رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطائر الطنان وسيدة نوبل التي لا تنحني

صخر صدقى

كانت تحب الاستماع إلى الحكايات، وكانت فى غالبيتها تتمحور حول البيئة الإفريقية بطبيعتها وحيواناتها. من الحكايات التى تأثرت بها الدكتورة الكينية وانجارى ماثاى أول امرأة من شرق افريقيا تحصل على الدكتوراه، وأول امرأة إفريقية تحصل على جائزة نوبل للسلام عام 2004 كانت حكاية عن قرية ظلت الشمس تسلط أشعتها الحامية على أرضها حتى تبخر كل ما عليها من ماء، وهو الشىء الذى أفزع أهل القرية وجعلهم يسارعون للاجتماع تحت ظل شجرة الباوباب الضخمة المعمرة بغرض التشاور والبحث عن مخرج لهذه الأزمة الطارئة، اتفقوا على أن يكون الحل هو الابتهال وترديد الأدعية بصورة جماعية، وكانت النتيجة مذهلة، أمطرت السماء واخضرت الأرض.

..........................

أما الحكاية التى تركت تأثيرا عميقا فى وجدانها، والتى ظلت تستشهد بها وترويها فى مناسبات عديدة، كانت عن الطائر الطنان hummingbird وهو طائر صغير الحجم اشتق اسمه من الطنين الناتج عن السرعة الهائلة التى يخفق بها أجنحته «نحو 80 خفقة» فى الثانية، تساعده هذه الضربات السريعة لأجنحته على البقاء معلقا فى الهواء أثناء تغذيته على رحيق الأزهار، وتساعده أيضا على الطيران إلى الخلف وهى حالة استثنائية ونادرة للطيور. الذى رأى حريقا اندلع فجأة فى الغابة، ولكى يطفئه فكر أن يملأ منقاره بالماء، يحلق فوق النيران بأجنحته الصغيرة سريعة الخفقان، يسكب الماء عليها، وعندما يفرغ منقاره من الماء يعاود الكرة من جديد، مرات، ومرات.

ما يفعله هذا الطائر الصغير الذى لا تكف أجنحته عن الخفقان كان مثار دهشة للحيوانات التى كانت تتابغ بقلق ما يجرى، خاصة الفيل الذى كان بإمكانه استخدام خرطومه ولم يفعل، ظلوا يسخرون من الطنان قالوا له باستعلاء «ما تفعله لا جدوى منه، ولن يكون مؤثرا»، فما كان منه إلا أن رد عليهم قائلا: «إننى أفعل ما ينبغى على أن أقوم به، فى حدود طاقتى»، واستمر يؤدى مهمته بلا كلل حتى تملك الحيوانات شعور بالخجل جعلهم يشاركون فى عملية الإطفاء. وهذا بالضبط ما ظلت تؤمن به سيدة نوبل «أعمل ما يمكننى القيام بعمله ولن أقف أبدا ساكنة». ولكى نتقرب أكثر من هذه السيدة الفريدة من نوعها لا بديل عن قراءة سيرتها الذاتية فى كتاب اختارت له عنوانا تقول عنه بأنها تعتز به كلقب «اللامنحنية»-«Unbowed»، كما تعتز بلقب آخر يطلقونه عليها المرأة التى لا تخاف Fearless فهى المرأة المثابرة العنيدة التى لا تخاف، ولا تنحنى، تذكر ذلك صراحة فى معرض حديثها عن المشاكل التى تواجهها «إذا ما واجهتنى مشكلة، لا أعدم وسيلة للوصول إلى الحل مهما كلفنى ذلك من صبر واجتهاد وإصرار، أفعل ذلك بدون أن أسمح للخوف أن يتمكن منى، لأن الخوف من الحل سوف يعيقه».

الكتاب الصادر عام 2006 هو بالتأكيد استعراض بشىء من الإسهاب لسلسلة من التفوق والإنجازات لامرأة إفريقية من قبيلة الكيكويو الكينية شقت طريقها وسط التحديات والعوائق الاجتماعية التى تحاول أن تسد عليها الطريق أو على الأقل تشل حركتها، ألقت الكثير من الضوء وربما بشيء من الإلحاح على الممارسات التى تحكمها التقاليد المتوارثة والنظرة الدونية للمرأة فى بيئة معادية لتقدمها، فى مجتمع ذكورى لا يحتمل أن تكون للفتاة الصوت الأعلى، أو أن يتمتعن بالذكاء والطموح أو أن يقمن بأعمال تنافسهم لاعتقادهم بأنهم الأكثر تأهيلا للقيام بها، وكانت دائمة الخلاف مع زوجها حول حقوق المرأة ودورها الرئيسى فى المجتمع، وعندما اشتد بينهما الخلاف انفصلت عنه. لم تتخل عن نشاطها فى الدفاع عن حقوق المرأة حتى إنها ترأست المجلس القومى للمرأة فى بلدها.


د. وانجارى ماثاي


والكتاب بجانب كونه قصة كفاح ومثابرة عنيدة لفتاة إفريقية ريفية من قبيلة الكيكويو شقت طريقها حتى حصلت على جائزة نوبل، لم يغفل الإشارة إلى القفزات الناجحة التى حققها وطنها كينيا متخطيا حواجز تعدد القبائل، ومعوقات الاحتلال البريطانى حتى الاستقلال، وما بعده. ورغم أنها ليست متمرسة فى الكتابة الأدبية حيث يبدو الأسلوب جافا تقريريا فى تلك المواضع التى تذكر فيها المؤتمرات والمقابلات مع الساسة والمسئولين، إلا أنه مشوق بسرد سلس ممتع فى مواضع كثيرة، خاصة فى النصف الأول من الكتاب الذى تحكى فيه عن طفولتها وعن الحظ الذى كان حليفها وهى وسط أفراد عائلة متحابة من قبيلة الكيكويو، حياة ناعمة منسجمة ساهمت بشكل كبير فى تمهيد طريق التفوق فى دراستها وحصولها على منحة دراسية خارج البلاد.

تحدثت بشجن وعذوبة عن تلك الأيام الجميلة فى القرية، وكيف كانت شغوفة بالأشجار وبالحيوانات، كانت تلعب مع الضفادع تحت شجرة الجميز.

فى النصف الأول من الكتاب الذى تتحدث فيه عن طفولتها إبان الحقبة الاستعمارية وصفت كيف كانت عليه الأرض فى قريتها من اخضرار قبل أن تغادرها وتسافر للدراسة فى الخارج، لتعود بعد عدة سنوات فى الغربة لتجد الأرض على غير ما تركتها عليه، اختفت الأشجار، ومات الزرع وجفت الأرض، وكان هذا دافعا قويا لتطلق مبادرتها التى كان لها صدى عالميا واسعا حركة الحزام الأخضر The green belt movemen عام 1977. من خلال حملتها، أخذت تحفز القرويين على زراعة الأشجار ومقاومة القطع الجائر لها، كما حثتهم على العمل على حماية المساحات الخضراء ووقف التعدى عليها ليرتبط اسمها بزراعة الأشجار، كانت كلما جاء إليها أحدا يشكو فقره تمده بالبذور، وتطلب منه أن يزرع شجرة من أجل أن يحل مشكلته «كل فرد منا يحتاج إلى خمسة عشر شجرة فى العام الواحد لكى تمده بما يحتاجه من أكسجين»، وفى مناسبة أخرى تقول «ليس من الحكمة أن تعلق المرأة الإفريقية حياتها على شجرة واحدة تقطع أخشابها كوقود من أجل وجبة غذاء واحدة». كانت تربط عن وعى أو عن عفوية زراعة الأشجار بالسلام، حتى إن الشجرة فى عرفها صارت رمزا للسلام وحب الحياة، كما أنها أحد وسائل فض المنازعات، يقوم العجائز بوضع أجزاء من شجرة معينة بين طرفى النزاع ليحل بينهما السلام، واتخذت أيضا من الأشجار سلاحا لمحاربة الفساد، والحفاظ على الأراضى العامة من التعدى عليها.

تصف شعورها بعد رجوعها من دراستها فى الولايات المتحدة إلى بلدها نيروبى التى حصلت على استقلالها عام 1963 «وصلت إلى نيروبى فى يناير 1966»، وبينما كنت فى العربة التى تقلنى من المطار إلى البيت سمعت إحدى خطب جومو كينياتا الرعدية وكما لو أننى كنت على موعد مع القدر، كان ما ينادى به الرئيس فى خطابه هو نفسه ما جئت إلى بلدى من أجل تحقيقه، كان فى خطبته يستنهض المواطنين ويحثهم على العمل بجد فى أراضيهم، ويطلب من كل من تخلى عن أرضه أو تركها لسبب أو لآخر، أن يرجع إليها، يستصلحها ويزرعها بالمحاصيل القومية «الشاى والبن والكاكاو» شعرت بأننى على وشك أن أصيح بأعلى صوتى ليصله صوتى، لقد رجعت يا سيادة الرئيس للمساهمة فى بناء بلدى، وأنا أشعر بالفخار لكونى كينية تحكى بعد ذلك عن مكانتها العلمية فى جامعة نيروبى التى ترأست قسم البيولوجى بها. خاضت معارك عنيفة من أجل التشجير فى الأراضى العامة، وكانت تعارض إقامة مبان عليها، فى محاولاتها الدائبة لتطبيق وتطوير مشروعها الحزام الأخضر نجحت فى زراعة ملايين الأشجار «حوالى أربعين مليون شجرة»، فى عام 2003 تم تعيينها مساعدة لوزير البيئة والموارد الطبيعية واستمرت تشغل هذا المنصب حتى بعد حصولها على جائزة نوبل.

وكان السؤال الذى أثاره منتقديها كيف وهى تعمل فى البيئة تنال جائزة من المفترض أن تكون مرتبطة بالعمل من أجل حقوق الإنسان ومن أجل السلام؟ ولكن من خلال سطور الكتاب يخرج القارئ بيقين لا يقبل الشك باستحقاقها لجائزة نوبل للسلام عن جدارة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق