رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى البدء كانت «عايدة»

د. محمد حسن عبدالله

«عايدة /عائدة» اسم الأميرة الحبشية «الإثيوبية، حسب التسمية المعاصرة لبلاد الحبشة التاريخية» - التى حملت الأوبرا المصرية الشهيرة اسمها، وكانت هذه الأوبرا العظيمة العرض الأول الذى افتُتحت به دار الأوبرا الخديوية بالقاهرة فى 24 من ديسمبر 1871م، ولا تزال «عايدة» تمثل فى كل أنحاء العالم، وتعد من منجزات فن الأوبرا العالمية، التى تتجاوز بجمالياتها وروعتها الزمان، والمكان، والمناسبة، وتتجاوز حتى أولئك الذين حولوا النص المكتوب إلى عرض أوبرالى متفرد فى تكوينه، وهذا دليل آخر إضافى على أن العمل العظيم لابد أن يكون إبداعاً جماعياً، وأن يكون الهدف منه إنسانياً، يرمى إلى التأثير الايجابى فى ترقية الحياة، وليس عكس ذلك.

كما تأخذ «عايدة» -أيضاً- مكاناً واضحاً فى دوائر المعارف العامة، فضلا عن ما ترجمه محمد أحمد الحفنى لنصها فى كتاب:»أشهر الأوبرات» نشره المركز القومى للترجمة – القاهرة 2007 وما ذكره « قاموس المسرح» الذى أشرفت عليه الدكتورة فاطمة موسى محمود نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008 وما نشرته فى التعريف بهذه الأوبرا الشبكة العنكبوتية.

.....................

هذه الأوبرا عايدة تشكلت فى أربعة فصول، يمكن الوقوف على تفاصيلها، وطبائعها، ومطالبها الموسيقية فى المراجع المشار إليها آنفاً. وباختصار: تحكى قصة حب تجرى فى زمن أحد الفراعنة بين قائد الجيش المصرى «راداميس»، والأميرة الحبشية «عايدة» الأسيرة فى مصر. وهنا يتضح من سياق الحكاية فى إطار هذه الأوبرا أن الحرب كانت حدثاً «غير مستغرب» بين مصر والحبشة، ودون أن تُعنى قصة الحب بين القائد المصرى والأميرة الحبشية بذكر سبب هذه الحرب؛ فإن فى الحوار ما يدل على تعدد وقائع ومنازلات جيوش الدولتين «المصرية الفرعونية - والحبشية»!

ولأن «الأوبرا» أى أوبرا تُعنى بإبراز العواطف والانفعالات الجامحة، وتعبر عنها بالموسيقى، والغناء الفردى المتميز بطبقاته الصوتية، والغناء الجماعى، والحركة، كان لابد من حكاية حب وتنافس فى هذا المجال الإنسانى المشترك بين كل البشر «عاطفة الحب» فإنه كان لابد من وجود «عاذل» «أو عزول حسب التعبير الشعبى المتداول»، وكانت ابنة الفرعون «الأميرة أمنيريس» هى هذا العاذل.

وهكذا تتحرك أحداث الأوبرا فى اتجاهين: اتجاه الحرب بين مصر والحبشة؛ إذ تتكرر المعارك، وينتصر فيها المصريون حتى تؤسر الأميرة، وفى معركة تالية سيؤسر أبوها الملك، ويلقاها فى سجن الفرعون. وحين يعرف قصة الحب بين ابنته وقائد الجيوش المصرية، يغريها هذا الأب الملك بأن تستدرج القائد، لتعرف الطريق الذى تسلكه هذه الجيوش فى هجومها على الحبشة، أما الاتجاه الآخر، فيجسد وقائع العشق والغيرة بين المرأتين: الأميرة الحبشية، والأميرة المصرية فى حب القائد «راداميس».

وإذ يتطور الجانب العشقى إلى أن تقنع «عايدة» القائد «راداميس» بأن يهربا معاً إلى الحبشة، ليتخلص راداميس من الوعد الذى «تطوّع» به فرعون من جانبه، إذ أعلن أنه سيزوج ابنته الأميرة «أمنيريس» قائده إذا تحقق النصر، وقد تحقق، ولكن قلب القائد المصرى كان قد استقر فى مكان آخر، ولا سبيل إلى تحقيق هواه الجامح إلا بموافقة «عايدة» على خطتها فى الهرب معاً إلى وطنها.

هكذا يتطور الشق العاطفى متضمناً المغزى «الصراعى/العسكرى» بين الدولتين، وإذ يضبط القائد «راداميس» متهماً بخيانة الوطن ومحاولة الهرب إلى بلاد العدو، يحكم عليه بالدفن حياً فى كهفٍ يساق إليه ويغلق عليه، وفى الكهف يجد بداخله حبيبة قلبه «عايدة»؛ وإذ يحاول الحبيبان الانتصار على الموت بمحاولة إزاحة الصخرة التى تسد الكهف، تكون الأميرة «أمنيريس» – ابنة الفرعون - على الناحية الأخرى تحاول إزالة الصخرة ذاتها، لتنتهى الأوبرا بهذا المشهد الرمزى المفتوح على احتمالات مستقبل يصعب تحديده.

هذا إيجاز شديد لمسار الأحداث فى أوبرا عايدة التى تحمل دلالات عديدة تستحق أن نستعيد قراءتها، وبخاصة فى ضوء ظروف تأليفها، وعرضها إبان حكم الخديو إسماعيل فضلا عن الأحداث الراهنة ومبتداها وليس منتهاها السد الإثيوبى وتداعياته!!

سنبدأ مرة أخرى بأوبرا عايدة، ولكن من منظور: «التوثيق» التاريخى.

وهنا ينبغى أن نتعرف على مراحل «تشكيل» هذه الأوبرا، ما بين تأليف القصة، وكتابة الحوار، ووضع الألحان وتصميم الرقصات، والمناظر.. إلخ. والمعلومات الموثقة تذكر أن «الحكاية» فى أوبرا عايدة كتبها عالم الآثار المصرية، الفرنسى، ماريت باشا، وأن الصياغة الشعرية قام بها الشاعر الإيطالى انطونيو جيزلا نزونى «وقد تكتب جيسلا نزونى»، أما الموسيقى فقد أبدعها الموسيقار الإيطالى فيردى، وتذكر المصادر أنه تقاضى أجراً على عمله «مائة وخمسين ألف فرنك ذهباً».

من الطبيعى أن يكون سمو خديو مصر «إسماعيل باشا» قد وافق على «الحكاية» التى ترويها الأوبرا، وتذكر المصادر أن سمو الخديو كان له شرط واحد على هذه «الحكاية»: أن تجسد الطابع المصرى القديم فى المضمون، كما فى الأزياء، وفى المناظر، وهكذا اختير القصر الفرعونى فى عاصمة مصر «منف» مكاناً للأحداث، كما كان الكهنة هم القضاة الذين مثل أمامهم «راداميس» فحكموا عليه بالدفن حياً.

وحين نشاهد هذه الأوبرا لابد أن يستولى على ألبابنا تلك الفخامة فى المشاهد الاستعراضية، وتلك الروعة فى الألحان الافتتاحية، المصاحبة للمواقف والمواكب، وتلك الأزياء والمناظر الفخمة المبهرة.

ثم نتمهل فى «إعادة قراءة» الحكاية وما يمكن أن يستخلص منها من رؤية أو محتوى فى جملته وبعض إشاراته التفصيلية، ولابد أن يلفتنا وعد فرعون لقائده بأن يزوجه من ابنته الأميرة إذا عاد منتصرا على جيوش الحبشة، دون أن نسأل أنفسنا، أو نسأل المصادر التاريخية: هل كان الفراعنة بكل ما لهم من تأله وقداسة – يزوجون بناتهم أبناء الشعب؟ حتى وإن كانوا من القادة الشجعان؟ غير أن الأمر الذى يستحق التوقف وإطالة التأمل والتأويل اختيار «الحبشة» تحديداً لأن تكون فى حالة حرب «متكررة» مع مصر؟ مع أن حروب مصر زمن الفراعنة كانت غالباً فى اتجاه الشرق، وليس فى اتجاه الجنوب، وبخاصة إذا تمادى الجنوب إلى عمق القارة الإفريقية، وقد يمدنا التاريخ المدوّن «الموثق»؛ بأن محاولات متكررة بذلتها مصر فى زمن محمد على باشا، مؤسس مصر الحديثة خاصة، وليس فى زمن الفراعنة لمد حدودها والسيطرة على مناطق / منابع النيل، أو قريبة جداً من هذه المنابع، ويمكنها أن تتحكم فى تدفق مياهه.

كما تذكر هذه المصادر التاريخية أن محاولة من هذه المحاولات المتكررة لم تنجح فى تحقيق هذا الهدف، لأسباب منطقية أهمها: طول المسافة بين مصر والحبشة، بما يؤدى إلى إنهاك الجنود وبطء الإمدادات، فضلا عن اعتماد هذه الجيوش على جنود من أصول مختلفة الانتماء، حتى وإن أسند محمد على قيادة جيوشه لأبنائه وأصهاره، غير أن هذه الجيوش قد تمكنت من فتح السودان، والاحتفاظ به موحداً مع مصر «وتأسيس مدينة الخرطوم» حقق محمد على هذا رغم ما واجه من القوى الغربية «بجيوشها وقناصلها وأطماعها» إذ استطاع الاحتفاظ بدولة وادى النيل «مصر والسودان». وهذا الرجل: محمد على هو الذى تنسب إليه مقولة: «إن حدود مصر تكون حيث منابع النيل»، ولعل هذا المعنى هو الذى حرك طموح حفيده الخديو إسماعيل باشا «تولى الحكم 1863، وعزل ونُفى عام 1879» فأرسل الجيوش لحماية النفوذ المصرى، وإقرار دولة جده بذريعة محاربة الرق فى إفريقيا، وبذلك تمكن من ضم موان ومناطق من الساحل الصومالى والاريترى، وبعض مناطق الحبشة «إقليم بوجوس» الذى كان قد تحول إلى قاعدة للاعتداء والسلب والنهب فى المناطق التابعة للسيادة المصرية ذلك الوقت. وبهذا أوشك البحر الأحمر أن يكون فى جملته بحراً مصرياً خالصاً.

يبقى مجالٌ واجب للقراءة الفنية أو النقدية.لمكونات الحكاية فى هذه الأوبرا:

< فهل توصلنا المحاولة إلى أن نعد «الأميرة الحبشية عايدة» رمزاً لمياه النيل؟! وأنه لا سبيل عند النزاع غير الحصول عليها بطريقة ما؟

< وهل يمكن أن تكون محاولة عايدة تدبير خطة للهرب واستلاب القائد المصرى رمزاً لما تتداوله التكهنات من الاستحواذ على انفرادية مصر وعظمتها التاريخية والراهنة؟!

< وهل تحمل هذه الأوبرا معنى من معانى حتمية التلازم / التفاهم، وأن السبيل لاستقامة الحياة هو المشاركة السوية الإنسانية، والتكامل الوجودى، بما يعنى حتمية الخروج من الكهف بالجهد المشترك؟!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق