رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوابات الزمن فى وسط البلد

دينـا القلش ــ دعـاء جلال
كريس وهراتش داخل مكتبة توثق روايات الزمن - تصوير: محمد عادل

عظيم أمر « وسط البلد» ويزداد عظمة مع مرور الأعوام.. فبين شوارعها وأزقتها بوابات خفية لا يدركها كثيرون، بوابات يمكن بسهولة العودة منها إلى أزمنة قديمة. بواباتها تنقل الزائر إلى ما قبل القرن العشرين، وبعضها تفيض إلى رحلة أقصر، فتعود بزائرها بضعة عقود. وفى كل الأحوال، فإن الرحلة تستحق لما تكشفه عن تاريخ وأحوال العباد فى البلد ووسط البلد.

 

مكتبة عائلة ميكائليان.. تاريخ البشر والورق

باب زجاجى صغير يفصل مكتبة، ذات المساحة الصغيرة نوعاً ما، عن العالم الخارجى والوقت الحاضر. وفور الدخول، يكون أصحابها هراتش وكريس ورافى ميكائليان فى الاستقبال بترحاب صادق ولغة عربية «مكسرة».

يبتسم كريس فى بداية حديثه لـ «الأهرام»، مؤكدا أنه بالرغم من أصولهم الأرمينية، إلا أنهم مصريون حتى النخاع، وورثوا عشق مصر عن والدهم جورج ميكائليان الذى أسس المكتبة العريقة عام 1947 فى وسط البلد. ومن هذا الفرع الرئيسى، توسع ليكسب مكتبته فروعا فى عدة فنادق. وعبر تلك الرحلة، حرص الأب ميكائليان على اقتناء كل ما يتحدث عن مصر وتاريخها وحضارتها سواء كتب أو خرائط.

وعن طرق تزويد المكتبة العجوز بمقتنياتها، فيشير كريس إلى أن فى فترة الستينيات كان الحصول على الكتب يتم بالتعامل المباشر مع الناشرين الأجانب. فكان يصل بالبريد «كتالوج» بأسماء الكتب الجديدة. وكان والد كريس بخبرته الكبيرة فى احتياجات قراء مصر، يختار بدقة شديدة.

أما الصحف، فكانت مهمة توريدها على «الأهرام» التى تأتى عربتها صباحا بإصداراتها، وتعود نهاية اليوم لإستلام مايسمى بـ«المرتجع». ويبتسم كريس وهو يقول «كل الكلمات دى أنا عرفته وفهمته كويس من الأهرام»، مشيرا إلى أنه فى أوائل السبعينيات، تم إلغاء التعاقد مع الناشرين الأجانب، وأصبحت «الأهرام» المصدر الوحيد للحصول على الكتب المستوردة. ويحكى أنه فى الستينيات، اتفق والده مع مؤسسة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسيف» لبيع بطاقات الاحتفال برأس السنة الميلادية، وتوجيه العائد إلى الأطفال فى العالم.

ويتذكر كريس بابتسامة كيف كان بالمكتبة موظفة يونانية ذات شخصية صارمة، تناوله هو وشقيقيه أدوات لإزالة التراب من على الكتب والرفوف بمجرد وصولهم، وقبل جلوسهم للمطالعة بالركن الخاص بكتب الأطفال.

ومن أشهر رواد المكتبة، الفنان نور الشريف الذى كان حريصا على زيارة المكتبة يوم الجمعة، ليكون ضمن تجمع يضم أصدقاء فى المكتبة للحديث عن الفنون بأنواعها. وكذلك كان فنان الكاريكاتير الكسندر صاروخان، والذى كان يتجمع مع أعضاء جمعية أصدقاء الفن الأرمنى فى المكتبة مرة شهريا.


مصعد المقتنيات إلى المخزن

ويتناول شقيقه هراتش والمعروف بـ «مايك» طرف الحديث حاكيا: « كان والدى من هواة اقتناء اللوحات الفنية، وكان حريصا على تشجيع الفنانين الناشئين، وشراء لوحات طلاب الفنون التطبيقية، حيث كانوا يقيمون معرضا سنويا بمنطقة باب اللوق. وكذلك كان يهتم بالخزافين المبتدئين، مثل الخزاف الكبير حسن حشمت».

ومن أهم مقتنيات المكتبة وفقاً لـ «مايك»، هناك لوحات عن مصر ومعالمها لاثنين من الرحالة فى القرن الـ19، وهم الأسكتلندى ديفيد روبرت، والفرنسى بريز دافين. وكان من أهم ما يميز رسومات روبرت، صاحبة الخلفية فى تصميم الديكور المسرحي، فى كتابه «الأراضى المقدسة: مصر والنوبة» أنها تظهر الدفء المصرى بلمسات توحى بالحياة والحركة والطبيعة والإضاءة. أما الفرنسى دافين، فيوضح مايك أنه كان يهتم بالفن الهندسى والمعمارى والزخارف الفرعونية والإسلامية والعربية، فكانت لوحاته والتى جمعها فى كتابه «آراب أرت» تتناول جزءا صغيرا من الموقع المعمارى لإبراز أدق التفاصيل الزخرفية.

ومن أهم المقتنيات أيضا، كتيبات إرشادية تحتوى ترجمة حروف وأرقام الهيروغليفية إلى العربية وعددا من اللغات الأخرى، وهو إنجاز رافى، الشقيق الثالث. ويتم نسخ هذا العمل لمصلحة بعض المدارس فى الخارج. وكذلك رسم رافى خريطة للنيل والقاهرة، مستعينا بالخريطة الأصلية من الهيئة المصرية العامة للمساحة.

 

«دستور الأدوية» فى أجزاخانة زهير


قوارير وأدوات تؤرخ لسيرة التداوى فى مصر

الاسم «أجزاخانة»، والواقع أنها مرجع توثيق نادر ومتاح لأدوات التطبيب وصناعة الدواء. تقع بحلتها المعمارية ذات التأثير الإنجليزى الواضح فى قلب شارع عبد الخالق ثروت، وتسمح بترحاب شديد لكل من دلف عبر بابها أن يعود إلى زمن ما قبل سنوات الحرب العالمية الأولى ( 1914- 1918) .

استقبل «الأهرام» فى قلب المتحف الدوائى المصغر، زهير سمان، الذى تولى إدارتها منذ أربعة أعوام وهو أحد أبناء الدكتور إحسان سمان الذى اشتراها فى أواخر الأربعينيات من سلسلة «ستيفنسون» الإنجليزية للمتاجر والتى تأسست عام 1899. أنطلق فى الحكى قائلا: «هذا المبنى الملحقة به الأجزخانة تم بناؤه عام 1910 ، وكان مشهورا باسم مالكه ديفيد براين، وهو عبارة عن ثلاث عمارات متداخلة، ولم يكن به سوى متجر واحد فقط. وعند وفاة ديفيد براين، اختير هذا المكان للأجزخانة وصممت بكل ديكوراتها بالمقاسات فى إنجلترا، ثم تم جلب وتركيب الديكورات هنا. مساحة الأجزخانة حوالى 75 مترا، ملحق بها بدروم بمساحة 250 مترا، يتضمن حوالى ست حجرات لمكاتب للمحاسبين والمراجعين», أول ما يلفت نظر الزائر إلى قلب الأجزاخانة تلك الرفوف والزوايا العامرة بالمقتنيات ولافتات وإعلانات قديمة التى يحرص زهير على الاحتفاظ بها. ففى أحد الزوايا، يبرز «قفل» الأجزخانة القديم وموازين أعداد الأدوية.


«دستور الأدوية»

أما المعمل الدوائى الذى يشغل أحد أركان الأجزخانة، فيشير إليه زهير فخورا، وموضحا أنه عامر بالقوارير القديمة ذات الزجاج داكن اللون، للحفاظ على ما بداخلها من أثر الإضاءة. وعن عملية تركيب الأدوية، واختلافها بين القدم والحداثة، يوضح زهير: « كان هناك تركيبات يتولى الصيدلى إعدادها، لتوضع فى قسم مخصص لها تحت إشراف وزارة الصحة.وهناك تركيبات كانت ترد إلى الأجزخانة من الطبيب المعالج، وتقيد عناصرها وتفاصيلها فى دفاتر خاصة، مصحوبة باسمى الطبيب والمريض، وإمضاء الطبيب الصيدلى الذى أعدها». ومازال ذلك الدفتر من المقتنيات الغالية والمعتنى بها بعناية داخل «كبسولة الزمن» المسمى أجزاخانة.

ويؤكد زهير أن زمن التركيبات الدوائية الخاصة يعود مجددا بهيئة مختلفة كتركيبات لمستحضرات خاصة للبشرة والشعر، وأمثال ذلك.

وعن قدامى زبائن الأجزاخانة، يحكى زهير بتأثر واضح: «عرفت الأجزاخانة ولاء العملاء الدائمين من أمثال الفنانين القديرين حسن كامى وسمير الإسكندرانى، بخلاف حرص جنسيات متعددة من خارج مصر، بينها العربى والغربى، على زيارة الأجزاخانة، وذلك ليس طلبا للتداوى وإنما سعيا وراء رحلة ممتعة وسط آثار الماضى.

 

«أشود».. حارس متجر الساعات العتيق


عقارب وتروس تؤشر إلى الماضى بإجلال - تصوير: محمد عبده

وقوعه وسط صخب ميدان العتبة، لم يمنعه من الصمود والاحتفاظ بهدوء ورونق تراثه. فبعد الواجهة الزجاجية للمتجر والعامرة بساعات الجيب القديمة المنتمية للقرن الـ19، يدخل الزائر إلى متجر الساعات الأرمينى، لتستقبله جدران تتزاحم عليها ساعات الحائط العتيقة. بعض هذه الساعات تخص خبير الساعات الأرمينى أشود سركيس بابازيان، ويرفض التفريط فيها لأنها «لا تقدر بثمن»، حسب تعبيره.

يحكى أشود عن جده الأرمينى الأصل نرسيس بابازيان، والذى أُشتهر فيما بعد بفرانسيس بابازيان، وكيف انتقل إلى مصر ويفتتح متجرا بمنطقة العتبة عام 1903، مستغلالا مهارته فى العمل كساعاتى، وكان المتجر مخصصا فى البداية لبيع الساعات والنظارات. ويكمل حاكيا: « بعد وفاة جدى، انتقل المتجر لأبى الذى كان يصحبنى معه صغيرا ويعطينى (منبه) لأقوم بفكه وإعادة تجميعه. وظلت تلك الأيام تربطنى بوثاق قوى بالمكان. فرغم تخرجى من الجامعة الأمريكية، وتعلقى بممارسة هوايات مختلفة مثل الغطس والصيد والتصوير، وحتى رغم شروعى ذات مرة فى الهجرة إلى أمريكا، إلا أننى استسلمت نهاية الأمر لحبى للمكان وتوليت إدارته بعد والدى وشقيقى».

ومن أهم الساعات التى شارك المتجر فى إصلاحها، كانت ساعة مسجد محمد على بالقلعة ذات الأربع واجهات، وكانت مهداة لمحمد على من الملك الفرنسى لويس فيليب عام 1845. ويبتسم أشود متذكرا كيف أنها تعطلت بعد إصلاحها عدة مرات، ليكتشفوا نهاية الأمر أن أحد الحراس يضع معطفه على الماكينة الخاصة بتشغيلها. وشارك متجر أشود أيضا فى إصلاح ساعة هيئة البريد بالعتبة، والذى تحول الآن إلى متحف ومكان أثرى. كما انتهى مؤخرا من إصلاح ساعة سبيل أحمد باشا الواقع أمام مسجد الحسين. فقد بات المتجر متخصصا فى إصلاح الساعات الفريدة التى تعانى من ندرة المتخصصين فى التعامل معها.

وعن أهم المعايير المحددة لقيمة الساعة، يكشف أشود أن الساعات الألمانى والإنجليزى تتفوق على نظائرها. أما الساعات الفرنسية فتتميز أكثر بوجود البرونز والرخام بها، وغالباً ما تتواجد داخل تماثيل، وبالنسبة لساعات الحائط الخشبية فأكثرها ألمانى. ويشير إلى أنه حتى فترة الثلاثينيات كانت «المينا» تُصنع من مادة البورسيلين وبعد ذلك تحولت للطباعة.


أشود وفحصه لتحفة زمنية

وعن أشهر زبائنه، يحكى أشود أن الأسرة المالكة فى عهدى فؤاد وفاروق كانت تستدعى والده ومعه مجموعة من أثمن الساعات بغرض الاقتناء. وفى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كان المشير عبد الحكيم عامر من الزبائن الدائمين وصديق مقرب لوالده. وهناك أيضا عميد المسرح يوسف وهبى، وسيدة الغناء العربى أم كلثوم، والفنانة القديرة أمينة رزق.

وعن أغرب ما عايشه المتجر، يحكى أشود أن أحد الزبائن دخل وراح يحدق فى كل كبيرة وصغيرة، قبل الانهيار بالبكاء وسط ذهول الجميع، ليتضح أنه اعتاد التردد على المكان قبل أكثر من 35 عاماً. وأخرج من جيبه ساعة ذهبية عتيقة، قام بشرائها من المتجر فى الخمسينيات، وتوقفت عن العمل بعد عامين من شرائها، وأراد إصلاحها وقد كان. ويتذكر أشود أيضا ما كان من أمر زبون جاءه بإيصال لاستلام ساعة تركها بغرض الإصلاح منذ السبعينيات، وكانت قيمة الساعة وقتها ستة جنيهات. ولم يقتنع بأن الساعة لم تعد موجودة بعد مرور عقود طويلة، وتوجه لعمل محضر بالقسم، وبالطبع لم يصل إلى شىء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق