رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رحيل

طارق عبد الوهاب;

1
هكذا أنت دائما ً .. تتعجل الأمور !

أخبرتنى رسالتها فى الصباح أنك قد أفقت، تباعدت أجفان عينيك لتفسح المجال لبصيص من النور كى ينسل إلى داخلك، أدرت مقلتيك فى كل الزوايا، وحين تقابلت نظراتك بوجهها سألت :

•« طارق « .. رجع ؟

أنستها فرحة استعادتك لوعيك أن تجيب، أمسكت بيدك الخالية من الأنابيب ومستشعرات النبض بين كفيها، قبلتها، وتمرغت بجبينها ووجنتيها فى تجاعيد أصابعك، ها أنت تعود لها كما كنت فى السابق، تغيب طويلا ً فى أسفارك، تشتاق لك، لكنك حين تعود تحملها كأميرة تراقص حبيبها فى ليلة عرس، تدور بها وأنت تردد :

«وحشتينى» ..

فتقول لك :

«وانت أكتر» ...

تبعثر على طاولة أيامها الحلوي، تلاعب ضحكات براءتها، تستذكر معها ما قد فات من دروس لا تفهمها، تسمع لحكايات شقاوتها، وترتب غرفتها ...!

كل شيء منذ إغماض عينييك قد تغير ..!

تلك الفوضى التى صارت تلتهم حياتها لم تجد من يتحداها أو يواجهها، ضلت طريق العودة إلى مرافئ الأمان، فما بين مسافر لا تدنيك غربته من أحضان تحتويك وبين وطن تعيش فيه اغتراب ذاتك ظلت قابعة فى انتظار أوبتك، تنظر إليك فى كل يوم عند موعد «الزيارة» من خلف زجاج نافذة مستطيلة لا تسمح لها بأن تشتم رائحة أنفاسك، تراقب اهتزاز صدرك، تساقط دموعها فى صمت حين يجيب الطبيب المناوب عن كل تساؤلاتها بجملة قصيرة «لا شيء جديد» ، وكعادتها لم تفقد نثار الأمل، تشبثت به أهدابها ونظراتها المستميتة فى تأملك، تدعوك أن تعود، وتدعو لك.

2

فى ذلك المكان البعيد ...

عند ضفاف الخليج الصامت ماؤه عن الوشيش كنت أخشى مطالعة الهاتف !

تلك الشاشة الصماء لا تأتى أحيانا ً بالأخبار السعيدة، ومعرفتى بك تجعلنى أخشى مما قد تأتى به الأيام.

( هكذا أنت دائما ً .. تتعجل الأمور ! )

كنت أقول لك، فتسخر مني، وتخبرنى أن أفضل شيء فى الوجود أن تكون سريعا ً فى اتخاذ قرارك .. وحاسما ً عند الضرورة .

سمح لى مرضك الأخير بأن أقترب منك أكثر، حين طلبت أن أكون جليسك فى أمسيات غرفتك، طالعت تلك السعادة على تقاسيم وجهك حين تلقاني، أدخل من باب الغرفة وأسألك عن أخبارك، أقاسمك عشاءك البارد الذى تأتى به الممرضة كل يوم فى السابعة، فلا تستسيغ طعمه، تأكل منه لأجل خاطري، وتشترط :

بس تقعد .. وتسمع إللى ها أقوله ...

أقول لك :

«وهل جئت فى الأصل إلا لذلك ؟! ..»

حكيت لى كل شيء عن أسفارك، تلك الصحراء التى اختطفت شبابك، عينت بها «مديرا ً للأملاك» تنوب عن الدولة فى عقد الصفقات، تبيع وتشترى لحسابها، وبحنكتك أمكنك أن تغادرها رجلا ً قد أبهر الجميع بنجاحاته، كلمة سر وشوشت لى بها رغم أن أحدا ً لم يكن معنا، فحفظتها وطمأنتك:

أوعدك .. هأعمل بيها .

يمر الوقت سريعا ً معك، وعندما يداهمك الوهن، تخبرنى بأنه ميعاد نومك قد حل، فأحكم غطاءك، أثبت محلول الملح على الحامل المعدنى وأرخى أنبوبه الممتد إلى ظهر يدك، أهديك أمنية بصباح يأتى بالخير فتقول لى :

«وأنت من أهله ...» .

3

فى صالة الانتظار وقبل دخول الطائرة بكثير انفلتت من عينى تلك الدمعات التى كانت تلح على الخروج وكنت أحبسها قدر ما استطعت، أجهشت ببكاء مسترسل جاهدت أن يكون فى صمت

( لم أكن أسامح نفسى على أنها لم تلحق بك .. ! )

سبعة أيام مرت، طلبت منى بعدها أن أطمئن، وأن أغادر ....

قلت لى :

« هأبقى بخير .. ما تخافش»

صدقتك ..

ودعتها، وودعتك، وسافرت !!

ظل القلق يصاحبنى كظل يلتصق بأطرافي، يقفز بين سطور الحسابات، يرتسم خطوطا ً فى لوحات الرسم، يفجأ عينى فيدفعنى لأن أتلمس أخبارك، أتردد قليلا ً، أتقدم خطوة، أتباعد عشرا ً ثم أضغط زرالاتصال بهاتفي، لكن الرنين ينقطع دونما إجابة، أقول لنفسى :

« ربما كان هاتفها بعيدا عنها ...»

«ولعله .. بخير»

( هل كان أوان افتقادك ـ مثلها ـ قد حل بى ؟!! )

منذ أن طالعت رسالتها الأخيرة لم أشأ أن أستمع إلى المزيد.

فأنت قد عدت إلى سابق عهدى بك ـ لاريب ـ يشع من وجهك النور، تستيقظ فى الفجر المعتاد فتصلي، وتعد الفطور، تأكل وحيدا ً، ثم تستلقى على كرسيك المفضل، تحضر هاتفك المحمول وتوزع صباحات النور على الجميع، تبدأ بها وتنتهى بي، متسائلا ً عن أخباري، ومتى أعود، فتقول لك :

« قرب يرجع ... «

تدعو لى وتغلق الخط متعللا ً بالخروج إلى أعمالك، تستقل قطارك إلى « البلد « لتعاين أحوال الأرض، مشروعك والمحصول، تحصل الإيجارات، وتدون فى أوراقك كل شيء، من أمهلته من المتعسرين، أسماء المحتاجين، تعود بما جاد به المولى من خير، وتحمد الله فى ظهيرتك على النعمة .. والستر !.

4

قالت البنت :

بابا .. عاوزة أقولك حاجة ...

كنت قد أخبرتها ألا تتصل بى فى وقت الدوام، وإذ فعلت .. تسلل الخوف إلى قلبي.

تساءلت : خير ...؟

إجابة مريرة، وكلمات كنت أخشاها ألقت بى فى خضم طوفان مهيب، تقاذفنى موجه كسفينة تحطم شراعها وانقادت إلى مصير مجهول، اخترقت قبضتى صلابة الحائط من أمامى محاولة استنطاق جماد أصم كى يجيب تساؤلى : « ليه ؟ ... ليه ؟»

استجديت البكاء .. ولكن لم تطاوعنى الدموع .. ظللت أردد فى ذهول :

« لا إله إلا الله» .. « لا إله إلا الله»

كيف لى الآن أن ألحق بك ؟! ..

وقد كنت أريد أن أراك ، أقبل رأسك وأستأنس بك ..!

( هكذا أنت دائما ً ... تتعجل الأمور ! )

حتى .. عند الرحيل !

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق