رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‎بريد الجمعة.. إخـوة يوسف

إشراف ــ أحـمــد البــــــرى

‎دلنى يا سيدى ماذا أفعل؟

‎ربما يكون الموقع الطبيعى لهذا السؤال فى نهاية رسالتى حسبما جرى العرف فى بريدكم الموقر، لكننى وجدت نفسى مدفوعا لأفتتح به الرسالة من هول ما أصابنى من جحود ونكران وطمس لسنوات عمرى التى وهبتها لإخوتي، فصار كل ما زرعته الآن شوكا يدميني، وعقابا أليما أتجرع مرارته كل لحظة.

‎منذ كنت صغيرا، راقبت أبى فى حركاته وسكناته، وتعلمت- من جُملة ما علمني- أن العطاء فضيلة لا يبلغها إلا رجل سليم النفس، طيب الأصل، عظيم الخلق، وكان في  تعاملاته مع الآخرين يعطى بلا حساب، ويهب لنجدة من يحتاج إلى يد العون من دون أن يطلب منه، يعود المريض، ويُغيث المحتاج، ويدفع من وقته وماله لا ينتظر إلا ابتسامة الرضا على وجه من ساعده وأعطاه، وكنت من حُسن سيرته بين الناس أمشى مزهوا بانتسابى إليه، وأشعر بالفخر إذا سمع أحدهم اسمى وقال «أنت ابن فلان».

‎فى عائلته، كان أبى جزيلا فى العطاء لأشقائه، يقتطع من ماله ليعطيهم، ويؤثرهم على نفسه وبيته، حتى اعترضت أمى ذات مرة، كزوجة ترى أن بيتها وأبناءها أحق بعطاء أبي، فإذا به يغضب غضبا شديدا ويصيح فى وجهها: «الأقربون أولى بالمعروف، وصلة الأرحام ليست بالكلام، من ضل خيره إلى أهله فلا خير فيه لأحد»، فاعتذرت إليه بعد أن لقنها درسا حفظته عن ظهر قلب، وما كان لها أن تعترض وهو الكريم  مع أهلها، المعطاء لهم أيضًا قدر عطائه لكل من عرفوه.

‎وعَيت أنا أيضا دروس أبى فى العطاء، وأيقنت أن البركة التى ملأت بيت الموظف البسيط، والستر الذى أحاط بعائلته، والسيرة العطرة التى سبقت اسمه حيا، وصارت أطول من عمره بعد رحيله، إنما هى نتاج بره لأهله وإيثاره إخوته فى المقام الأول، وقلت لنفسى إن الولد سر أبيه، وما دمت ابنه الكبير فلا خير فيّ إن لم أرتدِ جلبابه وأبر أبناءه وأحفظ عهده ما دمت حيا ومهما كلفنى الأمر.

‎كنت الأكبر بين ستة أشقاء متقاربين فى العمر، تفصل بين الواحد والآخر سنتان أو ثلاث سنوات على الأكثر، وبيننا شقيقة واحدة كدرة العقد، نذرت نفسى لتلبية احتياجاتهم التى لم يفِ بها معاش والدي، وجمعت بين العمل والدراسة، مؤمنًا أن على قدر أولى العزم تأتى العزائم، وأن فى رقبتى دينا لوالدي، فحفظت شمل الأسرة، وسرت على نهجه فى ود من بقى من أشقائه على قيد الحياة أحرص على زيارتهم، وأقضى ما تيسر من حاجتهم، حتى كان موعدى مع اختبار آخر صعب، عندما رحلت أمى فجأة  إثر إصابتها بسكتة قلبية وأنا لا أزال فى عامى الأول بالجامعة.

‎جاهدت نفسى لأكمل الرحلة الشاقة من دون أن أتبرم أو أفكر فى نفسي، كان كل ما يشغلنى أن تبقى عائلتى فى مأمن من العوز والتشرذم، فأتقنت دور الأب جيدا، وأكملت شقيقتى معى دور الأم وعبرنا تلك الأيام العصيبة بسلام وستر.  

‎عندما تخرجت فى الجامعة، قطفت أول ثمرة للعطاء الذى علمنى إياه أبى ورضيت عنه أمي، ليكافئنى الله بتعيينى معيدًا بالكلية، وبعد فترة وجيزة حصلت على درجة الماجستير، ثم سافرت مبتعثا إلى إحدى الدول الأوروبية للحصول على درجة الدكتوراه، وهناك جنيت ثمار رضا والدى ورعاية أشقائى بلقاء أحد المصريين المقيمين فى أوروبا ساعدنى فى الحصول على عمل إلى جانب دراستي، وتوفر لى من الأموال ما كان كافيا لإرسال مبلغ شهرى يكفى نفقات العيش والدراسة لأشقائى الأربعة، وتجهيز شقيقتى التى تقدم لخطبتها أحد أقاربنا.

‎حصلت على الدكتوراه، وعدت إلى مصر وتسلمت عملى وأنا ميسور الحال بما ادخرته من عملى فى أوروبا، وتخرج إخوتى فى الجامعة وساعدتهم بعلاقاتى الطيبة فى الالتحاق بوظائف محترمة، بينما اكتفت شقيقتى بأن تكون ربة بيت بعد أن أقمت لها حفل زفاف بأحد الفنادق الكبرى، وبعد عامين فقط سافرت للعمل فى إحدى جامعات الخليج بعقد مجز، كان فاتحة خير على العائلة بأسرها، وقطعت عهدا على نفسى ألا أتزوج حتى أساعد أشقائى الذكور على الزواج أولا، ووفقنى الله فى شراء قطعة أرض بإحدى المدن الجديدة، وشيدت بيتا فاخرا خصصت به شقة مكتملة التشطيب مسجلة فى الشهر العقارى باسم كل  كل واحد منهم، وحضرت إلى مصر لأحتفل بالتئام شمل إخوتى فى البيت الذى حلمت منذ الصغر أن أشيده لهم، وبالغوا فى الاحتفاء بى كأب أكمل رسالته وجمع شتات أبنائه (إخوته) من شقق الإيجار إلى التمليك بلا جنيه واحد تكبدوه.

‎فى رحلتى لإسعاد أخوتي، سرقنى العمر وفاتنى قطار الزواج إلى السابعة بعد الأربعين، ووقفت على مشارف الخمسين قانعا بسعادة أشقائي، أراقب أبناءهم وهم يكبرون، وأجزل لهم العطاء فى مصاريف مدارسهم الخاصة والهدايا الثمينة والمساعدات العينية والنقدية بلا حدود، وارتضيت أن أبقى عازبا عازفا عن الزواج بعد أن رفضتنى فتاة رغبت فى الارتباط بها بدعوى فارق السن، فما أقدمت على هذه الخطوة مرة أخرى.

‎لكن الجسد الذى أنهكته الغربة وحَنّ إلى استراحة محارب، لم يصمد أمام السرطان الذى أصاب عظامى وأقعدنى وأفسد فرحتى بعائلتى التى بقيت فى كنفها إعانى سرطان جحود الإخوة، الذين تنكروا لى وثقل عليهم مرضي، وتثاقلوا فى رعايتي، وضنوا عليّ بزيارة لا تكلفهم سوى صعود بضع درجات من السلالم، حتى أبناؤهم ـ الذين تعلقوا بى منعوهم من دخول شقتى مدعين خوفهم عليّ من الإصابة بفيروس كورونا.

‎عاتبت إخوتى عتاب المحب، وذكرتهم بعمرى الذى ضاع فداء سعادتهم، فصدمنى برود الرد، وهالنى هوان الود، وبالغوا فى تبرير جحودهم بالانشغال بالمعايش، ثم زادوا فى البعد إلى قسوة الرد وسوء اللفظ وحدة الطبع، حتى شقيقتى الوحيدة أغلقت بابها وقلبها وتعللت بغلظة زوجها ومنعها له، فلم أملك إلا الانزواء وصداقة الدموع، والتضرع إلى الله أن يمنحنى الخلاص من تلك المأساة التى تحمل بين سطورها تفاصيل من الجحود والأذى ما لا يسع المقام لذكره ولا المساحة لنشره، ولا القلوب لاحتماله.

‎أكتب الآن من فراش مريض باليأس، كان بالأمس يراوده الأمل فى الشفاء من سرطان العظام، قبل أن يهزمه سرطان الجحود، لا رفيق لى فى هذا العالم المظلم سوى الممرضة التى ترعانى وتداوم على جرعات الدواء، أتعجل الموت ولا أخافه، لكننى قبل أن أبلغ تلك الأُمنية، أريد أن أعرف جوابا لسؤالين: ماذا جرى فى هذا العالم؟ وماذا أفعل؟

ك. ع - الجيزة

 

‎يا صاحب الرسالة وصاحب الفضل

 

‎قبل أن تمنحنى شرف الرد على هذه الرسالة، دعنى أخبرك أولا أن كلماتك الموجعة وألمك المزمن من فرط جحود إخوتك، قد أرسلتها دموعك الحارقة بعلم الوصول فى بريد السماء، حيث يفوق عطاء الله عطاءك، وتبدد رحمته ألمك، ويجبر بقوته كسرك، ويشف صدرك ويبرئ سُقمك ( من يصنع الخير لا يعدم جوازيه .. ما ضاع عرف بين الله والناس).

‎وبعد، سأبدأ بسؤالك كما ابتدأت أنت: لماذا تبكى وقد بلغت من العطاء والتضحية تلك المنزلة العظيمة؟ إن من يستحق البكاء هم أخوتك الذين أنكروا العطاء، وجحدوا بالأمر الإلهى الذى وضع دستورا لحفظ الجميل بين الناس بقوله تعالى «ولا تنسوا الفضل بينكم»، وأنت قد زدت على الفضل فضائل سردتها فى رسالتك بسيرة عطرة من الكفاح والتضحية والمثابرة والإيثار تجلب لك الفخر لا الدموع، وترفع قدرك فوق ما أصابك من نكران وجحود أخوتك.

‎لقد ارتكب إخوتك فى حقك جريمة مكتملة الأركان، لكنها للأسف جريمة لا تستطيع بها الذهاب إلى المحكمة تطلب القصاص مما تعرضت له من ظلم، فهى جريمة محلها قلوب قاسية لم تدرك قيمة الحب الذى غمرتهم به، وسنوات عمرك التى وهبتها من أجل أن يعيشوا أسعد أيام عمرهم، وما أحسبهم يبالغون فى الابتعاد عنك إلا خجلا مما ارتكبوه فى حقك، وهربا من الحقيقة التى تكشف جحودهم إذا ما نظروا إليك فرأوا ضآلتهم أمام عظمة رحلتك.

‎لقد تعلمت العطاء لأنك وجدت عليه أباك، الذى آمن مثلك بتلك الفضيلة الإنسانية، وأنها لولا رجال أمثالك يجاهدون فى سبيل حمل تلك الرسالة، لأصبحنا نعيش فى غابة تسودها الأنانية والطمع، وتنفض فيها أواصر الصلة بين الأشقاء، وقد ذكرت فى سطور رسالتك مآثر أبيك وما حصدته أسرته من عظيم ما زرع من العطاء والتضحية والبر بأهله، فهل تشك فى أن جزاء خيرك وقد سرت على خطاه سيكون جزاء وفاقا؟!. ‎لا شك يا سيدى أن النسيان آفة ذلك الزمان، لكن فى قصص وحوادث التاريخ، وحتى بين من يطالعون رسالتك الآن، من العِبر ما يجفف عَبراتك ويشفى غيظ صدرك، فكم من آباء بذلوا حياتهم لأبنائهم فأودعوهم دور الرعاية هربا من رعايتهم، وكم من شقيق مثلك نذر حياته لأشقائه فما أعطوه سوى ظهورهم فى الشدائد، وما نال منهم غير المكائد، ولا تنس أن أول جريمة عرفتها الأرض منذ بدء الخليقة ارتكبها الأخ بحق أخيه. 

‎إن الكلمات- مهما تكن- لن تخفف ألمك الذى حتما سيؤلم كل من يقرأ رسالتك، لكنها- وذلك ما نرجوه من القلب- قد تنير لك ما أظلمته غيوم الدموع التى ذرفتها عيناك على ما تظنه ضياعا لعمرك فى التضحية من أجل إخوتك الذين سلكوا مسلك إخوة يوسف فألقوا بك فى غيابات التنكر، وألحقوا الأذى بروحك النقية وقلبك الكبير.

‎لقد فعل إخوة يوسف به ما جاوز حدود الغِلظة، وميثاق شرف الأخوة، ورابطة الدم، حتى أقصوه بعيدا عن دياره وأهله، وواجه من الصعاب والمصائب والسجن ما أرهقه، لكن محنته كانت باب المنحة والتمكين فى الأرض، فتبدل حاله من الإقصاء إلى الارتقاء، ومن الخوف إلى الأمن، ومن اليأس إلى الأمل، حتى إذا كان على خزائن الأرض، استبدل بظلم إخوته العفو والغفران، وأُثلج صدره بالتئام الشمل ورأب الصدع بما حفظ من عهد أبيه.

‎وأنت يا شقيق وأب هؤلاء الإخوة، قد بذلت طيلة ما مضى من سنوات ما يفوق جحود إخوتك وظلمهم، فكن كما كنت وردة تفوح بعطر الصفح والعفو من دون أن تختار عمن تعفو وتصفح،  ولا تباعد بينك وبين الأمل بما أصابك من يأس، فاليأس هو المرض بعينه، وحالما استعدت الأمل الذى عشت به فى رحلتك الملهمة، سينهزم السرطان الذى يلزمك الفراش، وما دمت تؤمن بما قدمت لإخوتك أنه فريضة العطاء التى ألزمها أبوك فى عنقك، فاترك الباب مفتوحًا، واترك فى صدرك مساحة لعودتهم عساهم يستفيقون من تلك الغيبوبة ويبرأون من مرض النكران والجحود، ويستغفرون كما إخوة يوسف عما فعلوا بأخيهم، ولا تترك روحك النقية فريسة للحزن والمرض واليأس، فمثلك ليس له إلا أن يستعيد عافيته ويزهو بتضحيته ويفاخر بمسيرة كفاحه.

‎قطار العمر لم يفت ما دام قلبك ينبض، اهزم مرضك، وابحث عن امرأة تشاركك هذا القلب الجميل،  وتمسك بالحلم الذى حلمته فى صغرك بأن يلتئم شمل أسرتك فى بيت واحد، فالأحلام لا تفلت يد من يقبض على زمامها، وأنت أوفيت بشروط حلمك كما يقول الشاعر الكبير فاروق جويدة: «قدمت عمرى للأحلام قربانًا.. لا خنت عهدًا ولا خادعت إنسانًا»

‎ وختامًا، اعلم أيها الرجل الذى أعطى وضحى أنك سلكت طريق الفضل بما أعطيت وأجزلت لمن لا يرضى، فلا تبتئس «ولسوف يعطيك ربك فترضى»، ذلك وعد الله لكل نبيل، والله لا يخلف وعده، فاصبر وأبشر، وسوف ننتظر منك رسالة أخرى عما قريب هنا فى «بريد الجمعة»، تبشرنا فيها بأن الله رزقك فرحة يوسف وعفوه واستغفار إخوته، وما ذلك على الله ببعيد.  

 

مفرح سرحان

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق