رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فيسبوك يتجمل.. خبير تحت الطلب لشتى الأغراض

محمد على
> موقع «فيسبوك» لجأ إلى حجب مئات المنصات التفاعلية التى يتعلق بعضها بمعارضى اللقاحات

قضت مواقع التواصل الاجتماعى على حاجزى الزمان والمكان، وأسقطت الفوارق الثقافية واللغوية بين مرتاديها، لتتحول تدريجيا إلى منصات ديمقراطية الطابع للتعارف وتبادل الرأى والمنفعة، واكتشاف المواهب الجديدة، والثرثرة وإطلاق الشائعات فى أوقات الأزمات أحيانا. وخلال العقد الماضى، برز فيسبوك كأوسع هذه المواقع شعبية، ومن أكثرها إثارة للغط. وبغرض ضبط الأداء بين مستخدميه وتحاشى عصا القانون أحيانا, لجأت إدارة الموقع إلى إضافة خصائص مميزة بين فترة وأخرى. وتتناول السطور التالية أحدث هذه الخصائص ومدى جديته فى تحقيق الهدف المنشود منه.

تاج الجزيرة

تحكى قصة قديمة عن جزيرة منعزلة فى قلب بحر الظلمات، ألقت الأمواج سباحا بمحض الصدفة على شاطئها قبل دقائق من غرقه. عثر أهل الجزيرة على وعاء من الخزف اللامع فوق رأس هذا الناجى الوحيد من ركاب مركب منكوب فاتخذوه تاجا للملك لفرط إعجابهم به، وهكذا، أنقذوا القادم الغريب، وأحسنوا وفادته كشخصية عظيمة، ثم أعادوه إلى بلاده محملا بأغلى الهدايا بغض النظر عن حقيقته ورقة حاله. على هذا النحو تقريبا، قرر فيسبوك ترقية بعض مستخدميه المخلصين بمنح لقب «خبير» إلى أعضاء فى المجموعات النشطة العاملة على الموقع حتى تنسب الدعوات الغريبة إن وجدت، وغريب الآراء إليه (أو إليها) ويتنصل الموقع من مسئولية نشر الكذب وحملات التضليل أمام القانون إذا ما وقعت الواقعة وتبين للجمهور مدى جنوح الأفكار المنشورة أولا بأول، أو لحقهم شديد الضرر بالفعل منها.

وكانت مجموعات تتبنى فكر نظرية المؤامرة، وأخرى يمينية متطرفة، وثالثة فوضوية، قد توسعت فى استخدام فيسبوك كمنصة تفاعلية نشطة لبث سمومها. وتدريجيا، تحول الموقع إلى أحد أكبر المستنقعات الفكرية فى العالم. وأثار هذا استياء عدة حكومات شرقا وغربا فقرر بعضها حجب الموقع تأديبيا، ونهائيا فى بعض الأحيان، بتهمة نشر الشائعات وبث الفتنة، وتقاعس فيسبوك عن التحرك طويلا بزعم عدم إمكانية التدخل فى المحتوى الفكرى لمخالفة ذلك لأبجديات سياسة حرية النشر التى قام عليها. وبعد بضعة أشهر من تفجر جائحة كورونا، استأنفت جماعات «مناهضة اللقاحات» فى الولايات المتحدة وأوروبا نشاطها الخبيث، وبدأت فى إثناء العامة عن تلقى أى لقاح مرتقب للوقاية من المرض برغم حقيقة فتك الفيروس بالمصابين، وتعرض المنظومة الصحية فى العالم لخطر الانهيار، هنا فقط قررت إدارة فيسبوك التدخل وغيرت سياستها !. وحتى يبدو الأمر ديمقراطيا تماما، لجأ الموقع فى بداية العام إلى حجب مئات المجموعات منها ما يتعلق بمعارضى اللقاحات، ومنها ما هو سياسى مهووس بإشعال الفتن والثورات، أو يكتفى بالترويج للأباطيل والشائعات فحسب. وشمل ذلك حذف جماعة كيو آنون سيئة السمعة بكاملها وقوامها 200 ألف عضو. كما توقف الموقع عن عادته فى ترشيح جماعات سياسية بعينها تلقائيا للمنضمين حديثا، وذلك استنادا لسيرتهم الذاتية وميولهم المعلنة. ولكن الأمر ليس سهلا على الإطلاق، فبوسع أى معاقب أو منبوذ أن يعود إلى الموقع عبر طرق بديلة بفتح حساب جديد، وتغيير بعض البيانات، والانتساب إلى مجموعة أخرى تعيده إلى المجموعة الأصلية. ويصف خبراء المواقع الالكترونية هذه الطرق بحيل التسلل وإعادة الالتحام.

مؤهلات الترقية وشروطها

تقول متحدثة باسم فيسبوك إن ترقية عضو فى مجموعة ما بمنحه لقب «خبير» هى مجرد إجراء محدود النطاق سيبدأ تجريبيا بين عينة مجموعات نشطة على الموقع. ويتعين على المستخدم محل الاختيار أن يبرأ من الإنذارات تقريبا، أى أن يكون حسن السمعة. إمعانا فى الدقة، يجب ألا يكون قد تلقى ثلاثة إنذارات تنظيمية من الموقع خلال فترة 90 يوما السابقة على الاختيار. وسوف يكلف محرر كل مجموعة أو مسئولها الأول (أدمن) بمهمة غربلة الخبراء وإعلام بقية الأعضاء بهم. ومن يدريك بأنه خبير فى تخصص ما فعليا وأنه ليس مدعيا أو أفاقا ؟. يبقى هذا الأمر غامضا، فالمسألة كلها تدور عبر الفضاء المعلوماتى، وتعتمد على ما ينسبه كل فرد إلى نفسه من شهادات علمية، أو خبرات عملية تستحق الالتفات. وسوف ينعم فيسبوك على هذا الخبير أو ذاك بعلامة مميزة توضع إلى جانب اسمه على الدوام لتمييزه عن بقية الأعضاء. وبطبيعة الحال، سيكون له (أو لها) مطلق الحرية فى رفض اللقب المستحدث أو قبوله.

ولمزيد من الإيضاح، كتبت ماريا سميث إحدى المديرين التنفيذيين بالموقع فقرة قالت فيها إن محرر كل مجموعة سيمنح الخبراء المختارين أدوارا أكبر فى قضايا بعينها وفقا لتخصصاتهم المعلنة. وسيتحقق التفاعل المرجو بين الأعضاء العاديين والخبراء الجدد بطريقة طرح الأسئلة وتلقى الردود عليها، ثم الانخراط فى الحوار استنادا إلى ذلك الاستبيان.

وحتى نتخيل حجم العبء الذى نتحدث عنه، فثمة نحو 70 مليون محرر مسئول أو مدير للحوار فى المجموعات النشطة على فيسبوك فى أركان العالم الأربعة. وسوف يكلف الموقع هؤلاء بالبحث عن شخصيات يمكن ترقيتها إلى مرتبة خبير فى مجالات بسيطة (مبدئيا) ومنها أنشطة السلامة البدنية والألعاب الإلكترونية على سبيل المثال. وسيعمد مسئولو المجموعات إلى رفع مستويات مشاركة هؤلاء فى المجالين ومن ثم منحهم لقب «خبير».

أزمة ثقة أساسا

يقول اليستير كولمان محرر شئون الحاسبات والمعلوماتية فى هيئة الإذاعة البريطانية (بى.بى.سي) إنه برغم حسن النية البادى فى الإجراءات التى يعتزم فيسبوك تطبيقها، فإن الموقع مازال ميدانا خصبا لشتى السلبيات بطبيعته. ويوضح أن الترويج لمكارم الأخلاق، ومبادئ الآباء والأمهات، والقضايا المحلية الملحة، ستبقى ستارا يمكن لمن يريد أن يبث سمومه الفكرية الاختباء خلفه حتى إذا ما اختير خبراء متخصصصون للتحدث فى مثل هذه الأمور. السؤال ببساطة: هل يمكننا الثقة فى هؤلاء لمجرد أنهم وقع عليهم الاختيار فى مجموعة ما ؟. هل علينا أن نمنحهم صك البراءة بهذه السهولة ؟. وللتذكير، فإن فيسبوك حذف فى بداية العام شتى المعلومات المضللة عن اللقاحات من صفحاته، وحسابات الأعضاء الشخصية، والمجموعات. وسريعا ما تحول الأمر إلى لعبة القط والفأر، إذا لجأ المنبوذون إلى الترويج لأفكارهم السقيمة عن طريق نشر الصور المركبة والرسوم الكرتونية التى تعبر عن أفكارهم، ولم يمنعهم أحد. فى فضاء العالم الافتراضى، يبدو أن انعدام الثقة هو الأساس.

ومن جهة أخرى، قد يبدو الشك منطقيا إذا أخذنا فى الحسبان طريقة الترشح والاختيار المقترحة لمرتبة خبير تلك. فبوسع عضو فى مجموعة ما أن يضع علامة على اسمه فى تخصص ما آملا أن يختاره أدمن المجموعة. أى أننا سندخل فى دائرة جهنمية يعمد أطرافها على العبث بالمنظومة الموضوعة فحسب. وللتبسيط، لننظر إلى هذا السؤال البريء: ما هى القضايا التى تلم معرفيا بها ؟. يمكن لكل منا أن يرص من رؤوس الموضوعات عشرات، وسيكون للأدمن الحرية فى الانتقاء والغربلة والترشيح للمرتبة الرفيعة المستحدثة. وإذا كان الأدمن نفسه من دعاة نظرية المؤامرة، هل يصلح بديهيا لهذا الاختيار ؟. لنترك الإجابة لفيسبوك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق