رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطفح

عبادة عشيبة

«1»

وأبى جوفُ الأرض أن يبتلعَ نجاسته، فطفحَ حواليه ماءٌ يبللُّ الأرضَ ولا يسيلُ، والمرة سال، وكان كلما بلل الأرض يَحدُثُ زعيق ومشاكل، وتشتكى جارةُ بصوت خفيض، ومن يده تجذبه مستنكرة لتريه بأم عينه نضح الماء، ولما كانت الجارةُ فى سن أمه فيعتذر لها فى انكسار متحيراً ويخجل مواجهتها، ويأمرُ الأولاد صارماً بالكف عن الاستحمام إلا فى إناء، فيمتنع البئر عن الطفح، وتجف من حواليه الأرض، فَتُسَرُّ الجارة، ويتعكرُ مزاج الأولاد.

«2»

.. وفى وقت قيلولة ساد نَكَدٌ بين الأولاد، استنكروا موقع بيتهم الذى ليس له طريق لعربة كسح، واستنكرتْ أمهم موقف الجارة، تعصبت ضاربة كفاً بكف، تؤكِدُ القول: لن نشربه.!

ــ ردت الجارةُ تسخرُ: لا يا ستى، نشربه إحنا..!

ولما أبْدَى هو خجلاً متحيراً، أومأت أمه أن ينصرف هو وشأنه، وحملَ الأولادُ علبَ الصفيح استعداداً للقيام بمهمة بالتأكيد قاسية، أفصحت الأم عنها.

.. ووحيداً اندفقت من أعماقه رغبةٌ قويةٌ بُغية أن يراقبَ الحاصلَ، فاندفعَ، ثم واضحاً وجلياً بان له من مكان خفى كل شىء: «حاجة تكسف، الأمُّ وقد شمرت عن ساعديها غير متطرحة، عاقدة ذيل جلبابها القديم فوق ركبتيها، واقفة زوجتُهُ مهمومة ومكفهرة، وفى ذات الوقت تتعجب فرعنة الأم المسنة، وهى ترفع بوجهها المزرود غطاء البئر، فانكفأت زوجته مكبوتة تعينها، وعندما استقام الغطاء قائماً على حافته قفزت مرعوبة، تصرخ طاردة جيشاً من صراصير صفراء معلولة تقتحمها، ضحكت الأمُّ عريضاً، وجرى الأولادُ يطاردونها متناثرة بعيدان هشة وعلب الصفيح وهم يقفزون، وزوجته مخضوضة، تمسحُ يديها فى جذع شجرة توت على بُعد خطوتين، وقد وسَّخَتْهَا».

«3»

ــ أف.. والبئرُ يضجُ بسائل لزج أزرق، نثرَ فى الحال رائحةً نتنة وقذرة، لها هبت الجارةُ من تحت الريح مكفهرة، وَرنَّ خبط ورزع فى شبابيك بيتها الباصة، عاصفة هى من جانبها أوشكت أن تفصص النوافذ عن أصولها، وعيناها المتعبتان تتكلف نفث الغيظ والشرر ولسانها يلغط.. والأمُّ جريئة وعنيدة، لم تعرها التفاتة، ولم تنصت لكلماتها القاسية، كأنَّها لا تستمع.

ــ بتحد أمرت زوجته: ارفعى، واقلبى فوق السباخ.

ــ عادتْ تُخمن: الظاهر إن البئر حجة..!

.. وتتململُ زوجته المفجوعة بجلبابها المهترئ وهى تسير، تَخبَّطَ البرميلُ بساقيها، يطرطشُ وساخةً، يلطخُ جلبابها بسواد، يتركُ على الأرض أثراً متعرجاً.

قالت الأمُّ تصححها: ارفعى فوق رأسك.

ــ مكشرة ردت الزوجةُ: والنبى يامه اسكتى.!

.. ووالعة هى الزوجةُ، ستنفجر، قرفت من نفسها، وهو أيضاً، تركتها الأم غير عابئة، ودخلت بيت جارة لهم شابة، خرجتْ فى يدها إناء ومعها الجارة، ولما قَدِمَتْ الأمُّ وعادت إلى الشيل « فيه « تاه إناء الجارة فى إنائها.

«4»

.. والأمُّ واعية وحكيمة فى تصرفاتها، لم تمسها وساخة، قالت للزوجة متهكمة: أقعدى..!

.. والجارةُ الشابةُ تضحكُ حيثُ تجلسُ فوقَ درجات السلم الحاضن للبئر، تحادثُ امرأةً ذاهبةً إلى الترعة، تحملُ حلةً، وتظهرُ تقززاً بتكلف.. وولدٌ فى يده منجل، ينظرُ ثم سريعاً استدار كاتماً أنفاسه فى صدره، وانطلق يقفزُ ويزعقُ: «يا قرفى»، واختفى يُصَفِرُ.

.. وامرأة فوق رأسها حصيرة مغسولة تتأرجح، تتأفف، ثم ضحكتْ فى وجه الزوجة الساكتة تداعبها: «اجمدى، شاطرة بس تستحمى»، ابتسمتْ الزوجةُ فى وجه الجارة وهى تغط الإناء فى البئر.

.. وبنت كعوب دلوعة وغاسلة وممشطة شهقتْ، رفعتْ كورنيش جلبابها، كفأتْ حلتها النحاس، وجلستْ فوق قعرها قبالة الجارة الشابة، ثم تداخلتْ معها وسط ركبتيها، ثم راحتْ تُقَرِصُهَا، وعلا نكات وضحكات.. ورجل قادم أطرق ثم غيَّر اتجاهه، لحظتها كانت بنت صغيرة تظلل رأسها صينية كبيرة عائدة من الترعة، تحمل أشياء غسلتها، قبالة البئر انحنتْ بقوة، تزعق: «يَعْ»، وراحت تتأرجح، وقعتْ، تناثر كل شىء، وتكسر زجاج، تلملم مصفرة الوجه، تخافُ من ضرب أمها لها.

.. وولد أقدم يساعدها، وآخر بعفوية يضع علبته المتسخة فوق الصينية، رمتها البنت شائطة على طول ذراعها، تزجره بيدها الأخرى، أوقعته على الأرض، تتمتم هى متنرفزةً، والولدُ يصرخُ، والجارةُ تسكته منشغلة، وتوبخها: «يا مايصة»..!

.. وأوقفتْ الجارةُ المسنةُ أخته العائدة من مدرسة المدينة، نادتها، تشتكى لها غاضبة: أيصح، أيعجبك، ثم أين أخوكِ، وهل يعجبه؟، ثم صرختْ فى وجه الأخت: أبلغيه.

.. وانصرفتْ الجارةُ يائسة، والأخت لم تمهلها الأمُ أن تغير من ملابسها إلا ونادتها لتشيل هى الأخرى، رفضتْ الأختُ مضجرة، قالتْ ضجرة: رأسى وألف سيف.!

.. وتزجرها الأمُّ، تكيلُ لها سباباً ولعناً، تتهكمُ الأمُّ، وتسخرُ من بنات المدارس، عادتْ الأم تُصِرُّ على ابنتها: لازم تشيلى.

.. وتبكى الأختُ، وزعلَ هو لأجلها فى مخبئِهِ.

«5»

.. وبعد: عند كومة السباخ المرفوع، التصقتْ شابة «أخته» بزوجته، وراحتا تتحاكيان، وتمطتْ لبانة بين شفتيهما، ثم تشابهتا فى كُلِّ الأشياءِ.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق