رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«موسكو - تل أبيب» وثائق تكشف كيف دعم السوفيت إسرائيل قبل وبعد تأسيسها

هبة عبد الستار
جولدا مائير والسفير السوفيتي في تل أبيب عام 1964

فى كتابه «لماذا أنشأ ستالين إسرائيل»؟، قال الكاتب اليهودى الروسى الشهير ليونيد مليتشينوفيه «لم تكن إسرائيل لتظهر إلى الوجود، لو لم يكن ستالين أراد قيامها».. التقط ذلك د.سامى عمارة، الذى يعيش ويعمل فى موسكو مراسلا صحفيا منذ أكثر من 50 عاما، ليتتبع ويوثق دور الاتحاد السوفيتى فى قيام إسرائيل ودعمها، من قبل تأسيسها، فى كتابه «موسكو- تل أبيب: وثائق وأسرار»، الصادر عن نهضة مصر، الذى اعتمد فيه على وثائق وزارة الخارجية الروسية، وشهادات شخصيات سوفيتية بارزة، ليثبت أن الدعم السوفيتى لإسرائيل لم يسبق فقط الدعم البريطانى لها عبر وعد بلفور بل كان تأثيره أقوى على تثبيت دعائمها.

الكتاب الذى بين أيدينا هنا يكشف الدور الذى قام به الزعيم السوفيتى يوسف ستالين فى دعم إسرائيل بالمال والبشر والسلاح، فى تناقض مع ما هو شائع بشأن الدور البريطانى بذلك . كما كان الاتحاد السوفيتى أول من اعترف بدولة إسرائيل اعترافا قانونيا كاملا فى 18 مايو 1948 حتى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية .ويستشهد بما قاله موشيه شاريت، وزير خارجية إسرائيل، حين خرج من اجتماعه مع نظيره السوفيتى أندريه فيشينسكى وياكوب ماليك، المندوب السوفيتى الدائم فى الأمم المتحدة عام 1949، «إن موسكو ليست مجرد حليف، بل إنها الممثل الشخصى لإسرائيل».

يرصد عمارة قصة البديل الأول للوطن المقترح لليهود بعيدا عن فلسطين، حيث خطط ستالين إلى منح شبه جزيرة القرم لليهود ثمنا لتسوية مالية رهن بمقتضاها ستالين الجزيرة لضمان سداد ديون لليهود بقيمة 20 مليون دولار مستحقة على نظامه من إرث سابقه لينين. لكنه غير رأيه عندما واجه ثورة وغضب من سكان القرم الذين شنوا هجوما على قطارات اليهود وأجبروها على العودة من حيث أتت بمن عليها، فخشى ستالين من حدوث اضطرابات بالاتحاد السوفيتى لذا دعم بشدة لاحقا تأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين وتنفيذ وعد بلفور لليهود كى ينقذ بلاده . كما وافق على ترحيل أكبر عدد من اليهود إلى فلسطين وتسليحهم بما حصل عليه بأسلحة ألمانية، جرى تقديمها إلى يهود فلسطين خصما من ديون الاتحاد السوفيتى المستحقة للوكالة اليهودية الأمريكية. يلفت عمارة إلى أن الدعم العسكرى السوفيتى الفعلى لإسرائيل كان قبل إعلان اليهود لتأسيس دولتهم إسرائيل بثلاثة أشهر تقريبا.


بعد قرار تقسيم فلسطين اتخذت موسكو موقفا يتسم بالتواطؤ أحيانا والدعم المباشر أحيانا أخرى حين أصدرت تعليماتها إلى ممثليها من تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا بالتوقف عن أى مساعدات للبلدان العربية، على ضوء ما ورد إلى موسكو من معلومات حول تعاقد تشيكوسلوفاكيا على بيع الأسلحة مع الحكومة السورية، والتحول نحو إمداد إسرائيل بما تحتاجه من أسلحة، بما فى ذلك الطائرات والدبابات.فما إن أصدرت الأمم المتحدة قرارها حول تقسيم فلسطين حتى تدفقت الأسلحة عبر جسر جوى من تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا إلى فلسطين بإيعاز وتأیید موسكو. يكشف ذلك ما قاله أبا إيبان، أول مندوب دائم لإسرائيل فى الأمم المتحدة، أنه «لولا صوت الاتحاد السوفيتى وحلفائه أوكرانيا وبيلاروس وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، وما قدمه إلينا من أسلحة عبر حلفائه فى المعسكر الشرقى، لما استطعنا الصمود دبلوماسيا ولا عسكريا»، وذلك فى توقيت لم تكن الولايات المتحدة حسمت موقفها بعد من تأييد اليهود فى فلسطين وخارجها.

يتتبع عمارة الدور الذى قام به إيفان میخائیلوفيتش مايسكى، أول سفير للاتحاد السوفييتى السابق فى إسرائيل، وكذلك جولدا مائير، أول سفيرة لإسرائيل بالاتحاد السوفيتى، فالأول دعم التحركات فى سبيل إصدار وعد بلفور وتنفيذه، وتماشى مع نية اليهود بإعادة توطين العرب بعد ترحيلهم إلى العراق أو شرق الأردن للتخلص منهم ولإعطاء الفرصة لليهود ليحلوا محلهم، بينما هندست الثانية الكثير من عمليات هجرة اليهود السوفيت إلى إسرائيل وإمدادها بكل ما تحتاجه من دعم سوفييتى خلال تواجدها بمنصبها.

كان علماء الفضاء اليهودالسوفيت الذين هاجروا إلى إسرائيل من أهم دعائم تقدمها التكنولوجى والعلمى فما قدمته روسيا من كوادر بشرية علمية لإسرائيل يقترب عددهم من المليون نسمة فى تسعينيات القرن الماضى وحدها، من أبرز أسباب الطفرة التكنولوجية التى حققتها إسرائيل وتجنى ثمارها اليوم . مما يؤكد واحدة من الأفكار الرئيسة لهذا الكتاب والتى تقول إن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من العلاقة مع الاتحاد السوفيتى، مشيرا إلى أن المهاجرين السوفيت استطاعوا التأثير على السياسة الخارجية السوفيتية، ثم الروسية، حيث استطاع الإسرائيليون الاستفادة من اتصالاتهم مع المسئولين فى الاتحاد السوفيتى ثم فى روسيا، والحصول على معلومات ضخمة من حيث الكم والكيف عن الوضع السياسى والاجتماعى والاقتصادى فى روسيا، حتى إن المخابرات المركزية الأمريكية كانت تحسدهم على ذلك. وكان على القادة الروس عدم إغضاب إسرائيل سواء فى الدوائر المالية والاقتصادية أو فى وسائل الإعلام.

تغيرت العلاقات الوثيقة بين الطرفين عندما تعززت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أكثر، ليقطع البلدين علاقاتهما الدبلوماسية مرتين، الأولى فى فبراير عام 1953 فى أعقاب التفجيرات ضد السفارة السوفيتية فى تل أبيب. لكن لم يستمر الانقطاع طويلا حيث عادت الأمور لطبيعتها بعد وفاة ستالين بأربعة أشهر. وكانت المرة الثانية فى العاشر من يونيو 1967 احتجاجا على عدوان إسرائيل ضد البلدان العربية. جاء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 بعد تأميمها قناة السويس، ليشكل مرحلة فاصلة فى تاريخ الدعم السوفيتى لإسرائيل وبدأت الكفة السوفيتية تميل باتجاه العرب ومصر. وصفت موسكو ما فعلته إسرائيل بكونه عدوانا غادرا على جيرانها العرب .

رفضت موسكو استقبال بن جوريون رئيس الحكومة الإسرائيلية كما رفضت ما طلبه فى يوليو 1958 من أسلحة ثقيلة ومقاتلات سوفيتية، مراعاة لردود أفعال البلدان العربية. وانحازت للزعيم المصرى جمال عبد الناصر بداية بإرسال مختلف أنواع الأسلحة، وألاف الخبراء العسكريين، لكن ذلك لم يمنع من استمرار موسكو فى محاولات تلمس سبل الاتصال غير المباشر مع إسرائيل بشكل سرى، من أجل استعادة مواقعها على خريطة السياسة الخارجية للشرق الأوسط، واستعادة زمام المبادرة التى ساهمت سياسات الرئيس المصرى أنور السادات فى تسليمه إلى الولايات المتحدة منذ اتخاذه قرار طرد الخبراء العسكريين السوفيت فى عام 1972م.

لا شك أن «موسكو ــ تل أبيب» كتاب مهم فيما يتضمنه من وثائق تكشف كواليس وتأثير التغيرات التاريخية فى العلاقات الروسية الإسرائيلية على الشرق الأوسط خاصة فى قضية تأسيس إسرائيل، والعلاقات العربية السوفيتية خلال الصراع العربى الإسرائيلى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق