رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سامية محرز حفيدة إبراهيم ناجى: أم كلثوم كانت تقول لجدى: «انت شعرك ما يتغناش يا»

مى الـخولى

  • ناجى وأحمد رامى صاحب فضل على الأطلال
  • «يا جريحا أسلم الجرح حبيبا نكّأَه أيها الجبار هل تُصْرَع من أجل امرأة؟!»
  • لم أكن أتصيد لصالح جودت لكن للأسف الشديد الصدفة هى التى أوقعت بين يدى حقائق تتنافى مع أغلب كتاباته عن ناجى
  • جدى كان مغضوبا عليه لأنه «مش عايز يقعد داخل العِلَب وهو أمامه «علبتان» علبة الشاعر وعلبة الطبيب»
  • علاقات ناجـى العاطفية الكثيرة كانت عوضا عن جفوة بين الشاعر وزوجته ومحاولة لإثبات الذات الذكورية أو كما وصـــفها كامل الشــــناوى «قزقزة لب»




قبل مائتى عام من الآن، كانت منطقة الأزهر والحسين قد اختنقت بالسكان، ورحل أحمد ناجى مع ست عائلات أخرى إلى مدينة الأحلام «شبرا»، وتخطف ابنة الجيران قلب الفتى إبراهيم الذى يكبرها بعامين، وكانت حبيبته مهووسة بالكاتب الفرنسى بورجيه، ما دفع ناجى لتعلم اللغة الفرنسية خلال 3 أشهر، ليلبى رغبتها فى قراءتهم مسرحية التلميذ لبورجيه معا، لكن حبيبته التى خطفت قلبه، يخطفها قنصل مصر فى ليفربول محمود سبع، ويطير بها إلى انجلترا بينما ناجى فى قصر العينى لم يزل تلميذا.

بعد 4 أعوام على جرح ناجى الغائر والذى سيظل يلازمه طيلة حياته، يتزوج من سامية صديقة أختيه التى تتشابه ملامحها وحبيبته الأولى، وللدهشة فإنه يختار اللغة الفرنسية لمراسلتها، فى أثناء سفره، تلك اللغة التى علمتها له حبيبته، ويكتب لها خطابات يومية يفيض فيها عليها من شعور الشاعر وترد زوجته بأن «الحب فى القلب»، وتدهور علاقته بزوجته، ليصبح لدى ناجى علاقات عاطفية كثيرة مثل «قزقزة اللب»، بتعبير كامل الشناوى، حتى أنه عند وفاته، تفاجأ المعزون بأن هناك محزنة أخرى غير محزنة بيت العائلة فى ذات الشارع، لدى امرأة أخرى لينعيه صديقه أحمد رامى قائلا: «كنت ملء الحياة أنسا وبشرا وحنانا ورقة وانسجاما.. شاعرا ترسل المعانى سحرا وطبيبا تخفف الآلاما».

وبعد ردح من الزمن تعود حفيدته سامية محرز أستاذة الأدب العربى بالجامعة الأمريكية، لتنبش فى سيرة ناجى، ولتكشف خبيئته، فإلى نص الحوار:

هل تعتقدين أن نقد العقاد وطه حسين لشعر ناجى كان بسبب مخالفته لمدرستهم الكلاسيكية فحسب؟

على مدار التاريخ كانت هناك معارك بين القديم والجديد، ودائما ما كان المجدد أو المختلف يواجه نقد وتهميش، بسبب الصراع على السلطة داخل الحقل الأدبى.

وكيف استقبل ناجى هذا النقد؟

لقد فُجع جدى، ولم يكن يتوقع هذا النقد، وأرسل لطه حسين رسالة عتاب على موقفه من شعره، وتوقف عن كتابة الشعر، وبعد فترة حاول طه حسين أن يصالحه فكتب أن ناجى إذا كان شاعرا حقيقيا فلابد ألا يؤثر عليه هذا النقد وأن يستمر، لكن فى الحقيقة أن هذا النقد أثر على ناجى واتجه إلى الترجمة والمقال بدلا عن الشعر، فناجى دخل معركة من دون أن ينتبه لها وهذه سذاجة.

ناجى أرخ لحياته من خلال وصف مكتبته ودعا من يريد أن يؤرخه لأن يلقى نظرة على مكتبته لكن عائلته باعتها بعد رحيله، ألم يكن من شىء آخر يسدد ديونه أقل فداحة من بيع تاريخه؟

الكتب لم تذهب للشارع، لكنها ذهبت لرابطة الأدب الحديث والتى كان يرأسها الأخ الأصغر لجدى، وهم كانوا يؤدون مسرحية بيع، فأخو جدتى محمد سامى وكان محاميا اتفق مع أخو جدى محمد ناجى أن تدفع رابطة الأدب 70 جنيها مقابل اقتناء مكتبة ناجى لتستطيع جدتى تسديد بعض ديون جدى فى المحكمة، معتبرين أن الكتب فى بيت ناجى ومكانه إذ أن إبراهيم ناجى هو من أسس هذه الرابطة من الأساس.

لكن بعد حل الرابطة لم يعبأ أحد بمصير هذه المكتبة التى اعتبر ناجى ما يكتبه من هوامش على صفحاتها هو تأريخ لشخصه؟

لم يكن هناك من يقوم بهذه المهمة، فنحن نتحدث عن أرملة و3 بنات، أمى كان عمرها 20 عاما وخالتى 16 سنة ولم تكن أمى أو خالتى تعرف مصير هذه الكتب من الأساس قبل أن أبحث أنا وأجد العقد الموقع بين محمد ناجى ومحمد سامى، لكن غالبا الكتب كانت متاحة لشباب الأدباء الذين يترددون على مقر الرابطة، ومع مرور الزمن وتفكك الرابطة فإما أن الكتب قد تم بيعها أو حصل عليها مترددون على الرابطة، واستفادوا بها.

لماذا ضوحية ناجى بالذات هى من تنازل الجميع لها عن حق النشر لتتنازل هى أيضا عن ذلك الحق وكأن العائلة اتفقت على الصمت؟

ضوحية هى الابنة الأقرب لأبيها، وكانت تكتب الشعر مثله وهى المؤهلة من البنات الثلاث لنشر هذه الأوراق إذ كانت قد بدأت خطاها الأولى فى الجامعة الأمريكية.

فى حوار للسيدة أميرة ناجى مع جريدة الشباب قالت «إن ملهمات والدى كثيرات جدا، لكنه لم يحب سوى أمى منذ تزوجها»، فى حين أن كثيرين كتبوا أن ناجى لم يحب سوى امرأة واحدة لم تكن زوجته.. فكيف ترى الحفيدة الآن كلمات أمها؟

لنتفق أن كلا يكتب التاريخ بهواه، ويقدم وثائق تثبت صحة ما يدعيه، ووالدتى من المؤكد أنها عندما تريد أن تؤرخ لعلاقة والديها ستبرز الجانب الوردى بها، لذلك هى تستدعى جوابات ناجى لزوجته لتكرس لعلاقة الحب بين الزوجين.

فى تقديرك هل كانت خطابات ناجى دون رد من زوجته السيدة سامية هى وحدها ما صنعت الفجوة بينهما؟

المشكلة لم تكن فى أن جدتى لا ترد، ولكن كان هناك مشكلة فى تصور العلاقة الزوجية أصلا ما بين الشخصيتين، هى بنت تقليدية وهو رجل رومانسى، كان يحلم بعلاقة مختلفة، وهذا صعب على جدتى التى لم تكن تستطيع مجاراة كاتب، لكن هذا الجفاء لم يدم على مر العلاقة فأحيانا يكتب القصائد فيها، فى حين أننا نجده ينتقدها فى مفكرته بكلمات قاسية، فيقول: «إنها خرابة ولا تفكر إلا فى مصالحها وأنها تستحق ما لاقته من حظ سيئ ويصفها بالكريهة المتجهمة لأنه قال إن النقود شحيحة اليوم، ويعتبرها لا تحبه ولا تفهمه وأنه رجل لا يجد الحنان فى بيته المظلم الملعون»، ثم بمرور الزمن يتراجع على أوراق نفس المفكرة ويرى أنه ظلمها فيقول: «سامية خدمتنى أجل الخدمات، سهرت على فى مرضى وأخيرا ساعدتنى ماليا فى مصاريف الأولاد، ويبدو أن فى نفسها جمالا كان متواريا عنى أما الآن فأنا أحبها جدا ونادم على إساءاتى إليها».

فى أى وقت شعرت أنه ينبغى أن تبحثى خلف روايات صالح جودت عن ناجى؟

لم أتتبع صالح جودت، بالعكس، جودت كان أحد المصادر المهمة عن جدى والتى اضطررت للتعامل معها ككثرين غيرى، لكن مع تطور المادة التى صارت بين يدى وجدت أشياء تجعلنى أتشكك، مثل رواية المهلمة الأولى التى يؤكد جودت أنه يعرفها بشكل شخصى وأنها عنايات محمود الطوير، فى حين أن الصدفة جعلتنى ألتقى حسين عمر حفيد علية الطوير الملهمة الحقيقية لناجى، ليحكى لى بشكل قاطع كذب رواية جودت ويوصلنى بأميرة ابنة علية التى تكشف لى القصة وتؤكد أن اسم صالح جودت لم يتردد يوما فى بيتهم.

دائما ما يكون لدى العائلة والمقربين مفاتيح السر التى تكشف للجمهور ما يرونه من تضارب، فى اعتقادك ما الذى يدفع صالح جودت لاختلاق كل هذه القصص التى تؤكدين عدم صحتها؟

الله أعلم صالح جودت فعل هذا لماذا، لكن التركيبة كلها غريبة جدا، فمثلا يستهل جودت كتابه عن ناجى بمقدمة لعباس العقاد الذى كان قد هاجم ناجى فى حياته مع طه حسين ويتهمه فيها افتراء بسرقة أبيات من شعره ثم ينتقص من مكانته الأدبية واصفا إياه بشاعر الرقة العاطفية ومصنفا ديوانه الشعرى بديوان الشاعر الظريف ثم يضفى بعض الشكوك على شعر ناجى مؤكدا أن بعض القصائد التى نُسبت إليه هى فى الواقع قصائد لصالح جودت نفسه.

تحكى أميرة أن علاقة إبراهيم ناجى بعلية الطوير والدتها، استمرت حتى بعد زواجهما وإنجابها لأولادها وكان يزورها فى بيت والدها محمود الطوير وأن أخاها الأكبر حسونة يتذكر تلك الزيارات لأنه كان يتواجد معهما فى الغرفة وتقول أن ناجى ليس غريبا فهو قريب ونسيب وجار، فما حكاية هذا النسب؟

بهية سعودى والدة إبراهيم ناجى وحسونة الطوير جد علية، يشتركان فى الجد الأكبر فهما أحفاد الشيخ عبدالله الشرقاوى الذى تولى مشيخة الأزهر عام 1793، وكان قصر أحمد ناجى والد جدى فى شبرا، متاخما لقصر القاضى محمود الطوير جد عليّة، وناجى كان يكبر علية بعامين فقط، وبهذه الملابسات نشأت علاقة المحبة بينهما، فعندما يدخل ناجى بيت علية لا يدخله كعاشق ولهان ولكن باعتبار أنه جار وقريب ثم كشاعر توطدت خطاه.

أليس عملا صعبا كتابة سيرة من خلال مفكرة يومية مقتضبة كچورنال دو ڤى الخاصة بناجى.. فكيف فعلتها وما هى الصعوبات التى واجهتك؟

لا يمكن اعتبارها سيرة، هى شىء مركب، أنا أكتب عن ناجى وعن سامية، عن لحظته وعن لحظتى، هناك رحلة نقطعها معا فأنا الذى كنت أقاوم الشبة بينى وبينه فى النهاية أجدنى أحاول أن أتشبه به، والصعوبة كانت فى أن أحسم أمرى وأحدد إطار الكتابة وأن أتمكن من استخدام الأوراق التى بين يدى وانشىء علاقات ممكنة بينهم.

ناجى كان يحتفظ بعلاقة جيدة مع أحمد ماهر ومع ساسة آخرين وكان وضعه يزداد سوءا فى وظيفته.. فلماذا تخلى عنه الجميع وهل تجدين تفسيرا لهذا التناقض؟

هذا التناقض كان يحدث لأن ناجى كان خارجا على حدود وظيفته، هو طبيب والمؤسسة الطبية تريده أن يبقى طبيبا فقط، وهذا الرجل كان عابرا للتخصصات، يكتب الشعر والقصة والرواية،ويكتب فى مجلة الطب وعلم النفس والطب المنزلى، وهذا نموذج غير مرحب به ويجب قمعه.

ناجى سافر بدعوة من المجلس البريطانى إلى فلسطين فى ديسمبر 1946، وخطب بالإنجليزية فى تل أبيب وأعد للملك حسين قصيدة يلقيها فى حضرته.. ناجى إذن لم يكن له موقف سياسى؟

ما أراه من خلال تدويناته فى المفكرة هو أن الرؤية السياسية لا تغلب على هذه المفكرة، فهو لديه هموم أخرى، هموم شخصية، وهموم نشر، وهموم إنجازات أدبية وثقافية، وأنا لا أعرف جدى لأحكم على مواقفه السياسية لكن ما أراه هو أن هذه الرحلة كانت مهمة جدا له، وأنها كذلك ترسخ من خلال مقابلاته مع شعراء آخرين أو كتابة القصائد لذوى السلطة أن دور الشاعر الكلاسيكى أو شاعر القبيلة مازال موجودا وكنا مازلنا نكتب شعر مناسبات ويتبارى الشعراء بقصائدهم.

جرائم ناجى الصغيرة كما يسميها هو كتعبير عن علاقاته العاطفية الكثيرة أكانت محاولة لإثبات الذات الذكورية أم عوضا عن جفوة بين الشاعر وزوجته؟

هى كل ذلك، ناجى يدون فى مفكرته بتاريخ 1944، «فقدت كثيرا من وزنى، حاولت أن أقلع عن التدخين، أتغاصب على نفسى لأتناول الطعام، مضت عشرة أعوام بالضبط على ذلك السعال ونقصان الوزن، والآن عزفت عن المسائل الجنسية كلها فهى قد خذلتنى»، وكذلك زواجه كان زواجا تقليديا من امرأة لديها تصور أن الحب فى القلب بينما هو يريدها علاقة رومانسية، ومع سطوع نجمه وتعيينه طبيبا لنقابة الفنانين فكان يزوره فنانون كثيرون وأدباء، وتتطور الأشياء بشكل طبيعى.

ناجى كتب الأطلال فى فترة زمنية طويلة ونقح قصيدته مرات عديدة، ثم نقحها رامى بعد وفاته فهل تعتقدين أن ثمة فضلا لرامى فى إنجاح الأطلال بالصورة الأخيرة التى صارت عليها؟

أكيد، لأن القصيدة الأصلية 134 بيت بمعنى أنها غير صالحة للغناء أصلا، وجدى فى حياته كان يتمنى أن تغنى أم كلثوم قصائده، وكانت أم كلثوم تقول له «انت شعرك ما يتغناش يا ناجى»، وهى مُحقة، لذلك فإن تدخل رامى بالحذف من الأطلال وإدخال بعض الأبيات من قصيدة الوداع، هو ما صنع أيقونة الأطلال بهذا النحت الذى نحته فى شعر جدى، ولم يكن ليجرؤ أحد على فعل ذلك غير أحمد رامى بما كان بينه وبين جدى من علاقة.

وبماذا تترافع بورشيا شكسبير عن جدها؟

أقول إنه رجل عبقرى تعرض للظلم، لذلك بعد كل هذا العمر أقف الآن لأدافع عنه رغم ما بيننا من اختلافات.

أُقيم لناجى عزاءان فى نفس الشارع بعد وفاته واحدا للعائلة وآخر فى بيت زازا والتى حكى صالح جودت فى كتابه ناجى حياته وشعره عن حبها لناجى، فلماذا أغفلت العائلة بأكملها قصة زازا وسرادق عزائها الآخر؟

حكت لى أمى أن شخصا جلس بجوارها فى عزاء ناجى وقال لها «فى محزنة تانية زى دى بالظبط منصوبة فى الشارع عند واحدة تانية»، واتضح لى أن ناجى كتب لها قصائد ونصا آخرا يحمل اسمها، كما كان يؤرخ تطورات علاقته مع زازا فى مفكرته، أما مسألة أن العائلة تكتمت، فالعائلة تكتمت على أشياء كثيرة جدا.

الأطلال وحدها هى من أعادت لناجى التقدير الذى يستحقه وهى ما دفعت الجمهور للاهتمام بالسيدة التى شكلت شعور ناجى المسئول عن دفعه لكتابة هذه القصيدة.. فما سر رغبة الحفيدة فى الابتعاد عن الحديث عن ملهمته وعن ناجى شاعر الأطلال؟

لأن كل هذا حدث بعد أن غنت أم كلثوم الأطلال، وادعوا عليه بعد وفاته، وليس فقط الزازاوات أو الملهمات اللاتى كن يعتذرن أحيانا لأمى وخالتى قائلين: «ده كلام جرايد» وكانوا يستثمرون هذه الإدعاءات، وناجى كان كثيرا ما يكتب أشعارا على روشتاته لكثير من الفنانين على سبيل المجاملة، لكنهم استغلوا تلك الموجة.

ما الشىء الذى لم يعجبك فى شخصية ناجى وفى مسيرته؟

ما من شىء لا يعجبنى فيه، لكنه كان نهما فى كل شىء، نهم فى القراءة والمعرفة والعلاقات وهذا النهم أهلكه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق