رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فشل مبادرة ميركل فى عقد قمة أوروبية مع بوتين يؤكد تراجع نفوذها..
أوروبا تبحث عن زعيم

رسالة لندن منال لطفى
> فشل ‎مبادرة القمة الأوروبية ــ الروسية رغم جهود ميركل

 عادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من القمة الأوروبية، بمذاق مر تختتم به قيادتها للمشروع الأوروبى على مدى 16 عاماً. فقد أخفقت ميركل ومعها الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون، فى إقناع باقى دول الاتحاد الأوروبي، بعقد قمة أوروبية مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين.

الإخفاق الألماني-الفرنسى يؤكد التراجع فى نفوذ ألمانيا وأنجيلا ميركل، ويرسل إشارة مثيرة للقلق للحليف عبر الأطلنطى الرئيس الأمريكى جو بايدن، الذى كان يدعم عقد القمة الأوروبية -الروسية كى يواصل حلفاؤه فى أوروبا فتح الملفات الصعبة مع روسيا، لدعم مساعى واشنطن لمعالجة تلك القضايا الإشكالية.

 أما بالنسبة لميركل، فالإخفاق له طعم أكثر مرارة بسبب التوقيت. فقد شعرت المستشارة الألمانية بأن قمة الاتحاد الأوروبى الأسبوع الماضي، كانت فرصتها الأخيرة لوضع التكتل الأوروبى على مسار الحوار مع روسيا، ومعالجة القضايا الأمنية الدولية بشكل أكثر نشاطا، قبل أن تخرج ميركل من المسرح السياسى الدولي.

وفى "عتاب دبلوماسي" علنى نادر ضد زملائها الأوروبيين، لم تخف ميركل خيبة أملها من فشل مبادرة أول قمة أوروبية -روسية، منذ ضمت روسيا شبه جزيرة القرم 2014. فقد قالت ميركل إنها "حزينة" لأن زملاءها من قادة الاتحاد الأوروبي، أفشلوا فكرتها، موضحة: "لقد أظهرنا أننا لا نثق فى بعضنا كثيرًا".

لكن كثيرا من القادة الأوروبيين ردوا، أن المسألة ليست "ثقة فى بعضنا البعض"، ولكن الاستياء من السرعة الكبيرة التى تحركت بها ألمانيا ومعها فرنسا، للترتيب للقمة مع بوتين قبل فترة قصيرة جدا من القمة الأوروبية. ففى رأيهم، شاب المبادرة الهرولة وعدم التشاور المسبق بفترة كافية مع باقى دول الاتحاد الأوروبي، والتقليل من الشكوك فى روسيا، خاصة لدى دول البلطيق وشرق وشمال أوروبا، ثم خسارة المانيا جزءا من قدرتها على إقناع حلفائها، بسبب مشروع "نوردستريم 2" الألمانى -الروسي، لنقل الغاز الروسى إلى ألمانيا مباشرة. وبسبب تلك السرعة، وصف دبلوماسيون المباردة بأنها "معدة بشكل سيئ" و "مثل برق خاطف من السماء".

 هدية بلا مقابل

وبدلا من محاولة إقناع الدول المتشككة، مثل هولندا ودول البلطيق، بجدوى اللقاء مع بوتين، بدأت ميركل بالتحدث إلى فرنسا، بالرغم من أن ماكرون يدعم الفكرة، خاصة بعد محادثاته الثنائية مع بايدن خلال قمة السبع الصناعية. وقالت فرانزيسكا برانتنر، المتحدثة باسم حزب الخضر فى أوروبا: "المشكلة هى أنه بسبب نوردستريم 2 فقدت ألمانيا كل مصداقيتها كممثلة للمصالح الأوروبية... بعض الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى تتساءل حقًا عما إذا كانت الحكومة الألمانية تعمل لمصلحة أوروبا أم فقط لمصالح الشركات الألمانية". المنتقدون للقمة مع روسيا جادلوا أيضا بأن ماكرون حاول "الدبلوماسية الشخصية" مع بوتين على مدى العامين الماضيين دون جدوى. كما حافظت ميركل على اتصالات مع بوتين، دون أى تغيير يذكر فى السلوك الروسي.

أما رئيس الوزراء الهولندى مارك روتي، فقال إن قمة أوروبية-روسية هى "هدية كبيرة لبوتين بلا مقابل لأوروبا"، أخذا فى الاعتبار أن الرئيس الروسى لم يقدم تنازلات فى أى من الملفات التى سببت تدهور العلاقات الأوروبية-الروسية.

ومع ذلك، أكد روتي، حليف ميركل على مدى سنوات طويلة، إن اخفاق مبادرة ميركل "لن ينال بأى حال من الأحوال" من إرثها السياسى فى المشروع الأوروبي.

تهمة تقديم "تنازلات مجانية" لروسيا كانت أكثر ما أثار انزعاج ميركل، التى قالت فى مؤتمر صحفى بعد القمة: "أريد أن أوضح أن مثل هذه المحادثات مع الرئيس الروسى ليست نوعًا من المكافأة". كما أصرت على أن مبادرة القمة الأوروبية-الروسية ليست "بداية جديدة" فى العلاقات بين الاتحاد الأوروبى وروسيا، بل أداة للحوار لحل النزاعات المتفاقمة، موضحة:"حتى فى الحرب الباردة... كانت لدينا دائمًا قنوات اتصال".

كما أشارت إلى أن الذى دفعها إلى دعم فكرة عقد قمة أوروبية- روسية، هو مشهد قمة بايدن مع بوتين فى جنيف هذا الشهر، برغم كل الخلافات الروسية -الأمريكية. وقالت ميركل إنه بالنظر إلى أن أمريكا وروسيا اتفقتا على إطار عمل "لمناقشة جميع القضايا الخلافية" فى علاقتهما... فإنه فى ظل هذه الظروف، سيكون من المنطقى ايجاد صيغ للاتحاد الأوروبى للتحدث مع روسيا أيضا".

هذا المنطق الألماني-الفرنسى لم يكن بلا مؤيدين داخل أوروبا، فدول مثل إيطاليا وإسبانيا لم تمانع فى فتح حوار مع موسكو لحل القضايا العالقة. وفى ألمانيا حظيت مبادرة ميركل أيضا بدعم شريكها الأصغر فى الائتلاف، «الاشتراكيون الديمقراطيون»، على أساس أن الحوار مع المنافسين الاستراتيجيين يساعد الاتحاد الأوروبى على أن يصبح لاعبا رئيسيا فى الشئون الدولية والتحديات السياسية والأمنية، كما قال أولاف شولتز، وزير مالية الحزب الاشتراكى الديمقراطي. وفى نظر هذا التيار داخل الاتحاد الأوروبي، فإن تدهور العلاقات مع موسكو واستمرار الخلافات حول قضايا من بينها ضم القرم، والممارسات فى شرق أوكرانيا، والتدخل فى الانتخابات، والهجمات الإلكترونية وملف حقوق الانسان، كلها تعزز الحاجة لعودة الحوار الاستراتيجى الأوروبي-الروسى المتوقف منذ 2014.

وفى رأى هؤلاء، فإن حادثة إطلاق البحرية الروسية نيران مدفعية تحذيرية على مدمرة بريطانية كانت تمر فى البحر الأسود قبل أيام، هو حجة قوية لضرورة بدء الحوار مع روسيا. فهذه اول مرة منذ سنوات يحدث فيها احتكاك عسكرى بين روسيا ودول عضو فى حلف الناتو. وما حدث هو أن المدمرة البريطانية «إتش أم إس» مرت فى المياه الدولية بمحاذاة شبه جزيرة القرم التى ضمتها روسيا 2014، وتعتبرها الآن مياها روسية لا يحق للمدمرة البريطانية المرور عبرها دون إذن وإخطار من روسيا. فقد اقتربت الطائرات المقاتلة وسفن خفر السواحل بشكل خطير من المدمرة البريطانية. وردت بريطانيا أن المدمرة كانت فى المياه الدولية، وردت روسيا بأنها فى الواقع كانت فى المياه الروسية. الحادثة انتهت دون أضرار، لكن أى حوادث مماثلة فى المستقبل، يمكن أن تتفاقم وتسبب تدهورا أمنيا لا يحتمله أحد، ومن هنا الحاجة للحوار مع موسكو.

 وداع تشوبه ظلال الخلافات

وفى كل الحالات ألقى الخلاف العلنى بظلاله الكثيفة على إحدى قمم الاتحاد الأوروبى الأخيرة لانجيلا ميركل، المقرر أن تتنحى هذا العام بعد 16 عاما من عملها كمستشارة. فلم تكن الأجواء والخلافات وفشل مبادرتها بمثابة "الوداع الحميم" الذى تمناه الكثيرون، للسيدة التى تركت بصمات قوية على المشروع الأوروبى وقادته فى ظل أجواء عاصفة، خاصة خلال أزمة المهاجرين وعملية البريكست ثم ولاية الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، الذى لم يكن صديقا للمشروع الأوروبي.

لكن مصدر ضيق ميركل وماكرون، لن يكون فقط أجواء الخلافات خلال القمة، ففى تقييم ألمانيا وفرنسا كان رفض مبادرة القمة الأوروبية-الروسية بمثابة "فرصة ضائعة" لتعزيز الانخراط الأوروبى فى مواجهة التحديات الأمنية العالمية مع أمريكا تحت قيادة بايدن.

فبينما تواصل ألمانيا وفرنسا الحوار مع موسكو عبر قنوات العلاقات الثنائية، فإنه كان من المنطقى فى نظر برلين وباريس، أن يتحدث الاتحاد الأوروبى إلى موسكو "بصوت واحد".

فدون تحركات ومبادرات أوروبية قوية فى ملفات صعبة مثل روسيا والصين، لن يستطيع الاتحاد الأوروبى لعب دور إلى جانب واشنطن فى تلك الملفات، وهذا ما كان يريده ماكرون وميركل.

وبالرغم من أن المستشارة الألمانية امضت كل وقتها خلال القمة، فى محاولة إقناع باقى الزعماء بمنطق أن "الحوار أفضل وسيلة لحل القضايا الصعبة فى روسيا"، فإن إخفاقها يؤكد أن قوتها آخذة فى التضاؤل.

خاصة أن مبادرة اللقاء مع بوتين، كانت ثالث مبادرة لميركل تتنهى بالفشل خلال الأشهر الأخيرة. ففى مارس الماضي، جمد البرلمان الأوروبى صفقة استثمارية كبيرة بين الاتحاد الأوروبى والصين، كانت قد أيدتها ميركل بقوة بعد أن فرضت الصين عقوبات على خمسة أعضاء فى البرلمان الأوروبي، بسبب انتقاداتهم لأوضاع حقوق الإنسان فى الصين.

وقبل أيام، رفضت غالبية الدول الأوروبية مقترح ميركل، بإخضاع المسافرين القادمين من بريطانيا للحجر الصحى بسبب تفشى الفيروس المتحور من كوفيد- 19 "متغير دلتا". وقاومت الدول التى تعتمد فى اقتصادها على السياحة، مثل إسبانيا والبرتغال المقترح الألماني، الذى دعمه ماكرون، بسبب آثاره الاقتصادية.

هذه الضربات الموجعة للمستشارة الألمانية، تترك أسئلة صعبة حول قوة وحدة الاتحاد الأوروبي، وتوازن القوى فيه، ودور ألمانيا بعد ميركل، ودور فرنسا فى المشروع الأوروبي، بعد غياب ميركل. فالمحور الفرنسي-الألمانى أو "قاطرة" الاتحاد الأوروبى معرض لخطر الضعف، إذا لم يجد ماكرون فى الزعيم الذى سيخلف ميركل شريكا قويا لدعم التوجهات الألمانية -الفرنسية، بتقوية الاتحاد الأوروبى كلاعب على المسرح الدولي، عبر تعزيز قدراته العسكرية المستقلة وسياساته الخارجية. وفى إطار هذا التوجه يدعم ماكرون تقوية الذراع العسكرية للاتحاد الأوروبي، بعيدا عن حلف الناتو، كما يدعم مبادرات تعزيز الاندماج السياسى داخل الاتحاد الأوروبي، لكن دول شرق وشمال أوروبا أقل حماسا لتعزيز الاندماج السياسى والعسكرى داخل الكتلة الأوروبية، وهو ما يترك أحلام ماكرون باتحاد أوروبى قوى ولاعب كبير على المسرح الدولى إلى جانب أمريكا والصين فى مهب الريح، خاصة بعد غياب ميركل عن المسرح السياسى خلال أشهر.

وما يزيد الأمور تعقيدا بالنسبة لطموحات ماكرون، هو أن هولندا، باتت تلعب الدور الذى كانت تلعبه بريطانيا قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهو الوقوف ضد بعض مبادرات الاندماج العسكرى والسياسى الأوروبي، التى تراها برلين وباريس "حتمية" للمضى قدما فى مشروع تعزيز دور الاتحاد الأوروبى كلاعب على المسرح الدولي.

رغبة باريس وبرلين فى إعادة الاتحاد الأوروبى إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية، مع منافسين استراتيجيين مثل روسيا والصين، أمر مفهوم  إذا أراد التكتل الأوروبى أن يُنظر إليه على أنه قوة جيوسياسية إلى جانب أمريكا، لكن المعضلة الكبيرة أمام هذا الطموح، هى الانقسامات الأوروبية من ناحية، وعدم وجود الزعامة التى يلتف حولها الأوروبيون. من ناحية أخرى وسيحاول ماكرون بعد مغادرة ميركل لعب هذا الدور القيادي. لكن عليه أولا ان ينجح فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وإذا استطاع ضمان ولاية رئاسية أخرى فى الإليزيه، فإنه قد يستطيع أن يقود المشروع الأوروبى وأن يملأ الفراغ الكبير الذى ستتركه ميركل بعد غيابها عن المسرح السياسي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق