رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الشعبوية الطبية».. واستجابة الفلبين لكوفيد ــ 19

دينا عمارة
فلبينية مصابة بالفيروس لتفظ أنفاسها من خلال أنوبنبة الأكسجين

على فراش بسيط بين لفائف أكياس القمامة السوداء وصناديق مطهرات المرحاض، كانت الممرضة الفلبينية أورس دلتا سانتياجو، تأخذ قيلولة صغيرة قبل أن تستأنف عملها مرة أخرى، ورغم كونها تعمل فى واحدة من أفضل المستشفيات فى الفلبين، والتى يتردد عليها المليارديرات والمشاهير، لكن الشابة البالغ من العمر 32 عاما، لا تطيق الانتظار حتى تغادر، حيث تجنى سانتياجو من عملها الشاق 520 دولارا فقط شهريا مقابل 12 ساعة عمل فى اليوم، وهى تسعى بشدة الآن للحصول على وظيفة فى الخارج لذلك لم يكن فراشها مخصصا للنوم فقط فأحيانا تستخدمه لاستذكار دروسها من أجل الاختبارات المهنية التى يمكن أن تكون تذكرة سفرها إلى الولايات المتحدة.

وبسبب الوباء، فرضت السلطات قيودا على وسائل النقل العام، وتعد رحلة سانتياجو التى تبلغ 15 ميلا (24 كيلومترا) للعمل فى وسط العاصمة مانيلا، طويلة وشاقة, لذلك اضطرت الممرضة الفلبينية إلى استئجار غرفة أقرب إلى مكان عملها لتقليل السفر المرهق، وأيضا لتجنب خطر جلب الفيروس إلى منزل عائلتها، لكنها لم تعد تتحمل التكاليف المرتفعة وهو ما اضطرها إلى النوم فى غرفة المرافق فى المستشفى التى تعمل بها، على بعد خطوات فقط من الأجنحة الطبية الخاصة الفخمة، حيث يتكئ المرضى ذوو الأجور المرتفعة فى راحة كبيرة. معظم الوقت، تشعر سانتياجو بالغضب الشديد من عبثية المعاناة التى جلبها كورونا إلى الفلبين، تلك الدولة الواقعة فى جنوب شرق آسيا ويبلغ عدد سكانها 109 ملايين نسمة، والتى كانت تكافح بالفعل لاحتواء واحدة من أسوأ حالات تفشى المرض في المنطقة.

«عدنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى»، هكذا شعرت الممرضة الفلبينية سانتياجو، مثلها مثل غالبية الفلبينيين، باليأس من الارتفاع الحاد فى أعداد الإصابات. ففى مارس من هذا العام، تراوح عدد الحالات اليومية بين 3000 و7000 مصاب، لكنه سرعان ما وصل إلى 15 ألفا فى شهر أبريل، بينما تم تطعيم أقل من 5.5٪ من السكان، وفقا لأرقام منظمة الصحة العالمية.

ما يحدث فى الفلبين مهم لجهود العالم لاحتواء فيروس كورونا، هكذا أكد تقرير لمجلة «تايم» الأمريكية الذى أوضح أن البلاد لا تؤثر على نفسها فحسب، بل تؤثر على ملايين العمال الذين تصدرهم حول العالم، والبلدان الأخرى التي تعتمد على الفلبينيين لملء الوظائف الحيوية كعمال بناء وعمال منازل، والبحارة والأطقم الطبية.

ويشير التقرير إلى أنه كان بإمكان البلاد السيطرة على الموجة الثانية ومنعها من الانتشار، فالبلاد كانت تخضع لواحدة من أطول وأقسى عمليات الإغلاق فى العالم، وتم تنفيذ أوامر الحجر الصحى بدرجات متفاوتة فى جميع أنحاء الأرخبيل منذ مارس 2020، وفرضها أفراد الأمن المسلحون بطريقة وصفتها ميشيل باشليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بأنها «عسكرية للغاية». حيث ظهر رودريجو دوتيرتى، الرئيس الفلبينى، بنفسه على شاشة التليفزيون وهو يعطى أوامره للشرطة والجيش بقتل أى متظاهر مناهض للإغلاق ويقاوم الاعتقال.

ومع ذلك، يبدو أن معاناة الحياة تحت الإغلاق، والتي دفعت البلاد إلى أسوأ انكماش اقتصادى لها منذ الحرب العالمية الثانية، لم يكن لها مردود يُذكر، حيث ارتفعت أعداد الإصابات في البلاد خلال الأشهر الأربعة للموجة الثانية من نحو 12 ألف مصاب فى شهر مارس، إلى 25 ألف مصاب فى شهر يونيو.

«كان الأمر مروعا»، هكذا وصف الدكتور جلين بوتويان بداية الموجة الثانية، حيث قال إن الناس كانوا يموتون فى كل مكان، فى مواقف السيارات وفى المنازل، لأنهم لم يتمكنوا من العثور على المستشفيات التي تستقبلهم, ونفذت الإمدادات الطبية وتحولت سيارات الإسعاف إلى مشارح مؤقتة واصطفت خارج محارق الجثث. ويشير التقرير إلى أن ضعف القيادة والافتقار إلى إستراتيجية متماسكة لمكافحة الوباء، أدى إلى زيادة مشاكل البلاد، حيث اختفى الرئيس دوتيرتى عن الأنظار حينما بدأت الإصابات فى الارتفاع بشكل حاد فى مارس. وفى محاولة لتهدئة التساؤلات حول صحته، تم نشر صور الرئيس وهو يلعب الجولف فى أوائل أبريل، لكن الصور نقلت انطباعا بأنه لا يكترث لمعاناة شعبه وأنه بعيد كل البعد عما يحدث، لذلك لاقت سخرية واسعة النطاق.

حتى عندما ظهر فى الإعلام مرة أخرى، لم يكن لدى دوتيرتى أي حلول جديدة من شأنها أن تعالج المشكلة، واكتفى بتقديم الحلول نفسها التى كان يفضلها دائما: وضع المناطق المتضررة تحت الإغلاق التام، ووضع المزيد من الشرطة فى الشوارع وفرض حظر تجوال أكثر صرامة واعتقال المخالفين للحجر الصحى.

«لا يوجد خيال»، هكذا قال جيديون لاسكو، الطبيب الفلبينى وعالم الأنثروبولوجيا الطبية لمجلة تايم، مضيفا إن ذلك يعد سمة  من سمات «الشعبوية الطبية»، وهو المصطلح الذى ابتكره لاسكو وزميلته الباحثة نيكول كوراتو، والتى عرّفها على أنها أسلوب سياسى خلال أزمات الصحة العامة، التى تضع الشعب فى مواجهة المؤسسة.

ووفقا لـ «لاسكو» فإنه بينما تؤدى بعض حالات الطوارئ الصحية إلى استجابات تكنوقراطية تخفف من مخاوف الجمهور المذعور، تزدهر الشعبوية الطبية من خلال «تسييس وتبسيط وإثارة قضايا الصحة العامة المعقدة». فمثلا, قللت شخصيات مثل دوتيرتى, والرئيس البرازيلى جايير بولسونارو، ورئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى، والرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، من تأثير الفيروس، ونشروا ادعاءات كاذبة، بل وروجوا لحلول غريبة للمشكلة، مما منع العلماء والأطباء من قيادة المعركة. فمع اندلاع الموجة الأولى من الوباء فى الهند، دعا مودى إلى احتفالات الضوء وطلب من القوات الجوية إرسال طائرات هليكوبتر لاستحمام المستشفيات ببتلات الزهور. بينما قال ترامب إنه كان يتعاطى عقار هيدروكسى كلوروكوين المضاد للملاريا كوسيلة وقائية ضد كوفيد -19 ، على الرغم من قلة الأدلة على فعاليته ضد المرض والأدلة على أن إساءة استخدام الدواء يمكن أن يسبب ضررا. أما بولسونارو البرازيلى، فقد وصف الفيروس بـ «الأنفلونزا البسيطة»، واستخف من ارتداء الكمامة على الرغم من تشخيص حالته بأنه مصاب بكورونا.

وبالعودة إلى الفلبين، يشير التقرير إلى أنه بدلا من الاستثمار في اختبار اللقاحات أو ضمان طرحها فى الوقت المناسب، كان نهج دوتيرتى هو وضع البلاد في حالة حرب، وهو ما يصفه لاسكو بأنه جزء من «نمط المشهد الطبى الشعبى».

وحول هذا الموضوع يقول البروفيسور رانجيت راي، عضو فى مجموعة بحثية من جامعة الفلبين كانت تراقب الوباء، إن جزءا كبيرا من المشكلة هو أن العلماء ليسوا المحركين الرئيسيين فى فريق العمل المشترك بين الوكالات التى تم إنشاؤها للتعامل مع استجابة الأمة الوبائية، ويكمل: «لا يُعامل العلماء والأطباء على قدم المساواة، فهناك أصحاب المصلحة الذين يتنافسون مع مصالح رجال الأعمال الذين يريدون إعادة فتح الاقتصاد».

ويعتقد راى وزملاؤه أنه إذا لم يتم فعل أى شىء لدعم النظام الصحى المتعثر فى البلاد، يمكن أن تمضى الفلبين فى طريق الهند وهي غير مستعدة لذلك نظرا لأنها تعاني نقصا مروعا فى الموارد، خاصة العاملين فى مجال الرعاية .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق