رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سعدى يوسف صاحب الوصفة الأخيرة

سيد محمود;

يتنبأ الشعراء عادة بمشهد النهاية، يرسمون صورتهم فى الموت بدقة متناهية، هذا بالضبط ما فعله الشاعر العراقى سعدى يوسف الذى رحل الأحد الماضى. فقد سمى نفسه «الشيوعى الأخير» وتم دفنه فى المقبرة التى ضمت رفات كارل ماركس قبل ربع قرن كتب قصيدته رؤيا وتنبأ فيها بالنهاية قبرى وراءَ التلِّ يستبقُ القيامة /فى وحشةِ المنفى الأخير،/ وتستظلُ به حمامة

والبرد يُرجفنى؛ عراق عراق، ليس سوى عراق / وأنا العراق أو القيامة.

ليست هذه هى المفارقة الوحيدة فى مسيرته، لكنها تصلح مشهدا يلخص نهاية شاعر تمنى لو أنه دفن فى دمشق إلى جوار ابنه حيدر الذى مات شابا واستقر جثمانه قرب قبر شاعر عراقى آخر أحبه العراقيون جميعا هو محمد مهدى الجواهرى.

لم يقبل سعدى فى أيامه الأخيرة عرضا قدمته السلطة العراقية لمعالجته على نفقة العراق، واحتفظ بصورة المعارض الرافض لكل ما جاء عقب الغزو الأمريكى لبلاده واختلف مع رفاق تجربته السياسية ولم يشأ أن يعطى شرعية لمسار عارضه منذ البداية.

وعلى الرغم من تغير الأنظمة التى حكمت بلده المكلوم الا أنها توحدت خلال تعاقبها فى تبنى نفس الموقف من سعدى الذى أبقى على تمرده، وآثر الإخلاص لانتمائه السياسى اليسارى و مزاجه الشعرى الذى جعله إماما للشعراء الصعاليك و أيقونة من أيقونات التمرد والغضب.

يقول سعدى «حظنا، أيتها النخلة أن نهتز إن مرت بنا عاصفة / أن نقوى مع الريح ولا نهوى.. لنهوى / حظنا أن ننشد الماء وأن يحرقنا الضوء وحظنا أننا نعطى، ولا نعطى وحظ أننا نلبس ما ننسجه حسب، وحظ أن ما يجمعنا والنجم حب.. أتراها نعمة أم نقمة.. لا بأس، إنا، لم نزل أيتها النخلة أبهى واقفين «2000» وخلال العقدين الأخيرين، كانت قصائده التى انهمرت بغزارة، أقرب ما تكون لمرثيات، ظل يكتبها لوداع المنافى الكثيرة التى عاش فيها. وربما ليؤكد فى نفس الوقت ارتباطه بالعراق الذى اضطر لمغادرته منذ العام 1963 فى هجرات متعاقبة كرست لسمة غلبت على شعره تتعلق بطغيان «فكرة الاغتراب» التى درسها الناقد رضا عطية فى رسالته للدكتوراة وانتهى إلى القول: إن الذات فى قصائده تعانى أكثر من نوع من الاغتراب، سواء كان الاغتراب الماركسى المتعلق بما ينتج عن الصراع الطبقى أو الاغتراب الوجودى حين تعانى الذات من عزلتها الكونية وما يشوب ذلك من حس رومانسى نزعة تشاؤمية عدمية أحيانا.

وفى شعر سعدى أيضا تجلى الاغتراب بالمفهوم النفسى حيث تشعر الذات الشاعرة بانقسامها وتناقضاتها وتبقى كما يعبر عطية «خارج المكان» لتصبح الكتابة عنده وسيلة مقاومة وأداة لمواجهة الموات «راجع الاغتراب فى شعر سعدى يوسف، هيئة الكتاب 2017».

يفتقد المكان فى قصيدة سعدى رسوخه ويتحول إلى فضاء عابر يتقصى الشاعر زواله بتأمل مظاهر الطبيعة، كما فى ديوانه: «نهايات الشمال الإفريقى 1972 ثم فى قصيدته الشهيرة: «بغداد الجديدة 1975».

ويلاحظ قراء أعمال الشاعر التى تجاوزت الأربعين عملا شعريا، و امتدت لما يقرب من ستة عقود أن أغلبها كتب خارج العراق، وعلى الرغم من ذلك يترسخ فيها معنى الوطن الحاضر كدال شعرى فاعل، يتمثل فى الكثير من المجازات والاستعارات التى تشمل كل ما نعرفه عن العراق «الأنهار والأساطير والرموز الطوطمية» وهى أيضا مدونة شعرية لألم العراق وتشظيه ومصدرها التماعات الذاكرة.

ومن اللافت أن سعدى لم يشأ أبدا حصر ارتباطه بالوطن خلف دوافع «الحنين»، إذ ظلت نظرته أبعد وأعمق من ذلك، تقاوم معانى «النوستالجيا» بما تجلبه معها من تصورات رومانسية مناقضة لوعيه المؤسس على رؤية للعالم تدرك طبيعة قوانين الصراع السياسى والاجتماعى داخل وخارج بلاده.

وعلى صعيد فنى تصلح تجربة سعدى للنظر فيها كمرآة كاشفة عن تحولات القصيدة العربية عبر أكثر من نصف قرن ولعلها التمثيل الأمين لعمق هذه التحولات، فقد بدأ صاحبها شاعرا عموديا وتحول لكتابة شعر التفعيلة وكتب قصيدة النثر ومزج فى نصوصه الأخيرة بين أكثر من نمط كتابى وكانت أقرب إلى كولاج يلائم نظرته لنفسه حين رأى أنه حفيد «امرئ القيس».. وسلك فى الشعر وفى الحياة نفس مسلك شاعره القديم وخالف الكثير من التقاليد الفنية المستقرة، ورفع مع مجايليه رايات التمرد، لكنه غامر بتأسيس شعرية جديدة، ترفع من شأن التفاصيل اليومية العابرة، وتنفر من شعرية الصخب وترسم ملامح لما اسمته الناقدة العراقية الكبيرة فاطمة المحسن بـ «شعرية النبرة الخافتة» حين قاربت تجربة سعدى يوسف انطلاقا من هذا المفهوم الذكى.

كانت القصائد البدايات ذات سمات رومانسية مترددة، كما قصيدة «شوق» التى فيها يقول: «خجلان أسأل عنك يا أمى لكى أهديك زهرة 1957»، كما تجلت قناعاته السياسة فى قصائد أخرى أبرزها: «القتلى يسيرون ليلا» 1960.

ولعل ديوانه «قصائد مرئية 1965» هو نقطة البداية لتأكيد صوته الخاص وأهم ما يمكن تأمله فى تلك المرحلة طريقته المبهرة فى كتابة الجملة الأخيرة التى تبدو كضربة فرشاة،تؤكد رهانه على المشهدية الخاطفة.. ورغم هيمنة فكرة الالتزام السياسى الا أن سعى الشاعر لتنمية السؤال داخل شعره،جعلت نصوصه على تماس مع الهموم الوجودية وبصورة أكثر خفة بالمعنى الجمالى.

نجح سعدى عند سبعينيات القرن الماضى فى ابتكار وصفة كانت الأكثر تأثيرا على شعراء الأجيال التى باشرت الكتابة فى الثمانينيات حيث تصرف فى الوزن وغامر فيما يسمى بـ «التدوير» وتدريجيا تسربت النبرة السردية لنصوصه و جاءت الانطلاقة الكبرى مع ديوانه: «الأخضر بن يوسف ومشاغله 1972» إذ تجلت قصيدة القناع التى تكرست معها وصفته تماما وهى الوصفة التى وصلت سقفها فى «مجازر وسبعة أبواب «وديوانه» محاولات 1990» وما جاء بعدها أقرب لإعادة صياغة وكولاج لعوالم متنوعة ومتناقضة أحيانا للحد الذى يبدو معها الحذف ضروريا.

ولكى ندرك حجم المنجز الفنى للشاعر الراحل، علينا أولا: أن نتأمل مغامرة اختلافه على ضوء السياق التاريخى، الذى تمردت قصيدته عليه، وغيرت مسارها، فقد ولدت نصوصه فى ذروة صعود قصيدة المشروع القومى التى تبناها شعراء الجيل الأول لقصيدة التفعيلة وعلى رأسهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة لكن سعدى انحاز لما يمكن تسميته بشعرية «الصمت» التى تجلت ملامحها بوضوح عند صلاح عبدالصبور وأخذها مع ميلاد قناعه الشعرى فى ديوان «الأخضر بن يوسف» الى ضفاف جديدة تمثل انعطافة رئيسية من بين أبرز انعطافات الشعر العربى.

انتبهت قصيدة سعدى فى صعودها لشعرية «التفاصيل» واستثمرت فى الطابع اليومى وعززت النزعات الفردية بعد سنوات من طغيان فكرة التعبير عن الجماعة، وامتد تأثير «وصفة سعدى» حتى على مجايليه من الشعراء وخاصة محمود درويش الذى كان لا يتردد أبدا فى إعلان إعجابه بشعرية سعدى يوسف واعتبارها الأكثر تأثيرا على تجربته الشعرية. ويؤكد دارسو أعمال سعدى أن سعيه للمغامرة ناتج عن ثقافة رفيعة واطلاع واسع على نماذج عالمية راسخة قدمها للقراء عبر ترجمات اختارها مبكرا، قامت على تأكيد فكرة التنوع واللجوء لإبداعات من مختلف بلدان العالم، كسرت التبعية الذهنية للغرب وساهمت فى تغيير ذائقة أجيال من القراء بفضل ما اكتشفوه مع أعمال والت ويتمان، يانيس ريتسوس قسطنطين كفافيس أونجاريتى، من آفاق جديدة إضافة إلى المعانى التى كرستها النصوص السردية والفكرية التى قدمها من أعمال جورج أورويل وهنرى ميللر و، ف. س. نايبول و اليابانى كينزابورو أوى اليابانى.

مات سعدى وتأكدت فكرته بوضع شعره فى الزمن المطلق فهو من وصف نفسه: «فى بغداد علمت الصغار تدرج النيران / كنت أريد أجنحة وطرت، كأن اسمى الطائر الجواب».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق