رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

زهور أوركيدا بيضاء

سمير الفيل;

تقدم لها عشرات العرسان، فقد كان جمالها يفوق الوصف، بضفائرها الطويلة الناعمة، المسترسلة خلف ظهرها، وبعينيها الضاحكتين، وبرقتها حين تخاطب الناس بأدب جم.

تقدم لها على التوالى : صيدلى له شقة تمليك، ومدرس فيزياء يعطى دروسا خصوصية بآلاف الجنيهات، ومندوب مبيعات وسيم جدا، يضع فى يده اليمنى حظاظة وفى اليسرى ساعة بلاتين، ولاعب كرة قدم فى دورى الدرجة الثانية، نشر عنه خبر وحيد منذ سنتين. تقدم لها رئيس وردية فى شركة شهيرة لنسيج السجاد، يصدر بالعملة الحرة منتجاته إلى أسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وبعده مهندس زراعى ورث عن جده ـ بعد موت الأب مصدورا ـ أكثر من عشرين فدانا هو وشقيقتان متزوجتان فى قريتهما، وبعده زارهم تاجر عملة تم حبسه مرتين بسبب تحويله للمحكمة بتهمة ضرب الاقتصاد فى مقتل. قبل هؤلاء جميعا خطبها صحفى كانت له زاوية يكتب فيها أسبوعيا، والزاوية طولها شبر ونصف.

لم توافق علياء على أى من المتقدمين، فقد كانت تنتظر ما هو أكبر درجة، وأعلى مرتبة، وهكذا دحرجتها الأيام ـ وهى الحاصلة على بكالوريوس التجارة الخارجية ـ من العشرين إلى حافة الثلاثين.

بعد طول ترقب جاءها دبلوماسى فى سيارة صغيرة، يحمل باقة ورد بيضاء، ومعه أب وأم وأخ منغولى . صمم على الذهاب مع العائلة، وكادوا يتركونه عند جيران لهم، غير أنهم خافوا أن يكسروا بنفسه فجاء معهم وهو مؤدب جدا إلا فى حالة واحدة هى رؤيته للقطط.

بالمصادفة كانت علياء تربى ثلاث قطط سيامى. ظل طوال الحديث الدائر بين الطرفين، يتنقل مطاردا القطط التى كانت تعرف طرق الاختباء فى الشقة لكنه كان يصمم على الزحف خلفها كلما اختبأت قطة تحت سرير هنا أو دولاب هناك، بالشقة، ليسحبها من ذيلها والقطط تموء .

يمسك أذيالها فتخربشه، ويموء مثلها . أمه كادت تضرب بالصوت، والأب صار فى نصف هدومه . لكن كياسة ولباقة الدبلوماسى جعلت الأمور تتم بأقل قدر من الخسائر.

دفع الزهور ناحيتها، وهو ينظر نحوها فى ثقة: أوركيدا.

سأله الأب : عندك شقة طبعا؟

سكت برهة، وخرج صوته ضعيفا : سآخذها معى إلى كوناكري، وحين نعود من المهمة، نجهز الشقة.

سألته الأم، وهى تحبك الفستان عند خصرها الذى بدا كجذع شجرة : والموبليا، الشبكة، المهر؟

قال الدبلوماسي: كل شىء ياتى فى وقته.

دفعت كل ما ادخرته ـ وهو كثير ـ فى مقدم شقة بالتجمع الخامس. شقة تشرح القلب، لها بلكونة واسعة وحمامان وأربع غرف.

أخرج صورة من العقد، قرأ بنود الاتفاق، ثم أخرج صورة فوتوغرافية ملونة، أطلعهم على البلكونة المطلة على الحديقة وحمام السباحة.

طلبت أسرة علياء مهلة للتفكير، وقد تعجلت الأم الرد حتى يتم عقد القران والزفاف فى فندق خمس نجوم قبل سفرهما.

كانت علياء قد اقتربت من الثلاثين، لكنها حسناء ولها شعر أشقر، وشفاه قرمزية، وطابع الحسن عند الذقن.

بعد أن هبطوا سلالم العمارة، وأصبحوا ـ أهل العروس ـ بمفردهم، شملهم صمت مرتعش أعقبه إيقاع خافت كذلك الذى يسمع فى جنائز شباب الميتين.

سألوا العروس عن رأيها، تركتهم ومشت ناحية مرآة الصالة، اضاءت المصباح، نظرت لعروق نافرة عند الرقبة، قلقت بعض الشيء، عادت متحيرة.

سألها الأب : هل هو عريس لقطة فعلا .. أخاف أن نضيعه؟

أجابت الأم وهى تحبس دموعا فى عينيها : الشاب لا عيب واحدا فيه. ليس بالشبكة او المهر، تبنى البيوت.

هرشت علياء رأسها وترددت قبل أن تطلق قنبلتها الأولي: لكننى ككل البنات ـ كنت أريد حجرة نيش لأضع فيها ما اشتريتموه من أطباق وأكواب كريستال غالية. هل هناك عروس بلا نيش؟

رمقت الأب الذى تعكر مزاجه: لقد أكل بمفرده نصف دستة جاتوه ؟!.

انبرت الأم مكملة الاتهامات: والأب تجرع زجاجتى مياه غازية؟!

كادت الأم تبكي، وهى تشاهد حلمها ينهار : دخلوا بالأحذية وهم يعرفون أن الوقت شتاء. والمطر يجعل الحفر مستنقعات . كيف نزيل هذه البقع ؟

قاموا فى وثبة واحدة، اتجهوا نحو الصالون، حملوا باقة الزهور البيضاء، طوحوا بها من البلكونة.

تنفس الأب الصعداء وهو يقول لابنته: كل شيء قسمة ونصيب.

أضافت الأم وهى تمسح كحلها الذى سال مع دموع النحيب : وفى كوناكرى يمكن أن يفترسك أسد ؛ فهناك حدائق حيوانات مفتوحة.

اغتصبت علياء ضحكة : ثم لماذا القلق، أنا لم أبلغ الثلاثين بعد. باق شهر ونصف.

أسرعت العروس بفتح التلفزيون فشاهدت لقطات من فيلم «الوسادة الخالية» وكان صوت فايزة أحمد يرن فى الصالة رنينا عجيبا.

لوحت الأم بيدها: سأشوح لكم بعض الفيشار لتأكلاه ساخنا.

قال الأب وقد انحنى ظهره بمقدار بوصة كاملة: بل سأنزل المقهى لأشاهد مباراة ريال مدريد مع برشلونة.

ذهبت علياء ثانية للمرآة، مسحت الأخضر والأحمر الذى وضعته على وجهها .

جاءها صوت الأم منكسرا : قمر والله العظيم. بس قولى يا نصيب!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق