رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اعتراف الى بائع روبابيكيا

إيرينى سمير حكيم

يَومها مر بشارعنا بائع للروبابيكيا.. صوته الصارخ بالنداء على تجارته .. أتى بى من آخر حجرة فى الَبيت .. لأتطلع إلى عربته الخشبية .. التى تحمل أشكالاً وأصنافاً متنوعة من بواقى الأدوات المُستهلَكة .. متأملة فى صيحته «أى شيء قديم للبيع» «حقا؟!».. قلت فى نفسى: «أى.. شىء قديم.. للبيع؟!».. «هل هذا ممكن؟!»، «هههه .. هل هذا متاح؟».. قلت فى تهكم كئيب. صاح ثانيةً منادياً فى كل اتجاهات الشارع: «أى شيء قديم للبيع».

حينئذٍ صرخَ ذهني: «نعم.. نعم.. أريد أن أعطيك كل قديم بالٍ للبيع.. هل تستطيع أنت أن تأخذ ما أريد بيعه؟ هل القديم الذى أتمنى أن أتخلص منه يناسب عربتك الكارو؟ نعم أريد أن أبلغ الخلاص من كل الفوضى التى تملأ رأسى وقلبى ودفاترى.. هل حقاً فى مقدرتك مقايضة أى قديم؟! فها أنا أملك خزائن لعقل باطن أريد أن أتخلص من نصفها.. ومشاعر متضاربة لا تُرتَب.. تحتاج إلى طردها.

هناك فى الأعماق توجد «كراكيب» معنوية.. تَزحُم كيانى .. وتُزاحِم التخطيط لتفاصيل حياتى الحالية والقادمة هل لك أن تأخذها وترحل بها بعيداً فى صمت.. بلا ثمن؟!.. فأنا لا أهتم الآن بالمقايضة .. خذهم وابتعد فهم منحة بلا بيع».

قاطَع أفكارى بندائه الأعلي: «أى شىء .. أى شىء .. قديم للبيع».

يبدو أنَّ الحِمار المُقيَّد بالعربة وحده من يصدق طموحى.. وإعلانك هذا

قلت هذا وأشحت بوجهى عنه.. لأنظر جانباً نحو الأسفل، فأجد جارتنا الثرثارة، تُحضر له تلفازاً قديماً، ثم أراهما يتحدثان متجادلين.

«أتعلم أيها المنادى بما لا تستطيع؟!.. كم من الرواسب التى علقت فى نفسى بسبب الأخبار التى تلقيتها من هذا التلفاز؟ بما حمله من ادعاءات معلوماتية .. وتناقضات إنسانية وفنية؟!.. لو أقول لك لن تدرك مدى الأذى الذى خلفته هذه الثرثارة فى حَيِّنا.. فكم تسببت فى تراكمات تملأ خرابات.. تحتاج إلى بلدوزر يساندك فى حملِها».

تحركت الثرثارة فارغة اليدين نحو جُحرِها.. مُتمتِمة بوجهٍ غاضب مُتأففة من السعر الذى لم يرضِها.

هتف مراراً وتكراراً.. وبعد ركود تحرك نحوه شاب وفتاة، كل منهما من اتجاه، ترددا: من يعطى قديمه الأول للمشترى البائع، وهو فى المنتصف ينظر إليهما بنظرة شبه ساخرة ومطالبة، فارتبكت الفتاة المترددة أكثر وتراجعت خطوة.. ليتقدم الشاب الصموت خطوة فى غير كلامٍ، ليعطى البائع مجموعة من المنبهات.. لعله يحاول التخلص مما تبقى له لينبهه، واكتفى بمعاشرة دخانهِ والتغيب! آه.. هذا يعنى مزيداً من السهرات.. ومن أرقنا وضيق أنفاسنا!.. ماذا تفعل أيها الشاب النحيل التعس، مقوس الظهر؟!! إنك تقايض الشيء الخطأ.. كان لزاماً عليك أن تتخلى عن الشيشة.. عن مازوخيتك للاوعى.. ألم يحن الوقت لكَ لكى تفيق؟!

تقدمت الفتاة الخجول، لتعطيه شيئاً مستطيلاً ضخماً تكاد تستطيع أن تحمله.. قطَّع البائع غلافه.. وهى تتلفت فى كل الاتجاهات، فى توتر ملحوظ، وأخيراً أظهر البائع مرآة!! لقد خُطِبَت هذه الفتاة أكثر من مرة وانفصلت، وكل مرة حُمِلَت على التغيير إلى شكل مختلف عن الآخر، وكانت تنال من نصائح تقديم الذات ما يُلغى ذاتها لتستبدل بها جمالا آخر ليس لها.. لم أرَ وجه هذه الفتاة منذ سنوات، منذ كانت طفلة فى بداية مراهقتها، حيث كانت طبيعية، جميلة، بسيطة.. هى الآن ممسوخة، لا تثق فى نفسها، لا تثق فى المرآة. يحمل وجهها لوناً وفرشاة من كل نصيحة خاطئة ورغبة بخسة الثمن.

يؤسفنى يا جارتى الضعيفة.. أنكِ تخليت عن الشيء الخطأ.. لقد كنتِ فى حاجة حقيقية لترى نفسكِ وحدكِ.. بعينيكِ.. لا مع الآخرين ولا بعيونهم.. كنتِ فى حاجة إلى أن ترى حقيقتكِ.. جمالكِ.. استحقاقكِ. لقد كان ظهر هذا الحمار أحق بحمل عبء عُلب هذه المساحيق التى لا تحمل حقيقة ولا تجميلاً!.

تأملت فى حال الشاب والفتاة وأنا، وسألت نفسي: هل إلى هذا الحد.. خداعنا سهل جدا؟! هل إلى هذا الحد.. غباؤنا يسوقنا إلى تشويه مصائرنا؟! كيف نقع فى الاختيارات الخاطئة بهذا التلذذ؟ كيف نتورط فى تنازلات حمقاء ونتشبث بمحاربة أكثر تهوراً؟!.

كان البائع مستمراً فى النداء.. وأنا أتأمل فى أفكار فلسفية وأسئلة وجودية.. بينما كان نهيق الحمار يفصلنى عن سمو تنظيرى وفلسفتى كان البائع صبوراً مُلِّحاً، يقايض الصمت بالانتظار، قضى وقتاً آخر فى شارعنا ليس قليلا.. ينتظر من يُقايضه على القديم.. ينتظر وينتظر وكأنَّه على ميعادٍ مع شخصٍ لا يأتى. وأنا فى النافذة أرقبه شاردة.. أُفكر فى «كراكيبى» المعنوية.. أتأرجح وحدى بين التمنى والعجز.. التفكير والفراغ، ثم رفع رأسه صوبى فجأةً.. ونظر فى عينيَّ نظرة مباشرة!«آهٍ.... هل عَلِم من أمرى شيئاً؟!.. هل سَمِعَ اعترافى هذا؟! يا إلهي.. مازال يُحدِّقُ بى يبدو أنَّنى فتحت نافذتى أكثر مما ينبغي، وأطلت التأمُل العينيّ، وتركيزى البصرى كان نحوه جلياً مُصوباً ربما عليَّ أن أتوارى قليلاً خلف النافذة، وأقتصِد ثرثرة نظراتى الصاخبة التى لفتت إلىَّ مسمَع عينيه، وأن أبذل تأملاً مُخلِصاً لأشيائى القديمة، حازماً ومُخلِّصاً لى من إياها.

عُدت أنظر إليه مرة أخرى خِلسةً: «يا إلهي.. مازال يُحدِّق بنافذتي! كم أريد أن أصرخ به: «هل تنتظر أمراً ما من هذه النافذة؟!.. هل وعدتك بشىء؟!!» ماذا به؟! هل أدرك أنَّنى مازلت أفتقد الشجاعة إلى أن أتخلى عن مكونات هذا الزحام القديم بداخلي! رمقنى بنظرة أخيرة وبحركة متباطئة حوَّل اتجاه حِمارهِ ورحل، ربما.. سيَعبر من شارعنا مرة ثانية، وربما أكون حينئذٍ قادرة على عبور أنقاض هذه الفوضى، وتسليمه وحمارهِ إياها!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق