رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هكذا قتلوا

حجاج أدّول

«1»

البِركة آسنة كئيبة وأسماكها تسبح فيها بليدة. ركود سائد، وكلما ضاقت سمكة بما هم فيه، فرفعت رأسها ونظرت حولها، تجابهها نظرات الأشباح المنتصبة على الشطآن. أشباح ترعيب وترهيب وفى يد كل منها حبال التكتيف، واليد الأخرى مرفوعة تلوِّح بقنينة سم زُعاف.

سمكة صاحبة عين مصرّة على إمعان النظر، قالت صدرى ضاق بعفونة الركود. قالت للأسماك من حولها.. لم لا نعيد بحيرتنا الآسنة لتكون كما خُلِقت، بحرا زاخرا بالأمواج نابضا بالحياة. رفعت رأسها فوق سطح المياه تنظر متحدية لأشباح الرعب الرابضة على الشطآن. عادت لأعماق البحيرة المعتمة. قالت لأهلها.. يا أسماكى الغافية إليكم رسالتى، لِمَ الخوف ولِم الركود ولِمَ البلادة؟ فلنفكر معا لنعيد بركتنا لتكون كما خلقها الله بحرا رائعا. سنزيح الظلمات ونضيء الأنوار؟ الأسماك بدأت تتجاوب وتسأل مستفسرة، وسمكة الرسالة تجيب الأسئلة بأسئلة متصاعدة لتقلقل غفوتهم وتقلق سكونهم، فينظرون ويتشجعون ويفكرون ثم يقررون.

بدأت الأمواج تتوالد وتتعاظم فى البحيرة، ستعود بحرا. فزعت أشباح البحيرة وارتعبت. حِراك البحيرة سيلغيهم. سيفنيهم. قفزت الأشباح المتجبرة فى الماء. حاصرت السمكة التى نظرت وجرؤت على التفكير وإلقاء الأسئلة. انتزعته من وسط الأسماك. ربطته بالحبال ورفعت أياديها الحاملة بقنانى السم وهددته، إما أن يتوقف عن أمواج الأسئلة، وإما سيتجرع السم.

................................................ وهكذا قُتِل سقراط

«2»

إمبراطورية شاسعة. جيوشها رهيبة. مغرورة بهيبتها وذهبها وقمحها المنهوب من الشعوب المقهورة. غناها وصل لحد البطر. شعب الإمبراطورية قرروا أنهم هم السادة، وبقية الشعوب مجرد هوام وعبيد، يفعلون بهم كل ما يخطر على البال من وحشية وإذلال. قرروا على العبيد الأقوياء أن يكونوا مصارعين. شيدوا الملاعب المتسعة ليتبارز المصارعون العبيد فى جولات قتال دموية، قتال بالسيف والرمح والشبكة، كل مصارع يعمل على قتل خصمه. كل جولة يعود منها المصارع القاتل على ساقيه وسط تصفيق السادة وتهليلهم، وتسحب جثة المقتول كالبهيمة المذبوحة للخارج. جماهير السادة فظة مبتهجة بالدماء التى لوثت رمال ساحة القتال. تهتف للمنتصر ساخرة، فهى تعلم أن هذا العبدالمنتصر، ستسحب جثته كالبهيمة فى جولة لاحقة.

جولة وجولات وجولات. يُقتل العبيد المصارعون بالعشرات فى كل حفل للمبارزات. لا يحفل السادة بموتهم، فالعبيد عندهم بعدد حبّات التراب.

رفض مصارع تلك المذلة وصاح أنا حر ولن أقاتل! تكاتف معه المصارعون وقالوا نحن معك أحرار، ثم انضم له بقية العبيد من رجال ونساء، بيض وسود، عجائز وشباب. صاروا قوة فصُعقت الإمبراطورة رعبا. فى سرعة أرسلت جيشا ليقضى على العبيد المصارعين الأحرار. انتصر المصارعون الأحرار فى معارك متوالية، لكن الإمبراطورة تمتلك من الجيوش جحافل لا تنتهى. تكالبت الجيوش العاتية على المصارعين الأحرار حتى هزموهم أخيرا وأعملوا القتل فيهم، كما أسروا المئات، وكان المصارع الشجاع من المأسورين. صلبوهم. الصلبان صف لا ينتهى كما أن الظلم لا ينتهى.

دام صيت الإمبراطورية بفخرها وبشاعتها، ودام صيت المصارع الشجاع الذى أصر على حريته فتم صلبه.

.......................................... وهكذا قُتل سبارتاكوس

«3»

النهر فاض فصار فيضانا رهيبا. هجمت مياهه على بيوت مدينته الأثيرة، مدينته التى تحوى حبيبته. الفيضان مستمر يضرب الجدران فتنفجر بأصوات الرعد. يكافح أهل المدينة لينجوا من الغرق وصرخاتهم تتصاعد، وكل ساعة يستسلم منهم العشرات فتجرف المياه جثثهم.

المُحب يسبح ويسبح وتتلاعب به تيار المياه وهى تجرفه فى شوارع المدينة. يصطدم بجسر. يصعد الجسر بصعوبة. فوق الجسر يحاول العدو بما تبقى من قواه. المياه الجارية التى ارتفعت ووصلت لركبتيه، تمنعه من الإسراع فى عدوه. يلهث مصرا ليصل بيت حبيبته وردة وينقذها. يرى تمثال الطاغية الممتطى حصانه شاهرا سيفه. المياه المندفعة بالكاد تغطى قاعدته. الطاغية ينظر إليه مهددا. لم يأبه المُحب بنظرات التحذير البرونزية، فكل ما يسعى إليه هو إنقاذ حبيبته. والمحب يجرى أتته موجة مياه من خلفه ضربته فصيرته لعبة ضعيفة تعلو ويغطس فى المياه الهادرة. قاوم ورفع رأسه لأعلى. يأخذ شهقات سريعة. جثث الغرقى تكاثرت وتصطدم به وتمر بجواره. يقاوم الغرق منهكا. يصطدم بأطلال بيت انهار. ارتمى على سطحه. ورغم بلله ورعشات جسده، غلبه النوم مع هبوط الليل البارد.

الصباح والطوفان هدأ لكن مياهه مازالت تغمر المدينة. الناس يسيرون والمياه تعلو لحد منتصف سيقانهم. هائمون. متعبون يائسون باكون، يبحثون عن ذويهم وعن بيوتهم. سار المُحب والمياه تعرقله حتى وصل لشارع حبيبته وردة. فلا وجد البيت ولا وجد حبيبته. وقف ناظرا لأعلى وهو يضرب بقبضتيه على صدره ليصيح رافضا لاعنا. منعه صوت قرقعة مخيفة أعقبها صوت صهيل معدنى يقشعر الأبدان. تمثال الطاغية البرونزى يتحرك ومفاصل سيقان الحصان تصدر تلك الأصوات المخيفة. فزع المُحب وهو يشاهد اندفاع الحصان ناحيته وعلى صهوته الطاغية شاهرا سيفه مشيرا به ناحيته. الحصان يقترب منه سريعا. إن وصله الحصان فسيمزقه الطاغية بسيفه إربا. أراد المُحب الصراخ فلم يستطع. حاول الهروب فلم يستطع الحركة. وصل الحصان عنده ومر بجواره وهو يصهل وينثر المياه عاليا. شعر بسيف الطاغية يجز عنقه ليتهدل جسده المبتل، وتغطس رأسه المفصولة فى المياه.

يصرخ صرخة هائلة وفزع من نومه.

سجل المُحب كابوسه شعرا، واتخذ التمثال البرونزى إشارة للحاكم الطاغية، فغضب الطاغية ونفاه سنينا. حبيبته انتظرته ولم تستجب لإغواء القاتل المحترف الذى هام بها. عاد المُحب ووجد حبيبته المنتظرة وتزوجا. قصائد المُحب تتوالى. صار الشاعر شهيرا محبوبا. القاتل المحترف زادت نيران الأحقاد فى جوفه.

بشاعريته وسحب المحبة الرائقة الرائعة تغلفه مع حبيبته، وصل لمرتبة الحكمة. قال لنفسه.. أأنعم أنا بلذيذ العيش خائفا من التمثال البرونزى الذى قتلنى فى الحلم؟ لا. لن أرضى بحال مواطنى مدينتى البائسين. أرفض أن يغرقهم اليأس ويفقدون حلمهم بالحرية وطيب الحياة. وقف فى شرفة بيته ونصحهم قائلا: «من الأفضل أن تحلم ألف حلم لم يتحقق، على ألا تحلم أبدا» ثم أطلق القصائد منشدا للعدل والجمال.

محترف القِتال الطامع فى حبيبة الشاعر، لم يتحمل جحيم الكراهية التى ملأت جوفه، فها هو غريمه المُحب يصير من أشهر وأجمل ما فى المدينة، وها هى من يشتهيها وردة يانعة فى أحضان المُحب. لذا حين جاءه مرسال التمثال البرونزى، استجاب وقرر فعل فعلته. تعمد التحرش الوقح بزوجة الشاعر المُحب. المُحب لم يتحمل مس كرامته. فكان لابد من المبارزة. المُحب شاعر وليس مقاتلا، ويعلم أن الحاقد الخسيس مقاتل وليس شاعرا، لكن لا قِبل للمحب بتحمل الإهانة، فليمت شريفا شجاعا، وليقتله هذا اللاشيء الحاقد القاتل.

تواجها بالسلاح النارى. وأطلق الحاقد المحترف رصاصته المُحكمة لتخترق صدر النبيل.

............. ............................. وهكذا قُتِل بوشكين

«4»

نبع محبة صاف. مياهه تترقرق فى انسياب مثل شِعره. طيبته تشع هالات ملونة حول رأسه الوسيم، يصادق الفنانين عموما، الأديب والعازف والمطرب والمخرج والممثل، والفنان صاحب ريشة الألوان. كل الناس أحبابه. لا ضغائن فى قلبه ولا صغائر تلهيه. لكنه أيضا الشاعر الشجاع ضد الطواغيت. حذر الناس فى بلاده..

هذا زمن لا يعلم فيه مقتول من قتله

ولا لما قتله

فرؤوس الناس على أجساد الحيوانات

ورؤوس الحيوانات على أجساد الناس

فتحسس رأسك!

هذا النبيل السلس والذى عاش أمواجا شعرية قوية شجية، توقع أن تناله طعنة سلطوية. طعنة تخترقه من الظهر إلى القلب. فهو المحرض الذى قال للناس..

انفجروا أو موتوا.

لكن أتته الطعنة من حيث لم يحتسب. طعنته ريشة ألوان شعرية، ظنها معه فكانت عليه. أتته غوغائية الطعنة واخترقت صدره العارى. مزقت القلب وسقط الفارس القديم الجديد.

.............................. وهكذا قُتِل صلاح عبدالصبور

«5»

أشباح الكهنوت تتكاثر كالجراثيم. غبية مقزعة مفزعة، كهنوت متحجر يسترزق بِلحيته وبعباءته الكاذبتين. فى أياديهم أوراق كتبوها ليُجرموا الرافضين لهم. فى أياديهم مناجل لقطع كل رأس تشرئب وتفكر. فى عرفهم.. من تفكر فقد تزندق وحق عليه العقاب. مناجلهم ترتفع لتطيح بأى رأس متفكرة. فى شرعهم.. فليبق البشر أجسادا فاقدى الرؤوس المتسائلة، ولنبق نحن ذقونا وعباءات لامعة تسيطر، لنبق نحن غارقين فى ملذاتنا الحسية. الرب لم يقل لهم أنتم حراس كلمتى. بل لم يقل لهم بأوراقكم المنحولة الخبيثة تتهمون الخَلق، ثم بالمنجل تقتلون، لكن الأشباح السفاحة استمرت فى قطع الرؤوس المفكرة.

......................................... وهكذا قُتل فرج فودة

«6»

ذنبها أنها امرأة. ذنبها أنها جميلة. ذنبها أنها أديبة. وذنبها أنها أحبت. لم تحب أيا من كل هؤلاء المفكرين والأدباء، ولا حتى السياسيين الذين داوموا على حضور مجلسها الثقافى، واعترفوا بها شاعرة ساردة مفكرة. لا أحد فيهم نال قلبها، رغم أن نصفهم على الأقل وقعوا فى غرامها، واثنين أو أكثر أدعوا أنها بادلتهم الهيام. ذنبها أن والديها ماتا وتركوا لها إرثا مغريا، وليس ذنبها أن عائلتها طمعوا فى ثروتها وحقدوا عليها، واستغلوا سفرها الطويل إلى مدينة الفكر والأدب. وليس ذنبها أنها امرأة أتقنت تسع لغات وكتبت الشعر بالفرنسية والسرد بالعربية والإنجليزية. كما أنه ليس ذنبها أن حباها الله جاذبية أنثوية. وليس ذنبها أنها دعت بالإخاء بين البشر.

وليس ذنبها أن طار قلبها صفحات مكتوبة، وسبحا عاليا لتلاقى حبيبها المرهف، حبيبها الذى يسكن سُحبا بعيدة. أنلومها أنها تلاقت روحا بروح حبيبها، فصارا روحين شفافين جذابين معذبين؟! ولما ذابت سحابة حبيبها ارتاع قلبها.

عادت إلى بلدها فوجدت أقاربها وقد ضربهم الطمع ولوثهم الجشع. سجنوها قائلين إنها مختلة وانتزعوا ثروتها! الأنثى الجميلة المبدعة صرخت مستغيثة فى الآفاق، أى انقذوني. فلم يتقدم أحد! تلاشى من كانوا حولها قاعدين آملين. انشق قلبها فصار أشلاء دامية.

..................................وهكذا قُتِلت مى زيادة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق