رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خلافات تخيم على الأجواء بسبب «حرب السجق» بين لندن وبروكسل

رسالة لندن منال لطفى
الود والحميمية انعكست في كل اللقاءات التى جمعت بايدن وماكرون

  • جونسون «يفخخ» قمة السبع الصناعية

لم تكن قمة السبع الصناعية، التى عُقدت على السواحل الخلابة لسانت آيفز بمنطقة كورنوال فى انجلترا، قمة «الأسرة السعيدة» كما كان يتمنى مضيفها رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون.

فالقمة، وهى الأولى التى يحضرها الرئيس الأمريكى جو بايدن منذ انتخابه والأولى التى تجرى وجها لوجه بين قادة السبع الصناعية منذ جائحة كورونا، شابتها خلافات مريرة بين جونسون وقادة الاتحاد الأوروبى حول تطبيق بروتوكول أيرلندا فى اتفاقية البريكست. وبالتالى سيطرت على الأجواء شوائب الخلافات والعناوين السلبية بالرغم من أن البريكست ليس على جدول أعمال قمة السبع الصناعية، ما دعا صحيفة «الجارديان» البريطانية لإعلان أن جونسون «فخخ» قمة السبع الصناعية بتركه الخلافات العلنية تتصاعد بطريقة خرجت عن السيطرة، وصبه الوقود على النار باستخدامه لغة مشتعلة.

باختصار تحولت القمة التى كان جونسون يأمل من خلالها فى إبراز «بريطانيا العالمية» كقوة قادرة ومستقلة على المسرح العالمى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبى إلى اشتباك مرير بين بريطانيا وجيرانها الأوروبيين.

الصور لا تكذب

وعكست صور جونسون مع الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون بعض التوتر المكتوم تحت السطح والابتسامات المصطنعة، على عكس صور ماكرون مع بايدن التى ظهر فيها الود والحميمية. فبعدما أنفق جونسون طاقة كبيرة للتودد للرئيس الأمريكى لاحظت الصحافة البريطانية أن بايدن كان أكثر انشراحا مع ماكرون. وأنه مثلاً خلال التوجه لأخذ الصورة الجماعية التذكارية للمشاركين فى قمة السبع، احتضن بايدن ماكرون بحرارة عندما أدار جونسون ظهره. ثم وضع كلاهما يده على ظهر الآخر وبدأ فى تبادل أطراف حديث ودى. وعندما لاحظ جونسون أن بايدن وماكرون يسيران معاً أبطأ خطواته منتظراً من بايدن وماكرون اللحاق بركب المجموعة لالتقاط الصورة الجماعية.

ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى يحتل فيها جونسون المركز الثانى فى اهتمام الرئيس الأمريكى. فخلال اللقاء بين بايدن وزوجته جيل مع جونسون وزوجته الجديدة كارى سيمونز، أخبر بايدن جونسون أن «ينتظر دقيقة» حتى يصافح كارى أولاً ويتبادل معها التحية.

وفى زمن كورونا وبعدما أصبحت المصافحة باليد ترف من الماضي، باتت ملامسة المرفق هى الطريقة الجديدة للتحية الآمنة.

لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مدت مرفقها على مضض وبسرعة خاطفة لمصافحة جونسون وسط التوترات مع لندن.

وما ألقى بمزيد من الملح على جراح جونسون أن الرئيس الأمريكى دعا ميركل لزيارة البيت الأبيض خلال الصيف الحالى لتكون أول زعيم أوروبى يستضيفه فى البيت الأبيض منذ تولى مهام منصبه. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، إن ميركل ستجرى محادثات مع بايدن فى البيت الأبيض منتصف يوليو لتأكيد «العلاقات الثنائية العميقة» بين الولايات المتحدة وألمانيا.

وهذه لطمة لجونسون الذى كان يأمل فى أن ينال هذا الشرف خاصة بعدما ابتدع خلال القمة مصطلحا جديدا للعلاقات بين لندن وواشنطن وهو «العلاقات غير القابلة للكسر» فى ضوء عدم تحمس جونسون المعروف لتعبير «العلاقات الخاصة» الذى يرى أنه يصور لندن مثل تابع أكثر منها شريكا لواشنطن.

ونفى «داوننج ستريت» أن جونسون أصيب بخيبة أمل من جراء دعوة ميركل قبله لزيارة البيت الأبيض. لكن من المؤكد أن القرار ترك مذاقا مرا لديه، خاصة أنه لم يتم الإعلان عن أى خطط لزيارة جونسون للبيت الأبيض ما يعنى أنه لم تتم دعوته بعد لزيارة أمريكا.

لكن أكثر ما سيثير جزع جونسون هو أن الرئيس الأمريكى يغادر القمة وهو غير راض تماما بسبب الخلافات التى ظهرت بين بريطانيا وجيرانها الأوروبيين. فهذا كان آخر ما يريده الرئيس الأمريكى الذى كان يأمل فى تقديم «صورة مثالية» للوحدة داخل المعسكر الغربى استعدادا للمهمة الأساسية الأصعب التى جاء من أجلها بايدن وهى «تطويق الصين».

حدود جمركية بين تولوز وباريس!

الخلافات كانت من صنع جونسون الذى دخل فى معارك ساخنة خلال القمة مع ضيوفه ماكرون، وميركل، ورئيسة المفوضية الأوروبية أرسولا فون ديرلاين، ورئيس المجلس الأوروبى تشارلز ميتشيل، حول تطبيق بروتوكول ايرلندا الشمالية المرفق باتفاقية البريكست. فبريطانيا لا تريد الالتزام بنصوص البروتوكول الذى يفرض تفتيش منتجات اللحوم الطازجة القادمة من بريطانيا لجزيرة ايرلندا الشمالية مع تزايد المخاوف من أن هذا يخلق أمر واقع سياسى واقتصادى جديد يقوم على وضع عوائق جمركية وبيروقراطية أمام انتقال المنتجات والسلع من المملكة المتحدة لجزيرة ايرلندا الشمالية وهى جزء من الأراضى البريطانية لكن ظلت بموجب اتفاقية البريكست فى إطار السوق الأوروبية الموحدة لحماية اتفاق «الجمعة الطيبة» الذى يمنع إقامة حدود بين شطرى جزيرة ايرلندا الشمالى وجمهورية ايرلندا الجنوبية وهى دولة عضو بالاتحاد الأوروبى.

وأمام حجة لندن أنه لا داعى لتفتيش المنتجات المتجهة من المملكة المتحدة لايرلندا الشمالية لأن بريطانيا لن تقلص معاييرها الغذائية ولا قواعدها الصحية، ردت بروكسل إن لندن تتفاوض حالياً على اتفاقيات تجارة حرة مع دول من بينها استراليا التى تستخدم طرقا للزراعة وتربية الماشية لا تتماشى مع قواعد السوق الأوروبية الموحدة وان تطبيق بروتوكول ايرلندا الشمالية هو الضمانة الوحيدة لحماية السوق الأوروبية من ناحية وحماية اتفاق «الجمعة الطيبة» من ناحية أخرى.

ودفعت «حرب السجق»، كما باتت تعرف فى الصحافة البريطانية، جونسون إلى التهديد مجددا بتعليق بروتوكول أيرلندا الشمالية وعدم تطبيقه، فرد قادة أوروبا بالتلويح بحرب تجارية شاملة وبعقوبات اقتصادية ضد لندن.

قبل ذلك كانت السفارة الأمريكية فى لندن قد أصدرت بياناً توبيخياً ضد لندن، فى خطوة نادرة بين الحلفاء، تحذر فيه من أن التوترات فى جزيرة ايرلندا تهدد اتفاق «الجمعة الطيبة» وهو موضوع شخصى وحساس جداً للرئيس الأمريكى ذو الأصول الأيرلندية.

الصين .. الغائب الحاضر

وبالرغم من أن قضايا القمة كانت عديدة ومتنوعة على رأسها التصدى لكوفيد 19، ووضع إستراتيجية دولية لمواجهة أوبئة المستقبل، والاحتباس الحراري، والاقتصاد، فإن القضية الأكبر التى ألقت بظلالها على كل هذه القضايا هى الرغبة الأمريكية فى تكوين تحالف دولى للتصدى للنفوذ الصينى المتزايد الذى تراه أمريكا تهديدا وجوديا لها على رأس النظام الدولى.

ولا عجب أن يكون أهم قرارين صدرا عن القمة متعلقين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بهدف واشنطن مواجهة الصعود الصينى دولياً.

القرار الأول هو تبنى مجموعة السبع خطة إنفاق ضخمة لتمويل مشروعات البنية التحتية فى الدول ذات الداخل المنخفض والمتوسط لمنافسة مبادرة الصين «الحزام والطريق» التى عززت نفوذ بكين الاستراتيجى فى كثير من دول العالم بسبب تمويلها مشروعات عملاقة للبنية التحتية من السكك الحديدية إلى الطرق والموان.

ومع ذلك، لا تزال تفاصيل كيفية التمويل غير واضحة. وقالت المستشارة الألمانية إن القادة المشاركين لم يتفقوا بعد على ميزانية المبادرة أو طرق التمويل أو أى جدول زمنى.

أما القرار الثانى المهم خلال القمة فهو تبرع دول مجموعة السبع بمليار جرعة من مصل كوفيد 19 فى اطار منافسة الصين فى «دبلوماسية اللقاح»، ووضع إستراتيجية دولية لمواجهة أوبئة المستقبل. وفى هذا الإطار أعلنوا عدداً من الأهداف من بينها التعاون لتقليص الوقت لتطوير اللقاحات والعلاجات والتشخيص لأى وباء مستقبلى إلى أقل من 100 يوم. وإنشاء نظام إنذار مبكر لاكتشاف الأوبئة وتبادل المعلومات بسرعة وشفافية.

لكن إعلان التبرع بمليار جرعة مجانية لمصل كوفيد ـ 19 قوبل بانتقادات. فالخطوة على الرغم من أهميتها، تأتى متأخرة وناقصة. فبريطانيا مثلاً التى تعهدت بالتبرع بـ100 مليون جرعة مجانية، لن تتبرع خلال هذا العام سوى بـ30 مليون جرعة، بينما الـ70 مليون جرعة الباقية سيتم تسليمها 2022. وهذا متأخر جداً لتطويق ومحاصرة الوباء، ما دعا مؤسسات خيرية دولية إلى مطالبة جونسون إلى البدء فى تقاسم جرعات اللقاح على الفور. وترى منظمة الصحة العالمية ضرورة تطعيم نحو 70% من سكان العالم فى أسرع وقت ممكن لمنع تحور المرض وانتشاره. وبالتالى ما تعهد به قادة السبع الصناعية مجرد «نقطة فى بحر».

معضلة جونسون

وبالتالى وبينما كان جونسون يأمل فى أن تقدم قمة السبع صورة «بريطانيا العالمية» بعد البريكست، فإن الصورة التى تصدرت الصحف الأمريكية والفرنسية والألمانية والبريطانية هى التراشق الحاد بين جونسون وماكرون وميركل وأرسولا فون ديرلاين.

وهذا التراشق المتوقع أن يزداد سخونة خلال الأيام والأسابيع المقبلة سيضع عقبة فى طريق تطوير علاقات جونسون وبايدن وصورة بريطانيا كشريك يمكن الثقة فيه. فالرئيس الأمريكى جاء إلى بريطانيا بعبارة أساسية وهى «احترام النظام الدولى القائم على القانون والمؤسسات وإحياء التعددية». وبالتالى يجد جونسون نفسه فى وضع دقيق وصعب عندما يعلن إنه يعتزم خرق القانون الدولى بشأن ترتيبات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى عبر تجميد بروتوكول أيرلندا الشمالية، منتقداً الاتحاد الأوروبى لأنه يأخذ القانون «بحرفيته».

لكن النص القانونى هو بالضرورة للتطبيق الحرفى ولا عجب أن تتزايد الانتقادات لجونسون من الداخل. فالعضوة البارزة فى حزب العمال ووزيرة خارجية حكومة الظل، ليزا ناندي، قالت معلقة على التوترات التى غطت على قمة السبع: «شهور من الإنكار والقيادة الضعيفة تعنى أن الحكومة تستضيف هذه القمة الحاسمة بينما هى عالقة فى حرب كلامية مع أقرب شركائنا على جانبى المحيط الأطلسى. هذا فشل دبلوماسى غير مسئول».

أما جوناثان باول، رئيس طاقم داوننج ستريت خلال فترة حكم تونى بلير فقال «إذا كنت تريد أن تكون لاعباً عالمياً، عليك أن تبدأ بأن تكون لاعباً فى منطقتك أولاً. وهذا صعب عندما تقرر الانسحاب». أما السفير البريطانى السابق فى واشنطن بيتر ويستماكوت، فلخص المأزق البريطانى الحالى بقوله «لم نعد فى الغرفة... نحن نستمع من الممر بالخارج».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق