رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ألوان من خلف القضبان!!

ثریا عبد البدیع

نعم، هى نزیلة فى سجن النساء الآن، وحتى تصل فاطمة لهذه القناعة مرت بكل ما تمر به النزیلات من رفض واعتراض وتأفف من كل شىء وعلى كل شىء.. المشاحنات مع النزیلات تحدث لأتفه الأسباب وتصل للتحرش أحیانا كانت فاطمة ربما هى أحدث النزیلات، لكن أیضا أكثرهن اعتراضا وحبسا انفرادیا ولذكائها تعاملت مع كل هذا، ولم یمر وقت طویل حتى اعتادت على رائحة الحمامات ولم تعد تصیبها بذلك الغثیان والقرف، الذى كانت تحسه فى أیامها الأولى.. فكانت تشم لكل شىء رائحة مقرفة متمیزة: المطبخ والحمامات والفرش وحتى الملابس الجدیدة التى استلمتها كانت لها رائحة مقرفة بشكل مختلف.. اعتادت فاطمة الروائح وكل شىء بل صارت تبتكر أشیاء تجمل بها حیاة السجینات، ألیست مبدعة؟! تستطیع أن تخلق عوالم لكل واحدة بدلا من تلك التى ترفضها، وصارت فاطمة أیقونة كل جمیل، وصانعة كل أمل ووجدت السجینات فیها سندا وعونا على الأیام المرة التى یقضونها وفى أكثر الأوقات بلا جریرة منهن سوى أنهن نساء ضعیفات خرجن لتلك الحیاة بوصفهن إناثا، مطمع الرجال فى كل عصر وتحت أى سماء.. -فكانت هى داعمة لمن ترى فیها الصدق و تعرضت لقهر ما أو لظلم من خارج السجن أو من السجینات أنفسهن فصرن یحكین لها عن تجاربهن المریرة وكیف جاءت هنا، وفى داخلها إیمان بأنها ستحفظ السر وستكون لها نعم العون وانها ستجد ایضا عندها حل سحرى لكل مشاكلها -تمیزت فاطمة بصبر كبیر لم یعرفن له سببا حضن ودفء یحتویهن رغم جرائمهن الصغیرة.

من أین جاءت بكل هذا لابد انها ساحرة!! نالت فاطمة مكانتها بین النزیلات رغم انها لم تعقد بعد عقدها الرابع من عمرها.

مع الوقت اكتشفت فاطمة سبب هروب النزیلات من المطبخ، مرض أكثرهن بالجیوب الأنفیة ربما كان السبب یعود للرطوبة التى تغلف الجدران وحیاتهن –حین رأت البصاق ینتشر فى الأمكنة وعلى الجدران، بلا اعتراض من أى منهن ولا قرف بعد أن صرن جمیعا بحال واحدة، ولم یعد سببا لغرابة ما، وكانت هى الوحیدة التى كانت تعترض على هذا لكن مع الوقت تأقلمت وفهمت.. صار السعال المستمر علامة سجن النسا، وسببأ لهروبهن من أبخرة المطبخ، ومن الوقوف أمام الموقد – كلها كانت سببا لاختیارها المطبخ فیما بعد رأفة بزمیلاتها، كانت ترى الغلب والقهر طافح من أجسادهن، مهما تظاهرت كل واحدة بغیر هذا، و مهما حاولن تغییر حالتهن البائسة بأشیاء ربما زادتهن تعاسة، كالهروب لشرب الحشیش والإدمان، وربما لحضن رجل فیكون هو نفسه سببا فى كسر ما تبقى منها. ومهما یكن من حكایات، یبقى الضعف وقلة الحیلة هما المتحكمان فى حیاة المرأة -نزیلة سجن النسا - فى أغلب الأحوال.

لم یكن إعداد الطعام شاقا بالنسبة لها، خاصة بعد أن تم فصل مطبخ الرجال عن مطبخهن، لكن أیضا ذهبت الضحكات والقفشات المتبادلة وقت الطبخ وكانت فرصة ذهبیة لإطلاق النكات والسخریة من كل شىء ومن طبخة الیوم بشكل خاص مما یكسر ملل الیوم ویخلق أسبابا للنكتة، ومن یومها صار الطبخ مملا.

لم تكن فاطمة تحب الطبخ ولاتستهویها رائحة الصلصة ولا الكمون، لكن كانت ترعى ظروف الأخریات، فكانت الجیوب الأنفیة والسعال قَدر الغالبیة منهن، وكانت الأخریات تسهرن طوال اللیل فى عمل شاق، كخیاطة ثوب أو تطریز قمیص نوم لجهاز ابنة، وربما تبیعه الأخرى، طمعا فى حیاة كریمة خارج السجن، بعد انقضاء مدتها فتعمل لیل نهار لأجل هذا الأمل، فتضحك فاطمة فى نفسها، فلم تعرف زمیلتها المسكینة بعد، أن الحیاة الكریمة التى تنتظرها لن تأتى وربما لا تكون إلا هنا، فلا وجود لها بالخارج، لم تزل ببكارتها الغبیة، لم أسع لأوضح لها، وتركتها للحیاة التى ترسمها، لعلها تنالها یوما لم تشرق شمسه بعد! أخفیت عن النسوة سبب دخولى السجن ولم أتكلم عن السجین السیاسى، فلن یدركن معناها، ولم أخبرهن أیضا حقیقتى وعملى كصحفیة صاحبة قلم وفنانة تشكیلیة، أحمل الماجستیر فى الإعلام حتى لا یفروا منى ولا یكون حاجزا بیننا، غایة ما قلته أنى أنهیت دبلوم التجارة وأعمل بائعة للكتب –أى أن الثقافة والكتب جاءت لى من طریق البیع والشراء الأقرب لفهمهن، وخیرا فعلت فأغلبهن مقهورات أكل علیهن الجهل وشرب جئن هنا إما دفاعا عن الشرف، أو لعجز عن سداد دین أو ربما بلاغ كیدى من أحد محارمهن لعدم انصیاعها لمطلب شریر أو ابتزازا ما.

لم تعرف حقیقتى إلا زینة مریضة السرطان المكشوف عنها الحجاب صاحبة الكرامات الطیبة وتلك حكایة اخرى.

من وراء القضبان، استمرت فاطمة تكتب مقالها الیومى، بعدما قبلت بكل الشروط التى فرضت علیها من تحدید للموضوعات وحتى الاكتفاء بحروف اسمها الأولى لحین انتهاء مدة العقوبة –ولم تفهم سببا لهذا الشرط ولا الحكمة منه فقراؤها یعرفونها ولن یزیدهم هذا إلا تمسكا بها ووقوفا إلى جوارها - وحتى المحاذیر من الحدیث عن النزیلات ونظام السجن.. التزمت فاطمة بالقیود فذاك أرحم كثیرا من توقیف مقالها بلا شك، وبمجرد انتهاء طقوس الطعام، وحین تتأكد فاطمة من تناول الصغار وجباتهن وزیادة، كما لو كانوا صغارها، تفر إلى زنزانتها تسب وتلعن كل النساء، فقد وصلت لذروة غضبها من ذلك الإلحاح، فلا مساحة لها وسط هذا الزحام ولا وقت لها للتفكر والتأمل، تتسلل منهن متمنیة على الله ساعة یتركنها خلالها لنفسها لكتابة مقالها الیومى، وهناك تحتمى بالجدران وتعاود الانفراد بحوائطها الملهمة فتنتهى من مقالها وتعاود استكمال لوحة بدأتها أمس بحنین كبیر، تعود بعد ساعات انشغالها بالمطبخ تخرج ألوانها من طیات ملابسها،التى صنعتها الیوم غیر عابئة بتحذیرات الصول فاتن، التى تكاد تجن منها ومن غیاب الإجابة لسؤالها الأزلى: من أین أتیت بالألوان، فأضحك تاركة الظنون تلعب برأسها، خاصة عندما تصحو فتجدنى ساهرة وقد غیرت لوحة الأمس مسحت الجدران وتلونت برسوم جیدة تماما غیر متخیلة أنه یمكننى السهر طوال اللیل لأرسم، حتى تكاد تؤمن أنى ساحرة! بعدما ضَیقت على كل منافذ الحصول على شيء من الخارج، ولذا صنعتها فى المطبخ بمعرفتى ولما عجَزت الصول فاتن عن تفسیر اللغز صارت تنادینى بالملعونة، وكلما أفزعتها الألوان عاقبتنى بحبس انفرادى لأحصل من جدید على ُخلوة، سعیت لها مع الألوان، وكان عنوان مقالى الجدید.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق