رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تجار «البالة».. فى قفص الاتهام

تحقيق ــ ريم رأفت - ريهام رجب
تجار البالة

  • الباعة الجائلون : نحن محاصرون بين مطاردات «البلدية» وإيصالات الأمانة للتجار
  • رئيس الشعبة : الصناعة المحلية أصبحت أقوى منافس للمستورد بعد تشديد الإجراءات الجمركية
  • رئيس حى بولاق أبو العلا : الإقبال الكبير يجعل السيطرة على البائعين صعبة .. وندرس فتح محلات «الترجمان» لهم
  • أطباء: ارتداؤها دون تطهير وتعقيم يهدد بإصابة مستخدميها  بأمراض جلدية وصدرية خطيرة
  • خبراء : عدم توفير أسواق يضيع على الدولة مليارات الجنيهات  ولابد من التصدى للمخالفين

 

 

رغم انتشار سوق الملابس المستعملة والتى يطلق عليها «البالة « وتزايد الإقبال عليها ليس فقط من أوساط غير القادرين والبسطاء، ولكن أيضا من أبناء الطبقة المتوسطة الساعية لشراء الـ»براندات» العالمية بأسعار زهيدة، ومع ذلك هناك أصوات تنادى بمنع استيراد ملابس «البالة» المستعملة محذرين من أنها تؤثر على صحة من يستعملها، ويرى آخرون أن فتح المجال لاستيرادها يؤثر على الصناعة المحلية ، لكن على الجانب الآخر يرى كثيرون أنها مصدر رزق للكثيرين، «تحقيقات الأهرام» التقت مع عدد من الباعة الجائلين والمسئولين بالغرفة التجارية والأطباء .

 

بدأ مصطفى شعبان أحد بائعى البالة فى منطقة وكالة البلح كلامه قائلا « البلدية تطاردنا» ونحن لم نرتكب أى جرم وكل ما نريده هو كسب قوت يومنا بالحلال، وقال «احنا بتوع الغلابة» فمثلا عروسة تشتهى أن ترتدى فستانا مستورداً ثمنه وهو جديد بالمحلات يفوق قدرتها على الشراء، فتأتى إلينا لتشتريه بثمن زهيد، كذلك الشباب من طلاب الجامعات يشترون المستورد المستعمل لأنه يتميز بجودته ومواكبته للموضة لتخفيف العبء عن أسرهم وحتى يحافظوا على مظهرهم أمام أقرانهم.

وتقول أمل محمدن إحدى بائعات سوق وكالة البلح: أنا أرملة وأربى أيتاما ولا أجيد غير بيع الملابس المستعملة، فنحن نقف فى السوق هنا قبل شروق الشمس صيفاً وشتاءً متحملين لهيب الحر وبرد الشتاء من أجل «أكل عيشنا».

وعن التخوف من تسبب الملابس المستعملة فى الإصابة بالأمراض الجلدية تقول أمل: حتى الملابس الجديدة أيضا قد تتسبب فى ذلك لذا يجب غسلها جيدا قبل الاستخدام، لأنه من المحتمل أن تكون الملابس قد قام بقياسها شخص قبلك، أو أن من وضعه على «المانيكان» مصاب بمرض معد، بالإضافة إلى تعرض الملابس الجديدة أيضاً للأتربة وعوادم السيارات، ولهذا يجب غسل الملابس عقب شرائها سواء كانت جديدة أم مستعملة.


منع استيراد الملابس المستعملة فائدة للصناعة المحلية والصحة العامة

وتطالب المسئولين بأن يوفروا لهم أماكن بيع حيوية حتى يستطيعوا بيع بضاعتهم، لافتة إلى أنه قد تم نقلهم من قبل الى أماكن «شبه مهجورة» ليس عليها أى إقبال حسب تعبيرها، فلا نستطيع بيع بضاعتنا ونتعرض للخسارة بالإضافة إلى مطالبتنا بالإيجار والذى يمثل عبئا علينا ولذلك عدنا للشارع مرة أخرى.

 

مضطر ولست سعيدا

«البالة فاتحة بيوت كتير، وساترة بيوت أكتر، سعرها قليل ولبس مستورد محترم وشيك بيشرف اللى لابسه» .. هكذا وصف محمد مصطفى ــ ليسانس حقوق ــ وأحد «السريحة» العاملين فى تجارة البالة، وقال: بالطبع أتمنى أن أقف بمحل نظيف وأن يكون لدى ملف ضريبى بدلا من أن يطلق على «سريح» وأكون مطاردا ، لكن الظروف حكمت بعكس ذلك وبالتأكيد فأنا لست سعيدا بذلك، لأننى إنسان متعلم وحاصل على ليسانس حقوق ولكنى فضلت أن لا أقف مكتوف الأيدى منتظرا وظيفة فوضعت نفسى بين مطرقة البلدية وسندان التجار، والذين أضطر أن أوقع لهم على إيصالات أمانة للحصول على البضاعة، وأحيانا تلاحقنى «البلدية» وتصادر بضاعتى لأجد نفسى مهددا من التجار فإما دفع ثمن البضاعة أو الحبس، وأضطر إلى أخذ بضاعة وأوقع على نفسى إيصالات مرة أخرى حتى أبيعها وأستطيع سداد ثمن البضاعة القديمة التى صودرت منى.

ويقول اللواء فرج عبد الله هويدى رئيس حى بولاق أبو العلا إن الباعة الجائلين متواجدون بأحياء كثيرة فى القاهرة مثل حى الموسكى والأزبكية والوايلى وبولاق أبوالعلا، ويوضح أن الفوضى فى بيع الملابس المستعملة أساسها الاستيراد من الخارج لأنه يفتح الباب لمثل هؤلاء التجار بأن يقوموا ببيعها والتى تؤثر سلبيا على المنتج المصرى بسبب انخفاض أسعارها، مما يزيد الاقبال عليها ويجعل السيطرة على بائعيها صعبة.

ويرجع هويدى سبب الفوضى إلى انتشار«السريحة» كما يطلق عليهم، والذين يفترشون الأرصفة بـ «استاندات الملابس» التى يستأجرونها من أصحاب المحلات بعد توقيعهم شيكات وإيصالات أمانة لحين بيعها وتسديد ثمنها للتاجر، ولمواجهة تلك الفوضى التى يسببها هؤلاء «السريحة» فإن الحى يناقش إعادة فتح المحلات بالترجمان بعد تغيير إدارتها، مؤكدا ضرورة تضافر جهود المباحث والمرافق لأن الحى لا يمكنه القضاء على الفوضى والعشوائية التى يحدثها هؤلاء السريحة بمفرده، وأوضح أن تجارة الملابس المستعملة «البالة» كانت محافظة بورسعيد نقطة انطلاقها ثم انتقلت للقاهرة ولا توجد فى محافظات أخرى، وطالب بوقف استيراد هذا النوع من الملابس محذرا من أنه يقضى على الصناعة المحلية.

 

تباع بالكيلو

ويوضح عمرو حسن، رئيس شعبة الملابس الجاهزة بالغرفة التجارية أن هناك فرقا بين البالة والمستورد، فالبالة هى المستعمل من الملابس وتباع بالكيلو للتجار، أما المستورد هو «الأوت لت» أى ملابس الموسم الماضى سواء مستوردة أو محلية، أما المستورد منها فيدخل بشكل شرعى ورسمى من دول أوروبية على رأسها إيطاليا وألمانيا وأسبانيا ، أما تركيا فنستورد منها الموديلات القديمة لأنها تسبقنا بسنة فى الموضة ، ويتم بيعها هنا فى مصر على أنها أحدث صيحات الموضة.

يضيف أن الصناعة المحلية أصبحت منافسا قويا للمستورد بعد تشديد الإجراءات الجمركية، ويؤكد تغير وضع الصناعة المحلية للأفضل بعد ارتفاع سعر الدولار، نظرا لتراجع الاستيراد مما وجه الأنظار للصناعة المحلية، والتى قد يرتفع سعرها أحيانا عن المنافس المستورد لتصنيعها من القطن المصرى المعروف بارتفاع سعره حيث أنه من أجود الخامات المستخدمة فى صناعة الملابس، فالصين مثلا تقوم بتصنيع منتجاتها من الملابس باستخدام خامات معالجة كيميائيا لتشبه القطن، ويقوم الكثير بالاستيراد من الصين لانخفاض أسعارها، ولكن اجتياح كورونا للعالم كان سببا فى تراجع حركة الصادرات، وكانت سبباً فى ركود سوق الملابس الجاهزة والتى أصبحت سلعة غير أساسية واصفاً إياها بسلعة «شبه ترفيهية».


تجار البالة

كما تأثر السوق بكورونا وتوقف الشحن مما تسبب فى ارتفاع سعر حاوية الملابس الجاهزة من ٤ آلاف دولار قبل الجائحة ليصل إلى ١٨ ألف دولار، الأمر الذى ساهم فى زيادة اهتمام الدولة بفتح مصانع غزل ونسيج لتلبية احتياجات السوق المحلى ، كما زاد اهتمام الدولة بتصنيع المنتج المحلى ليكون بديلاً عن المستورد، بعد أن أصبحت صناعة الملابس بمصر تتسم بذوق رفيع ينافس المستورد، وأضاف أننا نستورد من تركيا القماش والإكسسوارات وما يلزم التصنيع ثم يتم التجميع فى المنطقة الحرة بمدينة نصر، وفى النهاية يباع المنتج على أنه مستورد.

 

تبرعات للجمعيات الخيرية

ويوضح محمد عبد السلام رئيس غرفة صناعة الملابس باتحاد الصناعات أن السلطات المصرية تحظر استيراد الملابس المستعملة بشكل قطعى، مؤكدا أن هذه الملابس تدخل مصر باعتبارها تبرعات للجمعيات الخيرية، بعد قيام تجار الملابس المستعملة بالاتفاق مع بعض القائمين على الجمعيات الخيرية ممن باعوا ضمائرهم بإدخال هذه الملابس كنوع من أنواع التبرع، بعد قيام التجار بدفع مبالغ مالية مقابل جلبها من الخارج، وعند وصول الشحنة يقومون باستلامها من الجمعيات مقابل مبلغ مالى متفق عليه مسبقا، مما يؤثر سلبيا على الصناعة المحلية، وذلك لانخفاض أسعارها بشكل كبير عن المنتج المحلى.

يضيف الدكتور حمدى عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية بكلية الادارة بالجامعة الدولية للعلوم والتكنولوجيا وخبير استشارى البلديات الدولية أن ملف الباعة الجائلين يعد اقتصاداً موازياً للدولة ويساعد على حركة التجارة الداخلية ولكنه يحتاج إلى تنظيم ، حيث يبلغ متوسط مبيعاتهم 350 جنيها للفرد يومياً، بمعدل 1,5 مليار جنيه شهريا، ويبلغ عددهم 5 ملايين بائع جائل متنقلين وموجودين فى الأسواق العشوائية فى 27 محافظة.

ويؤكد أن تراخى بعض مسئولى المراكز والمدن والأحياء فى التعاون مع المسئولين التنفيذيين فى شتى المحافظات وعدم تفعيل قانون الباعة الجائلين رقم 105 لعام 2012 والسارى حاليا الذى يقضى بعدم بيع أى سلعة إلا بعد الحصول على رخصة من الحى المختص وأن من يخالف ذلك يطبق عليه غرامة٥٠٠ جنيه وحبس شهر فى أول مرة و٥٠٠٠ جنيه وحبس ٦ أشهر فى المرة الثانية، وهذه الظاهرة تسبب أزمة فى ربوع البلاد من حيث تشويه المنظر الحضارى وسرقة التيارات الكهربائية، فضلا عن التكدس المرورى وإعاقة المارة فى مختلف الميادين والشوارع.

ويلفت إلى أن انتشار الباعة الجائلين فى تلك المناطق مخالف للقانون حيث أن ٩٦٪ منهم لا يحملون تراخيص ويحتلون الأرصفة والطرقات، والحل يكمن فى تطبيق قانون الباعة الجائلين، ويضيف: «لابد من الإشادة بالدور الإيجابى الملموس للمحافظين الذين يتعاونون مع الشرطة لفض العديد من الأسواق العشوائية المخالفة للقانون فى المحافظات حفاظا على سلامة وصحة المواطنين من فيروس كورونا المستجد «.


تجار البالة

ويوضح أن إجمالى عدد الأسواق العشوائية يتخطى ٣٤٢٥ سوقاً عشوائيا تم إهمالها عبر العقود الماضية، ويمكن أن يقوم مجلس إدارة صندوق العشوائيات بالتعاون مع المحافظين بوضع عدد من البرامج والمشروعات لتنفيذ خطة تطوير الأسواق العشوائية لشمول أوسع وأسرع منها تطوير الموقع وجمع المخلفات وتحسين المنتجات وإنشاء نقابة أو رابطة للباعة بالأسواق ، وفى تقديرى أن عدم توفير أسواق للباعة الجائلين يضيع على الدولة سنويا دخلا بقيمة ٤٢ مليار جنيه.

ويطالب عرفة جميع المحافظين بتوفير أماكن للباعة الجائلين من خلال إصدار تعليماتهم إلى رؤساء الأحياء وبدون تأخير لتوفير أماكن مخصصة لمزاولة أعمالهم وبالفعل حدد بعض المحافظين أماكن عديدة متوفرة تملكها الدولة ولكن نحتاج الجدية والالتزام من التنفيذيين.

 

ظاهرة عالمية

يوضح دكتور محمد لطفى الساعى، أستاذ الأمراض الجلدية وعضو لجنة الصحة بمجلس الشيوخ أن ظاهرة بيع الملابس المستعملة هى ظاهرة عالمية بدأت تنتشر بشكل لافت للنظر وخصوصا فى الدول النامية، وعليها إقبال كبير من مختلف شرائح المجتمع وخصوصا أصحاب الدخل المحدود أو الفقراء، ولكن المشكلة الحقيقية التى قد تحدث فى غياب الوعى الصحى واستخدام الملابس المستعملة التى تعرضت للتلوث أو لم يتم غسلها قبل الارتداء، مما يعرض مستخدميها للإصابة بأمراض جلدية مثل الجرب والتينيا والحساسية وغيرها والتى قد تنتقل إلى الشخص السليم عبر العدوى.

ويحذر من أن الملابس المستعملة تتعرض لظروف نقل وتخزين سيئة بتعبئتها فى «أجولة» مما يجعلها غير معرضة للتهوية فتصبح بيئة خصبة لتكاثر البكتيريا والجراثيم، لنجد فى نهاية الأمر أن بعض المشترين يقومون بارتداء هذه الملابس دون إدراك منهم بخطورة ذلك، ولا سيما أنهم لم يقوموا بغسلها وتعريضها للشمس، الأمر الذى قد يصيب مستخدميها بعد ذلك بحكة جلدية فى كل أنحاء الجسد.

ويؤكد لطفى أنه يمكن استخدام الملابس المستعملة مرة أخرى ولكن بشرط التأكد من تعقيمها وتطهيرها من الطفيليات التى تسبب الجرب وانتقال حشرات القمل والعثة، أو البق ومن ثم الإصابة بأمراض جلدية متعددة، وأكد ضرورة تنظيفها عن طريق وضعها بماء مغلى ثم كيها بالبخار، لأن درجة الحرارة المرتفعة تساهم فى القضاء على البكتيريا والفيروسات التى قد تصيب الجسم بالإضافة الى تعريضها لأشعة الشمس قبل ارتدائها حتى تكون تحت درجة حرارة مرتفعة، وذلك للقضاء على أكبر نسبة من الميكروبات.ويشدد على ضرورة الاهتمام بنشر الوعى حول كيفية استخدام أو شراء هذه النوعية من الملابس والمتعلقات الشخصية المستعملة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق