رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‎إرث ميركل فى الميزان

‎ رشا عبدالوهاب
ميركل

ستترك أنجيلا ميركل العالم في حالة فوضى. فقد كانت شاهدة طوال تاريخها في عالم السياسة على مدار 32 عاما، منذ سطوع نجمها عام 1989، على تواريخ وأحداث وأزمات، بداية من انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط سور برلين حتى هجمات 11 سبتمبر وغزو أفغانستان والعراق، أسوأ أزمة مالية عام 2008 منذ الكساد العظيم، وأسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أنها أثبتت نفسها كـ«صانعة التسويات» و«المرأة الحديدية» بكل معنى الكلمة. «استراتيجيات النجاة»، و«البحث عن الحلول الممكنة» تصقل الإنسان وتشحذ صلابته في مواجهة أحلك الصعاب.. هذا هي المبادئ التي سارت عليها المستشارة الألمانية خلال مشوارها السياسي. وأصبحت ميركل الدرس الذي تعلمه العديد من السياسيين، وأغلبيتهم من الرجال، على مدار 16 عاما منذ توليها منصب المستشارية. خلال هذه الرحلة، تعاملت مع خمسة رؤساء وزراء بريطانيين، وأربعة رؤساء فرنسيين، وسبعة رؤساء حكومات لإيطاليا، وأربعة رؤساء أمريكيين. حاول العديد من الساسة إذلالها إلا أن صبرها وقدرتها على التحمل والظهور بمظهر محافظ وثابت، أفشل تلك المحاولات، فقد وصفها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بـ«الغبية»، بينما اصطحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلبا خلال لقاء معها، وهو يعلم أن لديها فوبيا من الكلاب، وغيرها من المواقف المحرجة. عندما اعتلت منصب المستشارية، حاول الكثيرون التقليل منها باعتبارها عديمة الخبرة وبلا كاريزما. وكان ينظر إليها في البداية على أنها زعيمة مؤقتة لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، بعد فضيحة فساد أطاحت بعتاة الساسة فولفجانج شويبله ومعلمها الروحي هيلموت كول عام 1999. ‎وجاء ساسة وذهبوا، وهي تتمتع بشعبية غير مسبوقة، وتحول لقبها من السخرية بأنها «فتاة ألمانيا» إلى «الأم» ميركل. خبرتها كابنة قس ولدت في ألمانيا الشرقية الشيوعية أثرت على اتخاذها للقرار السياسي، وبصفتها عالمة سابقة حاصلة على درجة الدكتوراه في كيمياء الكم، فإنها غالبا تتعامل مع المشكلات بنفس طريقة الحسابات المعقدة. إلا أن معركتها التي دفع ثمنها حزبها بخسائر انتخابية، كانت سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين في 2015، حيث قالت «للمضطهدين سياسيا الحق في اللجوء، يمكننا أن نفخر بإنسانية قانوننا». انتقد الكثيرون هذه الخطوة، خصوصا مع دخول حوالي 1.2 مليون لاجئ إلى ألمانيا خلال العام ونصف التالية. صحيح أن هذه السياسة تسببت في صعود اليمين المتطرف، إلا أنه توارى قليلا في خلفية الصورة الآن بسبب التأثيرات الاقتصادية الإيجابية لعمل المهاجرين. فبهذه الفكرة البراجماتية، تمكنت المستشارة من مواجهة القنبلة الديموجرافية الموقوتة. وعلى صعيد السياسة الخارجية، يرى أشد منتقدي ميركل أنها تمتلك قوى خاصة مكنتها من التعامل مع الأزمات التي أثرت على ألمانيا بداية من الأزمة المالية العالمية إلى أزمة ديون منطقة اليورو، إلى الهجرة، كما أنها كانت في صدارة المعركة لمواجهة فيروس كورونا. وعلى الصعيد الأوروبي، وبعيدا عن خروج بريطانيا من الاتحاد «البريكست»، فقد تمكنت ميركل من الحفاظ على وحدة التكتل خلال «عقد الأزمات» بداية من أزمة اليورو وفرضها سياسات التقشف، إلى الأزمة الأوكرانية وتدفق اللاجئين، والخلافات عبر الأطلنطي في عهد ترامب إلى آخر قرارتها في 2020 بإصدار السندات الأوروبية، وهو ما فتح الباب أمام عصر جديد في القارة العجوز. وكوزيرة سابقة للبيئة، وضعت ميركل المناخ ضمن أولوياتها، حيث ترأست واحدا من أوائل مؤتمرات الأمم المتحدة حول المناخ في برلين، وتمكنت من إقناع القادة الآخرين في مجموعة الثماني بالحاجة إلى خفض الانبعاثات الكربونية. وغالبا ما كانت «صوت العقل»، ومهندسة الصفقات، براجماتية ودبلوماسية. ويرى خبراء السياسة أن قوة ميركل مؤخرا نبعت من قدرتها على بناء الإجماع والقيادة من الوسط. وخلال دعمها لخليفتها أرمين لاشيت على رأس الحزب الديمقراطي المسيحي، قالت ميركل إن مستقبل ألمانيا على المحك، وأنه من خلال خبرتها السياسية، فإن المهمة الأولى للمستشار الألماني هي فن اتخاذ القرار. ويبدو أن أمام ألمانيا طريق طويل من المفاوضات لتشكيل الائتلاف الحكومي، وستظل ميركل في منصبها حتى تسلم المستشار الجديد، وستظل ماثلة في ذهن العالم كنموذج للسياسي المحنك القادر على إدارة الأزمات، فالعبرة كما تقول ليست «بالكلمات الكبيرة» وإنما بما تم إنجازه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق