رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريطانيا «حقل تجارب» للتعايش مع كورونا

رسالة لندن منال لطفى
بريطانيا تحاول التعايش مع كوفيد 19 بعد قرار فتح كافة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية

فى مباريات كرة القدم لا تستطيع أن تعلن الفريق المتقدم 1 -صفر فى الدقيقة 85 فائزاً بالمباراة، فالتقدم قبل انتهاء المواجهة لا يعنى الفوز. وهكذا يرى كثيرون فى بريطانيا المعركة ضد كورونا. ففى المملكة المتحدة أحد أعلى نسب التطعيم فى العالم، لكنها لم تقض على الفيروس بعد، وأرقام العدوى تتضاعف كل أسبوع، بسبب «متغير دلتا» الذى بات الفيروس المتحور الأساسى فى بريطانيا. ففى مايو الماضى مثلاً، كان متوسط عدد الإصابات يوميا عدة مئات فقط، الأسبوع الماضى كان متوسط عدد الإصابات يوميا 35 ألف حالة، وهذه أعلى أرقام منذ سبعة أشهر.

وبالتالى اختلط الارتياح بالدهشة، بعد إعلان رئيس الوزراء بوريس جونسون، أنه بدءا من 19 يوليو الحالي، سيتم إلغاء الارتداء الإجبارى للكمامات فى الأماكن العامة، بما فى ذلك المواصلات، وإلغاء مسافة التباعد الاجتماعي، وإلغاء «نظام الفقاعة» فى المدارس، الذى كان يجبر التلاميذ فى الفصل على عزل أنفسهم إذا أصيب تلميذ وسطهم بكوفيد 19، وإلغاء القيود على دعوة عدد محدد لحضور الأعراس والجنازات، وإلغاء القيود على التجمعات فى الأماكن العامة والمغلقة، والسماح بالعودة للعمل من المكاتب، وإلغاء الحجر الصحي، والسماح بالسفر للدول على «القائمة البرتقالية» إذا كان المسافر أخذ جرعتى تطعيم كورونا، وإنهاء إجبار البريطانيين الذين تم اعطاؤهم جرعتى مصل كوفيد 19على عزل أنفسهم إذا اختلطوا بشخص مصاب.

وتحاجج الحكومة البريطانية أنها قررت فتح كل الأنشطة الاقتصادية، وإزالة كل القيود المرتبطة بكوفيد 19، لأن نحو 65% من السكان أخذوا بالفعل جرعتى تطعيم ضد الفيروس، وتقول إنها أجلت الشهر الماضى موعد الفتح لتسريع وتيرة وزيادة نطاق برنامج التطعيم الوطني، وأنه ليس هناك وقت أفضل لفتح الاقتصاد من أشهر الصيف، لأنه إذا لم يتم الفتح خلال يوليو وأغسطس فعلى الأرجح ستتواصل القيود حتى ربيع 2022. لكن فى ضوء سرعة ونطاق إزالة القيود بات السؤال الأساسى اليوم هو، هل إجراءات الحكومة البريطانية واقعية أم متهورة؟

فتضاعف حالات الإصابة بفيروس كورونا كل 10 أيام، وتوقع وزير الصحة ساجد جاويد، أن ترتفع الإصابات اليومية لـ50 ألف حالة بحلول أغسطس، وارتفاع حالات دخول المستشفيات بأكثر من 50% فى الأسبوع الماضى وحده، دفع كثيرا من العلماء والمؤسسات الطبية فى بريطانيا إلى التحذير، من أن قرارات الحكومة ستعرض كل الإنجازات التى تمت فى الأشهر الأخيرة للانتكاس. كما طعن العلماء وخبراء الصحة فى أن أشهر الصيف «مثالية» لإزالة قيود كوفيد 19، نظراً للارتفاع الجديد فى معدلات العدوي. فمثلاً قال رافى جوبتا، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الإكلينيكى فى جامعة كامبريدج البريطانية، «ينظر العالم إلينا بعدم تصديق - دولة بها بعض أفضل الجامعات والعقول تتصرف بغطرسة... وتستخف مرة أخرى بخصم لدود»، فى إشارة إلى السلالات الجديدة المتحورة من كوفيد 19. هذا الرأى رددته إيزابيلا إيكرل، أستاذة علم الفيروسات فى جامعة جنيف. فهى واحدة من 122 عالماً وطبيباً من بريطانيا وأوروبا وأمريكا، وقعوا خطاباً فى مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية المرموقة، ينتقدون فيه «خطط إعادة الفتح الخطير والمبكر» للحكومة.

وقالت إيزابيلا إيكرل: «لا يمكن للقرار إلا أن يكون بمثابة نموذج تحذيرلدول أوروبية أخري... إن الإصابات آخذة فى الارتفاع بالفعل مع متغير دلتا الجديد فى العديد من البلدان...إنه وضع خطير وغير مسئول». كما حذرت منظمة الصحة العالمية، من أن الفتح السريع وواسع النطاق سيؤدى لخلق «معمل حى لتوليد الفيروسات المتحورة»، وهذا فى نظرها لا يشكل خطراً على بريطانيا وحدها، بل على العالم كله.

الكرة فى ملعب الشارع

وأمام المخاوف المتزايدة من آثار الفتح السريع وواسع النطاق للأنشطة الاقتصادية، ألقى الوسط الطبى والعلمى بالكرة فى ملعب «المسئولية الشخصية»، داعين المواطن البريطانى العادى إلى الحذر وإلى الحفاظ على بعض القيود بشكل طوعي، لمنع خروج معدلات العدوى عن السيطرة خلال أشهر الخريف والشتاء. فمثلاً قالت «أكاديمية الكليات الطبية الملكية»، إنه يجب على الناس أن يواصلوا اتباع إجراءات مثل ارتداء الكمامات فى الأماكن المغلقة والمزدحمة، حتى عندما ترفع الحكومة هذا الشرط فى إطار الإجراءات المزمعة فى 19 يوليو الحالي.

وقالت البروفوسيرة هيلين ستوكس لامبارد، رئيسة «أكاديمية الكليات الطبية الملكية»، إن الأكاديمية «قلقة للغاية» بشأن فكرة إزالة جميع القيود خلال أيام قليلة، موضحة، «يبدو أن هناك سوء فهم بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها فى ذلك التاريخ، وأنه يمكننا التخلص من جميع إجراءات الحماية، بصراحة سيكون ذلك أمراً خطيراً». وقالت الأكاديمية، التى تمثل 23 هيئة طبية مسئولة عن التدريب والتطوير فى مختلف التخصصات الصحية فى بريطانيا، فى بيان إنه من الضرورى أن يتخذ الأفراد نهجاً مسئولاً عند رفع القيود رسمياً، محذرة من أنه «ليس هناك شك كبير فى أن الأمور ستزداد سوءاً أولاً قبل أن تتحسن».

غموض الرسالة

وبرغم الضغوط على الحكومة لتخفيف خطابها، من أن يوم 19 يوليو هو «يوم الحرية» وأن المواطنين يمكنهم استعادة الحياة الطبيعية والعودة للعالم كما عرفوه قبل ظهور الجائحة، فإن جونسون مصمم على المضى قدماً فى الفتح تحت الشعار الجديد للحكومة، وهو «تعلم التعايش مع كوفيد 19».

لكن ما يثير قلق الوسط الطبى والعلمى فى بريطانيا وكثير من الناس العاديين، هو غموض الشعار الجديد.

فما الذى يعنيه التعايش مع كوفيد 19؟ وهل التعايش مع كوفيد 19 ممكن، بينما تتضاعف معدلات العدوى كل 10 أيام؟، وهل التعايش مع كوفيد 19 يستلزم التخلص من أبسط قواعد الحماية، بما فى ذلك ارتداء الكمامة فى الأماكن العامة المزدحمة، مثل المواصلات العامة وأماكن العمل؟.

ويقول منتقدو الحكومة إن شعارات الحكومة الأخرى مثل «حماية نظام الرعاية الصحية» و«غسل اليدين وارتداء الكمامة والحفاظ على مسافة التباعد الاجتماعي»، كانت واضحة ومباشرة ولا لبس فيها، على عكس الشعار الجديد الفضفاض الذى يجعل مصير معركة بريطانيا مع كوفيد 19 مرتبطا بالسلوك الفردى وليس بقواعد وقوانين ملزمة.

بينما يشير آخرون إلى أن شعار «التعايش مع كوفيد 19» يعنى ضمناً ترك العدوى تنتشر، وقبول وفاة الأكبر سناً أو أصحاب المناعة الضعيفة.

فأرقام الحكومة تشير إلى أن 90% ممن أخذوا المصل لا يحتاجون للعلاج فى المستشفيات حتى إذا أصيبوا بكوفيد 19 مجدداً، لأن الأجسام المضادة لديهم تجعلهم أكثر قدرة على مواجهة الفيروس. هذه الأرقام دفعت الوزراء المؤيدين لفتح كل الأنشطة الاقتصادية فى الحكومة، مثل وزيرى الخزانة ريشى سوناك، والصحة ساجد جاويد، إلى دفع جونسون للمضى قدماً فى برنامج الفتح بأسرع وقت ممكن، على أساس أن بريطانيا يجب أن تستفيد من كونها واحدة من أفضل دول العالم فى برنامج التطعيم ضد كوفيد.

لكن فى نظر البعض هذا أشبه بمنطق «البقاء للأقوي»، لأنه يعنى ضمناً قبول فكرة أن البعض سيموت إذا أصيب بالعدوى بسبب عوامل صحية شخصية، تجعله أقل قدرة على مقاومة الفيروس.

ولا عجب أن تبدأ بعض صحف التابلويد فى نشر قصص مواجهات لفظية وجسدية فى وسائل المواصلات العامة بين المواطنين والشرطة، أو بين المواطنين وبعضهم البعض، بين من لا يريدون ارتداء الكمامة، وبين من يرتدون الكمامة، ويشعرون بالقلق من الوجود فى أماكن مغلقة مع عدد كبير من الناس لا يرتدون الكمامة.

ففى الأسبوع الماضي، نشرت الصحف معركة بالأيدى بين مواطن وضابط شرطة، لأن المواطن رفض ارتداء الكمامة فى مترو الأنفاق، على أساس أن هذه «حرية شخصية» برغم أن موعد رفع القيود رسمياً هو 19 يوليو الحالي. هذه الواقعة وغيرها دفعت البعض للتخوف من أنه بعد إزالة القيود، ستكون هناك كثير من المواجهات بين الشرائح من السكان التى لا تريد ارتداء الكمامة لأنها صغيرة السن، أو لا تشعر بخطر على حياتها، أو لا تصدق أصلاً فى خطر الجائحة، أو لا تثق فى الأمصال وتؤمن بنظريات المؤامرة، وأن هذه الأمصال لديها أعراض جانبية خطيرة تظهر مع الوقت، وبين الشرائح من السكان الأكبر سناً التى تعانى أمراضا مزمنة تؤثر على مناعتها وتتخوف من التقاط الفيروس فى الأماكن المزدحمة، بعد إزالة القيود خلال أيام قليلة، خاصة بعدما تركتهم الدولة يعتمدون كلياً لحماية أنفسهم على السلوك الفردى لأشخاص، الكثير منهم يفاخر برفض أخذ اللقاح ويرفض ارتداء الكمامة فى الأماكن العامة. وبالتالى بدءا من 19 يوليو ستصبح كل رحلة بالمترو أو الأتوبيس أو القطار أو زيارة تسوق للسوبر ماركت، أشبه بـ«حقل ألغام» ومواجهة محتملة، بين من يرون أن ارتداء الكمامة هو من «الآداب الاجتماعية الضرورية» فى زمن كوفيد، وبين من يختلفون معهم فى هذا التقييم.

طريق لا رجعة فيه

طبعاً تتفق أحزاب المعارضة البريطانية وعلى رأسها حزب العمال، على أن الحكومة على صواب فى إزالة معظم القيود بسبب الآثار الاقتصادية الكارثية للإغلاق، وأيضاً بسبب الآثار التعليمية والصحة النفسية والعقلية، لمنع الاختلاط بين العائلات الممتدة ووقف المدارس لأشهر. لكن ما يختلفون عليه هو سرعة وتيرة الفتح وإزالة كل القيود القانونية مرة واحدة.

فالأمر ليس أيديولوجياً بين يمين ويسار. فالكل يريد إزالة القيود لحماية الاقتصاد من المزيد من التدهور، لكن يجب ضمان أن تتم إزالة القيود دون المقامرة بزيادة معدلات العدوى من جديد بطريقة خارجة عن السيطرة.

وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستكون بريطانيا «حقل تجارب» للعالم فى تحدى المواءمة بين إزالة القيود الملزمة قانونياً والسيطرة على معدلات العدوى والوفيات. وستنظر أمريكا وأوروبا بالذات التجربة البريطانية لأنهم أيضا يبحثون خطط إعادة الفتح الكامل للأنشطة الاقتصادية.

ومع التحذيرات الأخيرة للعلماء والوسط الطبى البريطاني، بات جونسون على دراية بالتحدى الكبير أمامه، لكنه ليس بصدد التراجع الآن، بعدما أعلن كل الإجراءات والموعد الزمنى لرفع القيود.

ولقطع الطريق أمام أى خطوات للوراء، سربت مصادر حكومية، أن القناعة فى «دواننج ستريت» هى أن التراجع عن الفتح الكامل فى الموعد المقرر سيكون «انتحاراً سياسيا» لجونسون، خاصة أن غالبية أعضاء الحكومة والكتلة البرلمانية لحزب المحافظين الحاكم فى البرلمان، ترى أن الحكومة تأخرت أصلاً فى فتح الاقتصاد، وأن هذه الخطوة كان يجب أن تكون فى يونيو الماضي.

إذًا ستبدأ المغامرة البريطانية بإزالة كل القيود خلال أيام، والآمال فى أن «تتعايش بريطانيا مع كوفيد 19» بسلام وجنباً إلى جنب. إنها مقامرة يأمل جونسون ألاّ تنقلب عليه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق