباً وحاملاً لموقف عبر الكاريكاتير ودخل فى معارك ساخنة أبرزها مع الشيخ الغزالى رحمه الله الذى تحدث فى أثناء مناقشة بنود الميثاق فى مجلس الأمة وقتها عن امور رآها جاهين ليست جوهرية مثل ملابس النساء التى يجب أن تكون محتشمة ورفضه بعض القوانين التى لقبها بالمستوردة, فما كان منه إلا ان رسم سلسلة من الكاريكاتير صور فى أحدها الغزالى واقفاً فى البرلمان يخطب ورأسه إلى الوراء قائلاً: لابد أن نمنع القوانين المستوردة، وعِمته فى طريقها إلى الأرض ووضع صلاح سهماً يشير نحوها وبجانبه كتب: قانون الجاذبية الأرضية.


بهاء جاهين


غضب الغزالى ودخلا الاثنان فى سجال وفى أثناء إلقاء الغزالى خطبته فى الجامع الأزهر عبر عن سخطه وغضب تلاميذه ليخرجوا فى مظاهرة اتجهت لمبنى الأهرام القديم، وحاصروا المبنى وطالبوا برأس جاهين لولا الأستاذ محمد حسنين هيكل الذى استغل نفوذه فى أن يقنع الشيخ محمد الغزالى بجلسة صلح بينهما وهدأت الأمور لكننى لا أعرف إن كانت الجلسة قد تمت فعلأ.

لا يحب بهاء ما يردده البعض من ان النكسة هزمت جاهين وكسرته بل قضت عليه تماماً، يقول: ايوة زعل وغضب وانتابه الحزن مثله مثل كل مصرى، ولكنه لم يهزم ولم ينهر ولم ينكسر بدليل أنه اشتغل بقوة وكان جزءا لا يتجزأ من مرحلة الاستنزاف والمقاومة المصرية. كان جندياً من جنود الجبهة الداخلية ولم يكن يأمره احد بأن يكتب أو يعمل، بل كان يبادر دوماَ، اتذكر عندما ذهب إلى التليفزيون وعمل فيلما غنائيا اسمه «هاشم وروحية» رفع فيه من معنويات الشعب المصرى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق