رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أهمية ألاتكون أرنست

محمد سالم عبادة

تقولُ المرآةُ إنَّ لِحيَتى أشَدُّ بياضًا مِن الأوراقِ البيضاء. لم يَدُر بخَلَدِى مِن قَبلُ أن أربِطَ اللِّحيَةَ البيضاءَ بالعُذريَّة! لا! بل دارَ بخَلَدى قديمًا جِدًّا. ويبدو أنَّ الأمرَ على هذا النَّحوِ بالفعل. فالأوراقُ البيضاءُ تَجِدُ مَن يَخُطُّ عليها شيئًا ما. رُبَّما كان سطرًا يُذَكِّرُ كاتِبَهُ بأمرٍ يخشى نِسيانَه. رُبَّما كان معادلةً رياضيَّةً يتوصَّلُ إليها عالِمٌ أو يستذكِرُها تلميذ. رُبَّما كانَ قصَّةً أرادَ كاتبُها أن يَحفِرَ اسمَهُ بها فى سِجِلِّ الحَكّائين. المهمُّ أنَّ أحدَهم سيفتَضُّ بَكارَتَها إن عاجِلاً أو آجِلاً، وإن كان أحدُهم هذا شخصًا اعتبارِيًّا، كمَطبَعَةٍ مَثَلا. الأوراقُ موجودةٌ فُرادَى وفى رِزَمِها وملازمِها تنتظِرُ لحظةَ الافتضاضِ هذه، كأنَّها واقِعَةٌ لا مَحالة. أمّا لِحيَتى فلا أملَ لها فى تجاوُزِ العُذرِيَّة. ربما كان من المُناسِبِ أن أقولَ إنها لا تخافُ أن يذهبَ شيءٌ بعُذريَّتِها. إنها عُذريَّةٌ تتسلَّلُ شيئًا فشيئًا إلى اللِّحيَة، فتَمحو خطايا السَّوادِ القديمة. أُداعِبُ لِحيَتى الكَثَّة. أصابِعى تتخَلَّلُها. أبتسِمُ لذلك. كأنّى أُداعِبُ جسَدَ هذه العذراء التى تحُفُّ بوَجهى. لا خطايا تختبئُ بينَ أصابعِى وتنتهِزُ فُرصَةً لتُدَنِّسَ البكارةَ البيضاءَ، فأصابِعى لم تُمسِك قَلَمًا منذُ زمَن.

لِتَوِّى عُدتُ من المسابقَة. منتصرًا عُدتُ، فأنا أشبَهُهم جميعًا بـ «إرنست همِنجوِاى». كانت هذه أعقَدَ مسابَقَةٍ لأشباهِ «همِنجوِاى» منذُ بدأَت هذه المسابقات. لم يقتصِر الحُكمُ على الملامحِ الواضحةِ البارزةِ كأنّها مرسومةٌ بالفَحم والجسَد المائلِ إلى البدانة واللِّحيَةِ البيضاء، وإنما امتدَّ هذه المَرَّةَ إلى تفاصيلَ لم تُؤخَذ فى الاعتبارِ من قَبل. لقد أحضروا حَكَمًا للملاكمة، فقد أعلنوا المعرفةَ بالملاكمة والقدرةَ على ممارستِها معيارًا مهمًّا من معايير تحديدِ أقربِ المتسابقين إلى «إرنست». لم يتصور أحدٌ من المُشرِفين على المسابقة أن أفوزَ فى هذا المعيارِ بالتحديد، فهناك كثيرون يَبدون أرشَقَ مِنّى. كُروشُهم وسِنُّهم أصغَر. لكنّنى لحُسن الحَظِّ لم أُهمِل الملاكمةَ يومًا واحدًا منذُ اعتزَلت. فى رُكنِ الغُرفَةِ البعيدِ عن الشُّرفَةِ بُقجَةٌ جلديَّةٌ منتفخةٌ متينة. هى خَصمى الذى لا يَمَلُّ ضرباتى ولا يَشكوها. حرصتُ على أن أوقِفَهُ بعيدًا عن مَرمَى عُيونِ المتطفِّلِين، فهو خَصمٌ زَهِدَ الأضواءَ مِثلى. لكنَّ جِلدَه أسوَدُ تمامًا، وُلِدَ هكذا وظَلَّ هكذا. رُبَّما تحمَّلَ عنّى خطايايَ كُلَّها ليُبقِيَ لِحيَتى بيضاء. هاه! هذا يُشبِهُ صورةَ «دوريان غرِاى»! لم يقتصِر الأمرُ على الملاكمةِ كذلك، وإنما امتدَّ إلى الرِّماية. أحضروا حكَمًا للرماية. واضطُررتُ للتصويبِ على صحونٍ وأطباقٍ طائرةٍ، بدلاً من الطُّيور. بدا لى هذا سخيفًا للغاية. صحيحٌ أنّ عينيَّ لم تعودا كما كانتا، إلاّ أننى مازلتُ صقرًا، وإن كُنتُ صقرًا عجوزا. والصَّقرُ لا يُرضيهِ إلا أن يصطادَ ذواتِ الأجنِحَةِ مِثلَه، فأينَ اختفَت الطُّيورُ؟ ولماذا أحلُّوا الصُّحونَ محَلَّها؟ ما هُم إلاّ قُرودٌ منافِقُون جُهلاءُ يتصنَّعون الحرصَ على البيئةِ ومراعاةَ حقوقِ الحيوانِ، وهم بُلَهاءُ لا يَثبُتون فى نقاشٍ حقيقيٍّ حولَ حقوقِ الحيوان. هاهُما بندقيَّتى ومُسَدَّسى مُعلَّقانِ على الحائطِ قريبًا من خَصمى الأسود. لولا الصَّدَأُ الذى رانَ على قلبيهِما لتحدَّثا عمّا أراقاهُ من دماءِ ذواتِ الأجنِحَة. هاه! يالَلقُرود! لم يُخبِرهم أحَدٌ بأنَّ الطُّيُورَ خُلِقَت لنَصطادَها. لم يقرأوا الكُتُبَ المُقدَّسَة. «فتَخطَفُهُ الطَّير». لقد خُلِقَت لتَخطِفَ وتُخطَف. «أولَم يَرَوا إلى الطّيرِ فوقَهم صافّاتٍ ويَقبِضن؟». إنما نخطفُ طائرًا واحدًا من الصَّفّ مع كُلِّ رميَةٍ، ونرقُبُ قبضَهُ وبسطَهُ لنُسَدِّدَ الرَّميَة. أينَ الصُّحونُ الطائرةُ من هذا؟! خَزَف؟ خَزَفٌ يا أصحابَ العُقولِ الخَزَف؟ ينكسِرُ عشراتِ القِطَعِ حين تُصيبُهُ الرَّميَةُ، كأنه لم يَكُن! أين هذا مِن طائرٍ يسقُطُ مُضَرَّجًا بدِمائِهِ، مكسورَ العينينِ فى ذِلَّةٍ، يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ، شاهدًا على سَدادِ طلقَتِك؟ كانت عينا الصَّقرِ تنتزِعان الحَياةَ مِن عينيه، فأعودُ وبَريقُ عينيَّ نشوةٌ طافحةٌ تكادُ تُنبِتُ لى جناحَين أُحَلِّقُ بِهما عاليا.

المهمُّ أنى فُزت. كعادَتى فُزت. موسِمًا وراءَ موسِمٍ كُنتُ أَفوز. حين فُزتُ فى المواسمِ الثلاثةِ الأُولى، ابتكروا قاعِدَةً تقضى بألاّ يتقدَّمَ للمسابقةِ فى موسمٍ بعَينِهِ مَن فازَ فى الموسمِ السابقِ مباشَرَةً، ولا يجوزُ لِمَن فازَ ثلاثَ مرّاتٍ أن يتقدَّمَ مرَّةً أخرى. لم أحتَمِل هذا بالطَّبع.

أبتسِمُ الآن! أفتَحُ دُرجَ المكتَب. ليس ثَمَّةَ ورقةٌ بيضاء. ولماذا أحتفظُ بالأوراقِ وأصابعى لم تُمسِك بقَلَمٍ منذُ عُقود؟ كنتُ حزينًا فى البدايةِ لكنّى اعتَدتُ الأمرَ وزَهِدتُ القَلَمَ والأوراق. فى الدُّرجِ بطاقاتُ هُوِيَّةٍ كثيرة. هُنا آرثر ستيفنسن، وملاك غبريال القادمُ من مصر، وأندرو ماكدونالد الاسكتلنديُّ الأصل، وآخَرون. كُلُّهم فاز بالمسابقةِ من قبل. بعضُهم فازَ مرَّةً وبعضُهم مرَّتَين وبعضُهم ثلاثة. فى الدُّرجِ قليلٌ من الذخيرةِ لبندقيتى ومسدَّسى، وفيتاميناتٌ متنوِّعةٌ لعينيَّ وذراعَيّ، وعددٌ من دفاتر التوفيرِ فى مَصارِفَ مختلفة. لم تَبقَ مُتَعٌ أشتهيها وأنفِقُ المالَ لأجلِها. فقط أحتفظُ بالجوائزِ الماليَّةِ الرمزيَّةِ التى أكسبُها من مسابقاتِ همِنجوِاى، وأُنفِقُ منها لأبقى على قَيدِ الحياةِ بقَدر الإمكان. فالمهمُّ ألاّ أرى أحدَهم يفوزُ بلَقَبِ الأشبَه بإرنست وأنا على ظَهر الأرض. لن أُطيقَ ذلك ورُبَّما أنتحِر. إنَّ دَمى يَغلى الآنَ لمُجَرَّدِ أن تَعبُرَ الفكرةُ خاطِرى!

لكنَّ فكرةَ الانتحارِ نفسَها ترسِلُنى فى نوبةِ ضحكٍ هستيريَّة. أكادُ أقعُ، فأرمى ثُقلَ جسدى على السَّرير، ويَرتَجُّ مع كَرِشِى كأنهما محشُوّان بقُطنِ حقلٍ واحِد! فى ذلك اليومِ النَّكِدِ رأيتُ أقربَ الناسِ شبَهًا بإرنست. اقتَحَمَ عُزلَتى وفَرَضَ نفسَه عليّ فى حُبٍّ لَزِجٍ مَقيت. كان صَوتُهُ كصَوتى. ذَهِلتُ حِينَ رأيتُهُ، وصُعِقتُ حِينَ سَمِعتُه. كُنتُ فى تلك الفترةِ قد بدأتُ أُصاحِبُ المِرآة، وكنتُ حديثَ عهدٍ بخُصومةِ أصابعى والقَلَم. كانت المِرآةُ تُخبِرُنى كُلَّما اقتحَمتُ زُجاجَها بأنَّ لِحيَتى ستكونُ يومًا بعدَ يومٍ أكثرَ عُذرِيَّةً، ولم أكُن أُصَدِّقُها، فقد ظَننتُ أننى قريبٌ من الموت. وحِين ظهرَ أمامى ذلك الرَّجُلُ وتَكَلَّمَ، ظننتُه مِرآة! نعَم، ظننتُه كذلك! مرآةٌ جُنَّت وقَرَّرت أن تتحرَّكَ إلَيَّ بدلاً من أن أتحرَّكَ إليها. عزمَت على أن تتبادَلَ معى الأدوارَ وأن تنظُرَ هِيَ فيَّ وتُحَدِّثَنى. يومَها قالَ الرَّجُلُ إنَّه قرأَ كُلَّ حَرفٍ كتبَه «إرنست». عَشِقَ مَن عشقَهنّ من النساءِ، وصادقَ مَن صادقَهم وخاصَمَ مَن خاصَمَهم. رَكِبَ إلى جوارِ المُلازمِ «هنري» سيّارةَ الإسعافِ فى «وداعٌ للسِّلاح» وعاشَ مغامراتِه وباتَ فى فِراشِهِ مع الممرِّضَةِ الإنجليزية، وخرجَ للصَّيدِ فى مركَبِ «سانتياجو» وكادت تنقلِبُ بهما وعانَى معه هجماتِ أسماكِ المَرلِن فى «العَجوزِ والبَحر». كان يكُرُّ صفحاتٍ كاملةً من رواياتِ «إرنست» وقصصه. أصابَنى بذُعرٍ شديد. أحسستُ أننى أتحوَّلُ إلى زجاجٍ مصقولٍ وأفقِدُ نفسى. لم أكُن أستطيعُ فى ذلك الوقتِ أن أتحدَّثَ بالطَّلاقَةِ التى حَدَّثَنى بها. لم يَكُن أمامى إلاّ أن أكسِرَ المرآةَ المتحرِّكة. إمّا أنا وإمّا المرآة. لم يتوقَّع الرَّجُلُ ما سأفعَلُه. استأذنتُه ونَزَلتُ إلى القَبو، وأحضرتُ صديقيَ المُسَدَّس. عُدتُ إلى غُرفَتى وصديقى مكنونٌ فى جَيبى، يضحكُ ضحكتَه المكتومةَ التى تُعجِبُنى. جلستُ بجوارِ المرآةِ المتحركةِ الوَدودةِ اللَّزِجَة، فابتسمَت فى وجهى، فلصقتُ فوهةَ المسدَّس برأسِهِ وأطلقتُ النّار.

يصعُبُ أن أتذَكَّرَ مشاعرى بالضبط. توقَّعتُ أن ينفجِرَ رأسُهُ كالزُّجاج، فقد كان أحَدُنا بالتأكيدِ زُجاجًا مصقولاً، وأنا لستُ كذلك. دهشتُ لأنَّه لم يَتَبَعثَر قِطَعًا صغيرةً كصُحونِ الخَزَف، وإنّما تطايَرَ الدَّمُ من رأسِهِ كذواتِ الأجنِحَة. انتبهتُ للخَطَرِ المُحدِقِ بى، فوَلَّيتُ هارِبا.

أسلَمتُ ساقَيَّ للرِّياحِ، وكان هذا بحدِّ ذاتِه مُدهِشًا، فقد كان الجميعُ يُؤكِّدُ أننى موشِكٌ على الموت، فكيفَ استطاعَ هذا المَيِّتُ لا محالةَ أن يخترِقَ المَزارِعَ الخلفيَّةَ والشوارعَ المهجورةَ ويَنجُوَ بنَفسِهِ من قبضةِ الشُّرطَة؟ كيفَ واتَتنى الفكرةُ كذلكَ أن أزرعَ المسدَّسَ فى قبضةِ الطائرِ اللزِجِ الذى تفجَّرَ الدَّمُ مِن رأسِه؟ لم أطمئنَّ إلاّ حين ابتعدتُ عن منزلِنا مسافةً تسمحُ لى بالاطمئنان. استطعتُ أن أحتفظَ بحَياتى وأن أسترِدَّ قَدرًا أكبرَ من صِحَّتى. بَل إننى عُدتُ إلى تمارينِ الملاكمةِ والرِّماية فيما بَعد.

آه! مازِلتُ مُلقَيً على سريرى، لكنَّ كَرِشِى توقَّفَ عن الارتجاج بفِعلِ تلك الذكرَى. لستُ آسِفًا ولا يؤرِّقُنى شُعورٌ بأيِّ ذنب. لقد كان الرَّجُلُ بالنسبةِ لى مِرآةً متحركةً مُخيفَةً توشِكُ أن تَسرِقَ نفسى وتُحوِّلَنى إلى زُجاجٍ مصقول. ماذا كان عساىَ أن أفعلَ إزاءَ مرآةٍ كهذه؟! لا! بل أقولُ إنه رُبَّما سَرَقَ شيئًا من نفسى بالفِعل، وإلاّ فلماذا لم تُمسِك أصابعى قَلَمًا منذُ كسَرتُ المرآة؟ لقد عادَت إليَّ صِحَّتى وقُدرَتى على الملاكمةِ والتصويبِ، فلماذا لم يَعُد إلَيَّ القَلَم؟ لماذا أعجَزُ عن سَردِ مَقطَعٍ واحدٍ من تلك المقاطِعِ الطويلةِ التى أخذَ يَتلوها على مِسمَعَيَّ فى ذلك الصباحِ كأنه يَقرأها من كتابٍ مفتوح؟ لابُدَّ أنَّه سَرَقَ شيئا. لكن، أيَعنى هذا أننى تحوَّلتُ فى جُزءٍ منّى إلى زُجاجٍ مصقول؟

فِكرةٌ مَقيتة. يقشَعِرُّ لها بَدَنى. حِينَ يقشَعِرُّ كَرِشِى أشعُرُ بالسَّريرِ يقشَعِرُّ، كأنهما محشُوَّان آلافَ الدِّيدانِ التى لا تَنى تَتَلَوَّى. أنتفضُ قائمًا وأقِفُ مُجَدَّدًا أمامَ المرآة. لا، لم أُصبِح زُجاجًا مصقولاً، وإلاّ لكانت صُورَتى انعكَسَت بينى وبين المرآةِ الآنَ مرّاتٍ لا حَصرَ لها. هاه؟! أشعُرُ أنَّ هناك مغالَطَةً منطقيَّةً فى هذا الاستنتاجِ، لكنّى لا أستطيعُ أن أضَعَ يَدى عليها. لقد أصبحتُ ثَرثارًا منذُ كَسَرتُ المرآةَ المتحرِّكَةَ التى لم تتبعثَر قِطَعًا صغيرةً كالخَزَف. أصبحتُ ثرثارًا، لكنَّ أصابعى لم تَعُد تحتضِنُ القَلَم.

أتساءَلُ، ماذا سيَكونُ رَدُّ فِعلِهم حِينَ أموت؟ سيجدون فى دُرجِ المكتَبِ أرقامَ حساباتى المتواضعة، وبطاقاتِ هُوِيَّاتى الباسِمَةَ، وتماثِيلَ نصفيَّةً صغيرةً متعدِّدةً لإرنست، بعضُها من الجَصِّ وبعضُها من الطِّين المحروق، كسبتُها فى مسابقاتِ الأشباه. نَسيتُ أن أتفحَّصَها اليوم. أعودُ إلى الدُّرجِ وأفتَحُه. هاهِيَ ذِى تَقبَعُ فى رُكنِها القصيِّ فى الدُّرجِ الفسيح. أُفَضِّلُ التماثيلَ الجصِّيَّةَ قبلَ النَّوم. آخُذُ أَحدَها بين ذراعَيَّ وننامُ سَوِيّا. وحين تلسَعُنى بُرودَةُ الفَجرِ وأقشَعِرُّ، يقشَعِرُّ التمثالُ الجَصِّيُّ الأبيَضُ معى، إنه أبيَضُ كَلِحيَتى العذراء، ويقشَعِرُّ معَنا السَّريرُ، كأنَّ ثلاثتَنا مسكونون بآلافٍ من دُودِ القُبورِ، لا تَنى تتلَوَّى. أمّا وقتَ النَّهارِ أفضِّلُ تماثيلَ الطِّينِ المحروق. تختزِنُ خطايا الشَّبابِ وتُعيدُنى عقودًا كثيرةً إلى الوراء. يتملَّكُنى حَنينٌ مُبهَمٌ إلى الماضى، دُونَ شوقٍ إلى متعةٍ عليَّ أن أجتهِدَ الآنَ فى تحصيلِها، فآخذُ تمثالاً داكِنًا مِن هذه بين ذراعَيَّ، ونتَّكِئُ معًا على مخدَّةٍ عملاقةٍ على السَّرير. تُدَغدِغُنى الذِّكرَياتُ، فأضحَكُ ويضحَكُ تمثالُ الطينِ المحروقِ، ويرتَجُّ كَرِشانا، ويرتجُّ السَّريرُ، كأنَّ ثلاثَتَنا محشُوُّونَ قُطنًا من نفسِ الحَقل!

أفكِّرُ قليلا. النَّومُ بعيدٌ عن أجفانى الآنَ. فَلتَبقَ تماثيلُ الجَصِّ مستريحةً فى أماكنِها. لم تَحِن مَوتَةٌ صُغرَى ولا كُبرى. أخَذتُ تمثالاً داكنًا، ووضَعتُهُ فوقَ المكتَبِ وأغلَقتُ الدُّرج. لصقتُ راحَتَيَّ ببعضِهما أمامَ صدرى، وانحنَيتُ لَه مغمضًا عَينَيّ. وقعَ بَصَرى على قُفّازَى الملاكَمَةِ تحتَ المكتَب. تناوَلتُهما والتَهَما يَدَيَّ فى شَغَف. اقتَربتُ من التِّمثالِ، وحَيَّيتُه مرَّةً أُخرَى لامسًا يديه بقُفّازَيّ فى مودَّةٍ وتَرَبُّص. نَظَرَ إلَيَّ بعينيه الثاقِبَتَين. ها هُوَ صَقرٌ آخَرُ قد انطفأَت عيناه. ابتسَمتُ لَهُ مُتَوَعِّدًا، ثُمَّ قَفَزتُ قفزاتٍ قريبةً من الأرضِ واتَّجَهتُ إلى خَصمى الأسوَد، بعيدًا عن أعيُن المتطفِّلِين.

لكماتى سريعة. أكادُ أُسقِطُ فَكَّهُ السُّفلِيَّ هذا. لَن يستطيعَ أن يتحدَّثَ بطَلاقَةٍ بعدَ اليوم. هل ينزِفُ الدَّمَ مِن فَمِه؟ خُذ هذه فى أنفِك. لَن تَنجُوَ مِنِّى اليومَ يا بُقجَةَ القُطن. هل عنده قُفّازاتٌ مِثلى؟ هل سيُلاحِظُ الحَكَمُ أننى أستغِلُّ هذه النُّقطَةَ وألكَمُهُ فى أصابعِه؟ لن تستطيعَ أن تُمسِكَ قَلَمًا بعدَ اليوم. سأُلقى بِكَ إلى الأرضِ وسترتجِفُ كالمحموم. الدُّودُ سيَغزُوكَ يا مستر بُقجَة، وسيتلوَّى بداخِلِك. خُذ هذه أخيرا.

ياه! إننى أَلهَث. منذُ وقتٍ طويلٍ لم أبذُل مِثلَ هذا المَجهودِ فى مُباراةٍ، ولا حتى فى مباراتى فى مسابقة أشباهِ إرنست الأخيرة. أجلِسُ على الأرضِ لألتقِطَ أنفاسى. أقِفُ أخيرًا لأصافِحَ خصميَ الأسوَد. لكنَّ عليَّ أن أصافِحَ تمثالَ إرنست الطينيَّ هو الآخَر، فقد فُزتُ فى المباراةِ وعليَّ الالتزامُ بالرسميات. أضعُ يدى فى الجَيبِ الذى فصَّلتُه فى البُقجَة. هُنا وَضَعتُ بطاقةَ هُوِيَّتى الأصلِيَّة. أُخرِجُها، وأعودُ إلى المكتب. أسندُها على صدر تمثالِ إرنست وأُصافِحُه. هل أبدو مُتَشَفِّيًا يا مستر همِنجوِاى؟! إننى رَجُلٌ ودودٌ للغاية. يكفى أنَّ صدرَكَ يحملُ بطاقةَ هويَّتى. ألا تراها؟ اقرأها جَيِّدًا، فعليها اسمى الذى تعرفُه. هاهُوَ. «إرنست همِنجوِاى».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق