رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ليلة الكورونـا

أسامة ريان

سمعتنى أهمهم منفعلاً «عندى طريقة تانية أسهل»، حولى تفاصيل ذلك الكشك الخشبى القديم خلف مبنى الكلية، وصوت الأستاذة الشابة لايصلنى، لكن ملامحها تدل على أنها تزعق فىّ حتى لا أقاطعها. يداها معفرتان من أثر جير الطباشير القديم تصفقهما من حين لآخر وقد ملأت السبورة السوداء بسطور المعادلات. تنظر إلينا بشراسة لا تتناسب مع جمالها ودقة تكوينها، عدساتها الضخمة تحيط عينيها المكحولتين، تشعان ذكاء خاطفا ومطوحة شعرها الأسود لخلف رأسها. كنت مقتنعا أن شراستها ترجع إلى أن كلنا ذكور فى هذا «السيكشن» النائى بأخشابه ومقاعده القديمة، وهى تكبرنا بعامين أو ثلاثة، وبيننا زملاء من ذوى العيون الوقحة، لكن ذكاءها كان طاغيا مقنعا فى تناولها للمسائل الصعبة، يمتدحها الأستاذ دكتور الرياضيات فى زياراته لنا فى أثناء حصتها، مبديا إعجابه بها.

أفقت, فتحت عينى، لاأعرف لم داهمنى هذا الحلم العجيب الليلة، اعتدلت جالسا، أضأت الغرفة، تقول الساعة إنه مازال يوجد متسع من الوقت حتى تدق الثامنة، حيث سيصطحبنى ابنى لجرعة تطعيم الكورونا الأولى. لن تجدى محاولات العودة إلى النوم، جلستُ إلى التليفزيون أضحك مع اسماعيل يس، لكن رأسى تستعيد هذا الحلم العجيب وأتساءل لماذا هذا المشهد بالذات من حياتى الصاخبة؟ هل توجد رسالة ما؟ تدور اسطوانة صور ومعها أحداث واصوات، فى كل حصة تسألنا الأستاذة عن صاحب هذا الاسم الغريب فى نهاية قائمة أسمائنا، وكلها بحرف الألف، إلا هذا الأخير باء.. بيرت، وكنا نراه غريبا.أضاءت فجأة شاشة الهاتف، طار بى الوقت فى الكشك الخشبى هناك بكراكيبه، يبلغنى إبنى أنه فى انتظارى أمام البيت.

جلستُ فى المقعد الذى خلا فجأة، تركنى إبنى أتأمل زملائى فى حملة التطعيم متراصين على المقاعد المحيطة بالمبنى، يقف على بابه موظفان فى زيهما الأزرق الباهت، أحدهما ممسك بالورقة المهترئة التى دونت إسمى فيها فى السطر الأخير. أوشكت شمس الضحى على التوحش منذرة بظهيرة جحيمية، اسندتُ رأسى التى تثاقلت فجأة على الجدار خلفى. كان صباحا باردا غائما، نجلس فى الكشك وننتقى المقاعد الصالحة بلا مسامير، فإذا بفتاة نحيفة فى جينز ضيق ومعطف قصير تطل من تحته «تى شيرت» عليها حروف لاتينية واضحة بمقولة هاملت الشائعة تقف بالباب، لم تكن موضة الكتابة على الملابس قد شاعت بعد،ازاحت نظارتها الغامقة قليلا لتسأل على رقم السيكشن، تبادلنا النظرات قطعت صمتنا بصوت رقيق «أنا بيرت».

تركتنا لدهشتنا ووقفتْ بالخارج قليلا حتى وصلت الأستاذة، تبادلتا حديث مقتضب حول اعتذارها عن الغياب لظروف استقرار الأسرة بأمريكا، بدا من نظرات الأستاذة أن ملابس الفتاة ثمينة، خاصة عندما جلست فى أقرب مقعد للأستاذة بعد أن وضعت حقيبتها الغريبة على المنضدة. نادرا ما كانت تتحدث معنا، وتوالى حضورها وغيابها، وكان معتادا أيامها غموض بعض الطلاب، وأتذكر ارتباكها فى الامتحان، واهتمام الأساتذة الكبار بالحضور للاطمئنان عليها. أفقت فجأة، أتلفت حولى، زملاء التطعيم لايزالون على حالهم، انتابتنى تلك الحالة التى تطاردنى مؤخرا منذ تقاعدتُ، أسأل نفسى «ترى هل كتبتُ إسمى بشكل واضح فى نهاية تلك الورقة المهترئة؟».

الهاجس نفسه أتى معى إلى هنا، فعندما أخرج من المنزل يظل يوسوس لى بأنى لم أغلق الباب، فأعود وأجده مغلقا، فأضحك من نفسى. ومراراً حاولت ألا أستجيب له، إلا أنه كان يغلبنى، فماذا لو لم أطفئ البوتاجاز مثلا؟حزمتُ أمرى وهببتُ واقفا، وضعتُ حقيبتى الصغيرة على المقعد، واتجهتُ إلى الموظف الممسك بالورقة، نظر إلى مستغربا طلبى، وأشار لى على اسمى فى أسفل الورقة، شكرته واستدرتُ عائدا.

تجلس وحقيبتى فى حجرها، على عينيها عدسات غامقة ضخمة، وشعرها أشهب ناعم معقوص بفيونكة سوداء للخلف، تتبادل الحديث مع فتاة نحيفة تميل عليها، شعرها أسود ناعم بفيونكة حمراء ذيل حصان، لا أتبين ملامحها لأنى خلفها، لكن بدا لى أن السيدة الجالسة تومئ للفتاة بأنى صاحب الحقيبة قادم، هممت برفع يدى لأطمئنها بأنى سأجد مكان أخر، استدارت الفتاة لتسلمنى الحقيبة، صحت لاشعوريا «بيرت!!» تجمدت الفتاة فى مكانها دهِشة، بابتسامة خفيفة تشير بيدها هامسة «لا مش أنا.. دى ماما».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق