رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التكنولوجيا تسأل والفلسفة تجيب

د. محمد حسين أبو العلا

الفلسفة وما أدراك ما الفلسفة... إنها عالم التساؤلات الصادمة والقضايا الشائكة، عالم المعنى والسببية بحثا عن الحقيقة فى أبعادها وزواياها، عالم التحديات الذهنية والمعرفة الحقة الكاشفة عن موازين العقول وطاقتها، عالم الإفصاح عن المبهم فى تجلياته، عالم تفكيكى يخوض فى تفصيلات لا تخطر للعامة .. تتصدره الوجوه المنهكة فكريا الصامدة أمام عواصف التناقضات، عالم البعث الروحى للعقل لاستعادة تألقه ودفعه إلى بانوراما المجهولات فى محاولة تفتيت مكنوناتها لتصبح معلوما ينتج مجهولا ينتظر عقلا آخر فى دورة زمنية أخرى يحمل لواءها فيلسوف نادر يبدد إشكالياتها مستميتا فى طرح إشكاليات أخرى ربما تكون أشد ضراوة

.....................

وهكذا يتوالى بعده من تلاحقهم موجات الشغف المعرفى وأشواق الحكمة وبواعث الضمير الأخلاقي، وبالطبع لا غرابة فهذا هو عالم الفكر الذى يرتاده الفلاسفة كل لحظة بل إنهم لا يغادرونه، إذ إن الخروج منه قد يكون بلا عودة، ولا يعنى ذلك لديهم سوى تجردهم من إنسانيتهم، وتلك عبثية كبرى يترفعون عن الانسياق نحوها لأن قدسية حياة الفكر لا يماثلها شيء على الإطلاق. وهكذا يظل للفلسفة شموخها وريادتها فى طرح السؤال المتحول العالق من زمن إلى آخر، بجانب الأسئلة الأزلية التى لن تتزحزح عن وضعيتها منذ أن وجد البشر!!

فرغم ما ينطلق من صيحات معادية تطالب بإقصاء الفلسفة باعتبارها قد باتت غير ذات أهمية بالنسبة للواقع الإنسانى المعاصر ومتغيراته فى ظل الثورة الرقمية وفعالياتها التى أحدثت تبدلات مذهلة على جميع الأصعدة لكن أحدا لم يسأل عمن تكون له الوصاية الفكرية غير الفلسفة على جميع المفاهيم المحورية الضابطة للحياة الإنسانية على غرار: الحرية، العدالة، الحق، المساواة، الأخلاق، القيم إلى غير ذلك.

لكن هاهم علماء الفيزياء المعاصرون الذين يترجمون حركة الكون يعتبرونها درة التاج ويردون جميع القوانين الحاكمة إلى مآلات ومرجعيات فلسفية، ومن أبرز هؤلاء البرفيسور «ويلتشيك» (الحائز على جائزة نوبل فى الفيزياء) والذى يعارض بشدة جميع التوجهات الداعمة لفكرة أفول أو موت الفلسفة انطلاقا من أن إبداعاته العلمية جميعها قد جاءت على أثر خلفيته الفكرية العتيدة لبصمات كبار الفلاسفة القدامى والمحدثين، تلك التى مكنته من أن يؤسس مشروعه العلمى القائم فى جملته على أن يكون إدراك واستيعاب المفاهيم الأساسية التى يقوم عليها الوجود البشرى دعامة جوهرية للثقافة المجتمعية العامة، إذ أصبح من المستحيلات أن ينهض الفرد بدور فاعل فى مجتمعه من غير إدراك تلك المفاهيم. ولا يزال «ويلتشيك» منهمكا مستغرقا متأملا شارد سابحا فى فضاء تساؤلات مرعبة عن أصل الكون وأصل الحياة وأصل الوعى وتلك مهمة فلسفية جبارة سبقه إليه عتاة الفكر لكن ذلك لم يكن مدعاة للتقاعس واليأس قدر ما كان مبعث أمل فى رحلة البحث عن شعاع جديد.

وفى ذات المسار كانت تجربة البروفيسور «كاكو» أحد أهم علماء الفيزياء فى عالمنا وهو صاحب كتاب (مستقبل العقل) وكذلك كتاب (مستقبل الإنسانية) والذى دأب طيلة عقود مع غيره ولا يزال باحثا عن تلك المعادلة الحائرة المسماة بنظرية كل شيء والساعية نحو توحيد القوى الكونية الأربع والتى نجد أصداءها كامنة فى الفلسفات اليونانية القديمة فيما يسمى بالكليات.

وطبقا لكل ذلك أو بعضه وفى إطار ما يعايشه عالمنا المعاصر من تأزمات وكارثيات وارتباك واضطراب وقلق وإحباط وتحولات وتقلبات وتغيرات وحذر وترقب من ساعة منتصف ليل البشرية ظهرت ما يدعى بفلسفة التوجه التى تنادى بضرورة إيجاد مسارات جديدة للتعامل مع الظرف الحياتى المعاصر ذلك بدعم الفرد بإمكانات وأدوات للتعاطى مع الإيقاع الصاروخى لحركة الحياة بكل ما تحتويه بحيث يصبح إعادة التوجيه متناسبا ومتسقا مع طبيعة اللحظة الفارقة فى هذا المنحنى التاريخي.

وبصفة عامة تظل الفلسفة هى البوصلة الخالدة التى تعتمد على الربط بين الأشياء والأفكار الثابت منها والمتغير وإقامة علاقة منطقية معها إيجابا أو سلبا فهل اختفت الأشياء والأفكار حتى تغيب الفلسفة؟ إن جميع الأسئلة التى تطرحها الوضعية الرقمية والمعلوماتية يمكن للفلسفة أن تجيب عنها فى سهولة ويسر، بينما أسئلة الفلسفة تصمت عنها جميع آليات التكنولوجيا آنيا ومستقبلا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق