رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رهاب الأزمنة

محمد الكامل

روت لها جدتها اليوم حين زارت طبيب العيون.. كيف أنها لم تنتظر الطابور ولم تحترم دورها ولم تحترم الممرضة.. واكتفت بأن رددت على مسامع الجميع:

مضى هذا العام سريعا.. ومضى معه الأحبة..

ثم مسحت بيديها المرتعشتين ما نزل من عينيها من دمع حارق:

الطبيب حذرنى ألا أبكى مجددا أبدا.. فقد تصاب العين بالعمى..

هو يعرف أنى لا أستطيع أن أمسك نفسى عن البكاء.. أنا أيضا أعرف أنه لن يتمالك نفسه.. فتلك الدمعة الصغيرة التى سكنت أقصى عينه اليمنى ظنا منه ألا أحد يمكنه أن يراها كشفها انعكاس الضوء على بريقها.

الجدة بعد أن وضعت قطرات دواء فى عينيها استطردت:

للأمانة.. كل من كان فى الطابور وحتى الممرضة.. لم يبدو عليهم الامتعاض حتى أنهم لم يتفوهوا بكلمة.. هم أيضا رأيت بريق دموعهم.

ثم تظاهرت كأن نشوة من السعادة تغمر جسدها لكنها عبثا فعلت.. فالسحب الرمادية اجتاحت أفقها وأبت الرحيل.

انتظرت الجدة طويلا قبل أن تقول لحفيدتها بصوت مشحون بالآهات وهى تضع طاقم أسنانها فى كوبها المفضل لديها.. المصنوع من فخار جبلى والملون بالقطران:

يا صغيرتى.. إذا رأيت أحدنا من أهل هذا البيت العتيق لا ينام ليلته.. ويهرول فى كل مكان فيه كأنه يخرج من الأجداث.. فأسرعى إلى التوارى عن الأنظار، وحاولى بكل ما لديك ألا تنظرى خلفك أبدا.. فتلك الليلة لن تكون كسائر الليالى.. ستكون ليلة داكنة.. غريبة المعالم.. فحدسى يخبرنى أن لا أحد يمكنه أن ينام.. يمكنه أن يحلم.. لا أحد سيدرك شمس الغد.

«حدس العجوز لا يخيب أبدا»

هذا ما تسمعه الطفلة الصغيرة دوما من والديها..أخوالها وخالاتها.. من أعمامها وعماتها.. حتى من الجيران.. وجيران الجيران.. عن حدس جدتها..

الطفلة المسكينة لم تفهم ما رمت إليه جدتها ولم يخطر فى بالها أن تسألها عن معنى كلمة «الأجداث»..اكتفت أن هزت رأسها فى شيء من الدهشة كأنها توافقها، ثم انشغلت عنها بصراع الدمى فيما بينها فى سبيل من يخلد إلى النوم معها أولا.

مضى يوم.. يومان ثم أسبوع ثم شهر.

بعد الشهر الأول من حديث جدتها وفى ليلة داكنة غريبة المعالم.. لا ريح فيها ولا نجوم ولا شهب ولا قمر فى السماء.

ليلة لم ينبح فيها كلب البيت العتيق لأول مرة منذ ولادته.

انتبهت الطفلة الصغيرة بعد أن أنهت قراءة قصتها المفضلة.. ليلى ذات الرداء الأحمر والذئب.. أن أخاها الأصغر منها لم يعد من قضاء حاجته إلى فراشه فاستوحشت الغرفة من دونه فنهضت من سريرها لتتبين أمره.

وأول ما فتحت باب الغرفة.. أعادت إغلاقه بحذر شديد دون أن تحدث صوتا ثم أسرعت إلى أسفل سريرها يتملكها الذعر الرهيب.

صدق حدس جدتها.

تذكرت أن جدتها قالت لها ألا تنظر خلفها لكنها لم تقدر.. فكرت فى اضطراب.. هل تعاود النظر أم لا؟!.. لكنها لم تقدر أيضا أن تتمالك نفسها عن الفضول فاقتربت من ثقب الباب شيئا فشيئا.. إلى أن صعقت من هول ما رأت.

كل من فى البيت لم ينم.

كل من فى البيت لم يحلم.

كل من فى البيت يهرول فى زواياه.. كأنه يخرج من الأجداث.

حتى الكلب.. لم ينم.. إنه معهم يهرول مثلما يهرولون.

الطفلة الصغيرة كتبت على غلاف قصتها المفضلة.. ليلى ذات الرداء الأحمر والذئب بخط مرتعش:

الذئب لم يمت.. الذئب لم يمت.

ثم نامت هى فى أحضان الدمى.. مرسلة دمعة صغيرة سكنت أقصى عينها اليمنى.. كشفها انعكاس الضوء على بريقها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق