رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عيد ميلاد عبدالحليم حافظ

منير عامر;

مع نسمات الصيف جاءت علامات الولادة للسيدة بهانة عماشة والدة هذا النجم الذى سطع فى حياتنا واسمه عبدالحليم حافظ وكان من المدهش والغريب أن الدموع تلمع كسحابات من حزن يحلم بقرب إشراقة سعادة ما, لكن السعادة ظلت سراب يلمع فى أفق الأيام لتأتى للحظات ضئيلة ثم ترحل. عن نفسى مازلت ألوم كل الأطباء فى مصر بالقاهرة ولندن وباريس والمغرب لأنهم لم يلتفتوا الى أن ألمانيا قد استفادت من التقدم العلمى فى الصين ووصلوا الى أجهزة يمكنها أن توقف نزيف المرئ هذا الذى هاجم عبدالحليم حافظ عبر مراحل العمر ليسرقه منا فى النهاية.

لا أنسى لحظة امتلاء شوارع الأسكندرية بملصقات تبشر بميلاد مطرب شاب إسمه عبدالحليم شبانه سيغنى وسترقص بنفس الحفل تحية كاريوكا. ولم يكن عبدالحليم قد قام بتغيير إسمه الى (عبدالحليم حافظ بدلا من عبدالحليم شبانة), وكلما سرت فى طريق كورنيش الأسكندرية من حى الشاطبى حتى حى جليم حتى أتذكر تلك المرارة التى دفعت عبدالحليم أن يسير من مسرح (قوتة) حتى حى جليم حيث فيلا محمد عبدالوهاب ليضغط على جرس الباب ويستقبله المطرب الكبير ليفاجئ بأن هناك شاب يطلب منه أن يستمع لصوته وهو يغنى.

أخطأ عبدالوهاب وظن أن الطارق الشاب يطلب إعانة أو تبرع ولم يلتفت الى أنه أمام موهبة تعانى من إشراقات الميلاد حيث قابلها الجمهور السكندرى بعدم تقدير لأن جمهور الصيف فى المسارح الشاطئية لا يرغب فى شئ جاد ويستغرقه الوقت فى الانتباه لقفشات المنولوجست حمامة العطار. يرفض عبدالحليم الدعم المادى الذى قدمه له محمد عبدالوهاب, ليعود الى البانسيون الذى كان ينزل به ويحزم حقائبه ليعود مكسور الخاطر الى القاهرة وفى البانسيون تستقبله تحية كاريوكا التى تقرر أن تستقيل هى أيضا من العرض الصيفى الذى تعاقدت عليه مع المعلم صديق صاحب المسرح الصيفى.

فى القاهرة يلتف حزن عبدالحليم حافظ مع شجن محمد الموجى فيعيد غناء الأغنية الذى رفضها الجمهور السكندرى وهى صافينى مرة ويسمع لحن (على قد الشوق) الذى قام به زميل الدراسة كمال الطويل على كلمات أغنية تم تأليفها بداية من كلمة غزل قالها كمال الطويل لحلوة تشترى كوز ذرة مشوى على الكورنيش السكندرى. فى القاهرة قام عبدالحليم لتغيير إسمه من عبدالحليم شبانه الى عبدالحليم حافظ اعترافا بفضل الإذاعى الكبير حافظ عبدالوهاب الذى آمن أن شجن الإحساس فى صوت عبدالحليم سيفسح له مجالا فى قلوب المستمعين ويأتى صيف 1953 ليتفق عبدالحليم مع زميل الدراسة أحمد فؤاد حسن على تكوين فرقة موسيقية باسم (الفرقة الماسية) لتبدأ بروفات احتفالات مصر بأول عيد لثورة يوليو 1953. يصر عبدالحليم على زى موحد للفرقة الموسيقية ويستأذن من يوسف بك وهبى ليقدمه بعد نشرة أخبار الحادية عشر وكان الحفل مقاما فى حديقة الأندلس القاهرية واستمع الجمهور لأول مرة لأغنية على قد الشوق لتتلوها أغنية صافينى مرة, ويحسن جمهور القاهرة استقبال ميلاد هذا المطرب الشاب. بعد نهاية الحفل يسير عبدالحليم حافظ بصحبة كمال الطويل من مسرح حديقة الأندلس الى حى بركة الفيل حيث كان يقيم عبدالحليم حافظ مع شقيقه إسماعيل شبانه فى حجرة على ساحة تضم عشرات الحجرات التى يستأجرها فقراء المدينة, فى اليوم التالى كان هناك اختبار الإذاعة بصوت عبدالحليم حافظ وكان يعلم أن لجنة الامتحان تضم محمد عبدالوهاب وأم كلثوم والشجاعى ومعهم أحد أساطين الموسيقى العربية صفر على الذى رفض تماما إنجاح عبدالحليم حافظ كمطرب بينما عزز نجاحه كل من محمد عبدالوهاب والشجاعى وقبلته أم كلثوم على مضض ولكن الإذاعى حافظ عبدالوهاب استطاع أن يحصل لعبدالحليم على الاعتماد كمطرب بالإذاعة.

كانت معدة عبدالحليم حافظ فى تلك الأيام تهضم الزلط ولم تكن أثار البلهارسيا التى أصيب بها فى قرية الحلوات فى الشرقية قد ظهرت, وكان أول عمل قام به عبدالحليم حافظ بعد النجاح الأول هو استئجار شقة بالجزء الشعبى بحى المنيل وكانت فرحته بالسرير المعدنى عالية وكان إصراره على أن تكون هناك صداقة بينه وبين البقال الموجود أسفل المنزل والسبب هو التليفون فالبقال عنده تليفون بالمحل ويمكنه أن يرسل أحد الصبيان لينادى عبدالحليم حافظ لو جاء لعبدالحليم تليفون من أى مكان وكان التليفون الأول الذى جاء هو من محمد عبدالوهاب والتليفون الثانى من إحسان عبدالقدوس كان صوت عبدالوهاب يرحب به كموهبه جديدة, وكان صوت إحسان عبدالقدوس يحذره من أن يبتلع موهبته محمد عبدالوهاب, كان تحذير إحسان عبدالقدوس واضحا لاتدع عبدالوهاب يهضم صوتك وموسيقى محمد الموجى وكمال الطويل. حفظ عبدالحليم الدرس جيدا وكان قد اختار أستاذا لتربية الإحساس بجمالية الكلمة ألا وهو الشاعر الكبير كامل بك الشناوى.

مضت أيام عبدالحليم وكأنه تلميذ فى مدرسة يتعلم فيها فن الإتقان. ومع عقد أول فيلم مع المطربة شادية دق النزيف جدران المرئ وارتبك عبدالحليم وقام بعرض نفسه على طبيب كبير الذى لم يستطع تشخيص سبب النزيف, وأصبح دخل حفلات عبدالحليم ينقسم الى نصفين النصف الأول للأدوية والنصف الثانى لتكلفة الحياة.

تمر الأيام لتنمو مشاعر وتم ثقل عشرات من قصص الحب على صوت عبدالحليم حافظ ليأتى يناير 1964 وعلى مائدة عشاء فى منزل السفير جمال منصور بباريس ليكون العشاء الأول الذى أحضره بصحبة هذا الفنان الكبير وأفاجئ به يعرف تفاصيل بعض ماكتبته عن حياة الفنان التشكيلى سيف وانلي, فأضحك مستغربا لطلبه أن أكتب تاريخ حياته فهو صديق لأعلام الصحافة الفنية كمال الملاخ وجليل البنداري, ويقول لى أننى لم أكتب عن سيف وانلى معزولا عن حركة نمو المجتمع وعرفت يومها كيف كان لعبدالحليم حافظ خلفية سياسية مع واحد من كبار الحركة اليسارية ألا وهو محى الدين سالم الشقيق الأكبر لصلاح سالم وجمال سالم أعضاء قيادة مجلس الثورة.

عدنا من باريس الى القارة ليصر عبدالحليم على أن يتواصل معى فأتواصل معه وتنشأ صداقة يرعاها عبدالرحيم السفرجى الخاص بعبدالحليم بسندويتشات الجبنة الرومى التى يتم تسخينها بالفرن لمدة دقائق, ولن أنسى طعم فتة الكوارع التى سمعنى عبدالحليم حافظ وأنا أطلبها من أمى فيدعونى فى اليوم التالى لواحدة من أرقى فتة الكوارع التى أكلتها, كان حنان عبدالحليم بغير حد, ولن أنسى أنه أشترى صندوق من المضاد الحيوى (البنتركسيل) والذى نصح به الأستاذ الدكتور محمد سفوح والرائع المعلم لأجيال من أساتذة الطب الدكتور عطية عبود لإبنى شريف الذى أصيب بأنيميا الفول, حيث قرر الأطباء منعه من تناول الفول المدمس طوال عمره, كانت حقائب عبدالحليم حافظ القادم بها من لندن أو باريس تزدحم بالأدوية للأصدقاء والأقارب ولكل من يطلب منه دواء وكان الدواء الأساسى لقلب عبدالحليم حافظ هو الاندماج فى أى قصة حب تقترب منه, ولكن سيدة القلب كانت لمن لايعرف أحد وصف زرقة أو اخضرار أو بنية عينيها ولكنها رحلت مبكرا من الحياة وظل حزنه عليها ملتصقا ممتزجا بالعتاب لأن بهانه والدته قد تركته لترحل الى العالم الأخر بعد أسبوع واحد من ميلاده وكان عليه أن يصبح مقاوما أمواج الحزن وهجمات النزيف ليمضى أيامه كلها فى حالة ترقب للخطر الدائم الذى يترصده وعلى سلم الشجن صعد عبدالحليم الى قمه التعبيرعن المشاعر, وكان يفرح حين أقول له انت الوحيد من مطربين الذى يعبر بصدق عن تفاصيل المشاعر فى أى قصة حب.

.........................................

فى كل يونيو أتذكر ميلاد عبدالحليم وأثق أنه غارق فى رحمة الحق سبحانه وتعالى فقد مات كشهيد على فراش المرض, وكان مرضه أستاذا معلما لأجيال من أطباء الذين درسوا كيفية انتصار على نزيف المرئ وتوابع وأثار البلهارسيا التى اختفت بحمد الله من مصر المحروسة, ولن أنسى كيف اقتحم توزيع مجلة صباح الخير أرقام مهولة عندما اختارنى عبدالحليم لأسوغ تاريخ حياته على صفحاتها.

فى كل يونيو ومع نسمات الصيف اشتاق الى شجن هذا الصديق الذى كانت أيامه هى الظلال التى تحمى كل قلب من شراسة سخونة الواقع الاجتماعى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق