رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قلـــق لا ينتـهى

أحمد البرى;

ليست لدىّ مشكلة مع أحد، ولكنى أعانى الأمرين «من نفسى»، فأنا سيدة فى الثانية والخمسين من عمرى حاصلة على مؤهل فوق المتوسط، وقد نشأت فى أسرة بسيطة، وترتيبى الصغرى بعد أخوتى الخمسة، ونشأنا لأب يعمل بيده، وأم ربة منزل تكافح لكى تعلمنا، وهى تجهز جميع متطلباتنا من مصروف بسيط كان أبى يعطيه لها، وتعرفت على زوجى، وأنا عمرى خمسة عشر عاما، وتقدم لخطبتى بعد انتهائى من التعليم، وبعد ذلك عملت فى مدرسة لرياض الأطفال، والتحق زوجى بمصلحة حكومية تابعة للشباب والرياضة، وتزوجنا، وكان عمرى وقتها واحدا وعشرين عاما، ورزقنى الله بخمسة أبناء مات اثنان منهم عند الولادة، وأكرمنى الله بثلاثة أبناء هم حصاد عمرى، وأكبرهم عمره سبعة وعشرون عاما، وقد تخرج فى كلية التربية الرياضية، وعمل فى دولة خليجية لمدة خمس سنوات، وعاد إلى مصر بعد ظهور «فيروس كورونا»، والثانية تخرجت فى كلية التجارة وهى الآن متزوجة، ولديها طفل أتم عاما من عمره، والصغرى فى الصف الأول الثانوى.. المشكلة أننى أخاف عليهم من أى شىء، فابنى يعمل حاليا فى الساحل الشمالى، وأجدنى أعيش قلقا دائما عليه، وينتابنى القلق على ابنتى الكبرى برغم أنها متزوجة، ودائما أتصل بها، وأظل أتتبعها، حتى ولو كانت فى صحبة زوجها، كما أخشى أن تخرج ابنتى الصغرى بمفردها، وأحرص على أن أكون معها فى كل مكان.

إننى أعيش طول عمرى فى قلق دائم عليهم، ولو ابتعد أحدهم عن نظرى ساعات معدودة، أتصور أن مكروها قد حدث له، وأظل ألاحقه.. إننى مازلت أتصل بابنى يوميا عشرات المرات، ولا يهدأ لى بال إلا إذا قال إنه عاد إلى سكنه، ولا أدرى ما الذى أوصلنى إلى هذه الحال؟.. ربما يكون السبب أن أباهم لم يتدخل فى تربيتهم، فكل كبيرة وصغيرة أتولاها بنفسى، فهل أنا مريضة نفسيا؟.. وهل أستجيب لأبنائى فأترك العمل؟، ولكن كيف ذلك، وأنا أجد نفسى فيه؟، كما أنه يبعدنى عن التفكير بعض الشىء.. إننى مضطربة، فماذا أفعل؟.

 

 ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

الخوف على الأبناء أمر طبيعى، بل هو دافع للمتابعة والتربية، ولكن إذا زاد على حده وأصبح يشكّل اضطرابا نفسيا، صار مرضا، وينعكس ذلك سلبيا على الأبناء، حيث يكون الابن أو الابنة محاطا بـ «سين وجيم»، وكلمات الرفض والمنع وتلقى الأوامر والنواهى، فيعيش حالة من الخوف تمنعه من المغامرة والانطلاق بثقة وشجاعة، ويجب أن يدرك الوالدان أن الحرص والقلق الزائدين يقيدان الابن ويجعلانه «شخصية اتكالية» غير واثق فى قدراته، والواجب إتاحة الفرصة له لمواجهة مشكلاته بنفسه.

إن توطيد الثقة بين الآباء والأمهات من جهة، وأبنائهم من جهة أخرى أمر ضرورى، فكلما تقدم الأبناء فى العمر، وهم أكثر ثقة بأنفسهم ينعكس ذلك على ثقتهم بالمجتمع، وثقة المجتمع بهم، ويجب تعزيز لغة التواصل والتحاور بينهم، وانتهاج «نهج الصديق» ليفهم الوالدان طريقة فكر أبنائهما، لأن التعامل بعنف وتشدد وفرض الأوامر غير نافع، كما يجب تعزيز الثقة بالنفس، ورفض فكرة «استنساخ الأبناء بشخصيات الآباء» فى الوقت الذى يختلف فيه الأبناء بميولهم وسلوكهم وتفكيرهم عن الآباء، فكل زمان ومكان له معطياته الخاصة به.

وعليك ـ يا سيدتى ـ أن تتوقفى عن ملاحقة أبنائك، ويكفيك الاطمئنان عليهم باستمرار، والتواصل معهم على فترات مناسبة، وراعى أن تتيحى لابنتك الصغرى الفرصة لكى تكون ذات شخصية مستقلة حتى تصبح قادرة على مواجهة مشكلات الحياة بمفردها، وأن تكتفى فقط بالنصيحة دون فرض الإملاءات عليها، والمتابعة اللصيقة لها، وكذلك الحال بالنسبة لابنك، وهو الآن رجل له عمله، ومسئول عن نفسه، فلا يعقل أن تتابعيه حتى لحظة دخوله غرفة نومه!

إن الملاحقة المستمرة للأبناء تعتبر أذى بالغا لشخصياتهم، وواقع الأمر أن معظم النقد لا يكون ضروريا، فهو غالبا ما يتناول أشياء من الممكن أن تتغير فى فترة تالية، فخطورة نقد الشخصية والسلوك نفسه هو أنه يترك فى نفس الابن مشاعر سلبية عن ذاته، فالعلاقة الجيدة مع الأبناء تقوم على غرس المعايير والمفاهيم الصحيحة، وبث روح الثقة بالنفس والمحاورة والاستشارة، وليس فرض الآراء، والسيطرة.

يا سيدتى: لا تحرمى أبناءك من الحياة الصحية السليمة تحت مسمى «الخوف»، فلا يعقل أن تكونى سببا فى زيادة الخوف لديهم وإضعاف ثقتهم بأنفسهم، فالجبناء هم أبناء أهل مذعورين، والجبن يعيدك إلى دائرة الخوف على الأبناء مرة أخرى، فيصعب الاطمئنان على ابنك الذى يفتقر إلى الشجاعة، لأنه حتما لن يجيد التصرف، كما أن الخوف لا ينقذ الخائفين، بل يعوقهم عن التصرف بحكمة، وليس هناك من يحميه الخوف من أى ضرر، ولذا يجب التخلص من الخوف على الأبناء قبل أن يصبح وسواسا، وهناك طريقة عملية وسهلة للغاية، تقوم على الاقتناع العقلى بعدة أمور، أهمها الاقتناع بعدم قدرتنا على حماية الأبناء إلى الأبد، وثانيها الإيمان بحدود قدراتنا، فليست لنا سلطة على المرض والموت والمستقبل، وسيظل الخوف على الأبناء باقيا طوال حياتنا، ولن ينتهى بكبر الأبناء، وهو خوف غريزى ينبع من داخلنا فور ولادتهم، وعادة ما يكون دافعا لحماية الأبناء ورعايتهم، ولكن غاية ما نرجوه هو تحويل الخوف على الأبناء إلى النفع، وذلك بالحفاظ عليه فى المعدلات الطبيعية التى لا تحرمهم الحياة، فلا يتحول حينها إلى وسواس قهرى، ومن ثمّ يكون دافعا لتعليمهم وتطوير مهاراتهم وتشجيعهم على الاعتماد على ذواتهم، ولا يعود عليهم بالتضييق والتقييد والحرمان، ويجب استثمار هذا الخوف بشكل إيجابى، فيدفعنا إلى تعليمهم ما يحميهم ويساعدهم على العيش بصورة أفضل، وأخيرا بالتفكير المنطقى ومعرفة حدود قدراتنا على تأمينهم يتقلص الخوف على الأبناء إلى المعدلات الطبيعية.

أرجو أن تدركى ذلك، وأن تستمرى فى عملك، وتحدثى مع أبنائك دائما عن الثقة بالنفس، والإيمان بالله، والتعامل بشكل إيجابى فى الحياة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق