رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الماء المسكوب

سامية دياب;

كدت أموت أسفا حين اهتزت يدى فانسكب بعض الماء على بنطال الرجل الذى يجاورنى فى مقعد القطار ذاهبة الى الجامعة التى التحقت بها وأنا أكرر له أسفى وحزنى حيث تضطرب الكلمات أتخيل الرجل الذى لمعت عيناه بدموع، رغم ابتسامة يجاهد أن يخفى بها ما فى نفسه من حزن لا تخطئه عين ذاهبا الى اجتماع هام يرأسه، ولم لا وهو الذى تشى أناقته وحسن مظهره أنه رجل مهم.

وأنا أكرر أسفى وقد شاركته عينى بعض الدموع أشار الى ألا أقلق.

لفنا الصمت برهة وأنا فى أسفى أتابع ابتسامته التى يفضحها ترقرق الدمع فى مقلتيه حتى بدأ حديثه بلهجة عرفت منها أنه من دولة تجاورنا.

كانت نبرات صوته يكاد يفضحها بكاء يخفيه ولم تمتد يده لإزالة ما علق ببنطاله من ماء.

أرجعتنى يا ابنتى أربعون عاما مضت.

صمت الرجل وأنا اترقبه فى حزن وأسف كنت اراقب التماع الدموع فى عينيه وتمنيت أن أزيل ما علق ببنطاله ولكن كيف؟

بنظرة منكسرة يتحاشى بها ما قد يفضح ما بداخله بعد دقيقتين أو أكثر استرسل فى كلمات بصوت خفيض يكاد من يسمعه يظن أنه يحادث نفسه.

حين كنت فى السادسة من عمرى أعيش فى مجتمع صغير بعيد كل البعد عن أى مدينة، ربما تسمونها عندكم عزبة, كنا نعيش حياة فقر مدقع يشاركنا فيه كل ما حولنا حيث لا يحتوى البيت من أثاث غير حصيرة من الخوص تسعنا مع كثرة أعداد أخوتى الذكور وبعض الأقفاص تؤوى حاجياتنا, لم يكن من حرفة أو مهنة يمتهنها مجتمعنا غير بعض الماعز وبعض الأبقار والحمر والقليل القليل كان لديه بعض الأمتار التى تصلح للزراعة.

لم يكن للتعليم نصيب حتى ولو فى مخيلة رجال العزبة أو نسائها, وكان نوع من الترف أن يجمعنا شيخ يعلمنا الحروف والقراءة والكتابة وبعض صور القرآن التى يحفظها، فلا أظن أنه يحفظ الكثير.

كان أبى على غير كل من يجاورنا يتمنى أن يرسلنا الى الدراسة البعيدة، رغم ما يتطلب ذلك من مال لا نملكه ومشقة السير.

حين همس فى أذن أمى بما يتمنى صاحت فى وجهه مستنكرة وهى تعلم أنه لا يملك إلا القليل من مال يتحصل عليه من بيع فى المدينة.

كنت أكبر أخوتى وكان حلم والدى أن يباهى أقرانه بابنٍ متعلم لا يقل عن رجال المدينة المتباهين بالبنطال والقميص الذى يعلوه، ويتكلمون بصوت خفيض، متعالين على أمثالنا أصحاب الملابس المزركشة، غير عابئ بسخرية من يعلم ممن يجاورنا حتى إن وصفوه بالجنون.

كانت المدرسة لا تقبل إلا من يلبس البنطال بلون واحد ولا يقبلون أمثالنا من أصحاب الملابس المزركشة.

وسط دهشة الجميع ارتحلت وأبى الى المدينة لشراء البنطال يتخير ما يعجبنى وهو يصفنى بالأستاذ حين يطلب رأيى غير ملقى بالا لسخرية البائع أو ضحكاته.

فرحا وضعت البنطال على أحد الأقفاص حالما بارتدائه صباحا، وأنا أجاهد أن أحسن طيه حتى لا يتكسر قبل أن يغلبنى نوما أذهب عنى رؤية البنطال وإن لم يفارقنى خياله فى حلمى وخيالى بالمدرسة التى سأذهب اليها وقد أرانى أبى فى رحلتنا للمدينة أسوارها وألوان طلائها.

كنت فى حلمى أرانى واقفا بباب المدرسة وقد منعنى رجل ضخم دميم الخلقة من الدخول وأبى يتوسل اليه حتى أبكانى بصوت عال، أفزعنى بكاء الحلم فأيقظنى صراخى ودقات قلبى المتسارعة.

حين خرجت من دهليز النوم كان أول ما شغلنى أن أنظر للبنطال حيث أودعته.

انتبهت لأخى الأصغر يتلمس البنطال وكأنه يداعب قطة ثم يقبله مرارا.

لحظات حيرة وأنا أرى أخى يقبل البنطال الوحيد بالبيت بهذا الشغف وهذا التمنى وتمنيت أن يشاركنى فيه ولم يكن قد وصل للعمر الذى تقبله المدرسة.

صمت الرجل برهة يبتلع ريقه أو لعلها كانت دموعه قبل أن يسترسل وأنا فى دهشة فليس فى الحديث ما يبكى حتى اللحظة، إن كنت شغوفة أن أسمع ما بقى من حكايته.

حين انتبه أخى لعينى المحدقتين له وللبنطال استعطفنى أن يرتديه دقيقة ثم يرجعه.

مددت يدى مطوقا كتفيه ووعدته بأن يرتديه بعد عودتى من يومى الأول فى المدرسة.

حين جهزت الدابة التى تنقلنا لأقرب موضع تقلنا سيارة منه الى المدرسة كان أخى يجلس بالباب جلسة القرفصاء ناظرا الى البنطال الذى أرتدى وهو يكرر على أنى وعدته ويرجونى أن أفى.

ظل أخى محدقا حتى غبت عن عينيه وهو يلح إلى أن خفت صوته فى أذنى وأنا ابتعد أن لا أنسى وعدى.

كنت مزهوا ببنطالى ومقعدى فلم يسبق لى أن جلست على مقعد خشبى نظيف بدلا من جلسة الأرض أو أكوام من روث الحيوانات الجافة بفعل الزمن أقارن جلستى بجلسة أخى أرضا وهو يستعطفنى ويودعنى ثم أتخيله بعد عامين هنا حيث أجلس.

حين انتهى اليوم الدراسى وانصرف زملائى كنت متمنيا أن أظل فى فصلى وعلى مقعدى فكنت آخر من غادر حيث ينتظرنى والدى بالباب.

جرى الى أبى فاردا أذرعه ودموع الفرح فى عينيه وبهجة يومى الأول تحتوينى.

فى الطريق لم يكن يشغلنى إلا أن أنظر للبنطال وخيال أخى الجالس القرفصاء بالباب ينتظرنى أن أوفى له بوعدى.

تركنا السيارة حيث منتهى طريقها ورجعنا بالدابة التى استودعناها أحدهم بجوار موقف السيارات.

لست أدرى ما الذى جعلنى أحس الكآبة والقلق مع خطوات الدابة التى تشبه النغمات الحزينة وأنا أتعجلها كى أوفى بوعدى الذى قطعته لأخى الجالس بالباب وعيناه اللتان خلتاهما لابد مثبتة صوب طريق قدومى.

لم يكن قد تبقى غير أمتار تقارب المائة حتى قفز أبى من على ظهر الدابة عدوا حيث جمع غفير امتلأ به المكان المتسع أمام بيتنا.

لم يكن يشغلنى سوى أن أبحث فى الجمع عن أخى لأوفى له بوعدى.

وأنا أبحث جاهدا انطلقت من خلف الباب صوت عويل أمى ليتبعها أصوات نساء العزبة جميعا.

عرفت أن أخى الذى كان ينتظر البنطال قد دهسته دابة متمردة فى المكان الذى تركته به.

كنت أحاول ويمنعنى الكثير أن أرى أخى حتى تمكنت من الوصول حيث الجثة ملفوفة بقماش أبيض قد أوثق من طرفيه.

علت صرخاتى وأنا أقول وأنتزع البنطال من على جسدى:

جئت يا أخى وهذا هو البنطال،جئت يا أخى لأوفى لك بوعدى.

ضمنى صدر أبى باكيا وهو يخبرنى أنه كان عازما على شراء بنطال له ويردد «ليتنى أخبرتك ليتنى أخبرتك يا بنى».

انطلقت صفارة القطار وكأنها عويل النسوة وأنا أرى أخى بمخيلتى ملفوفا بالقماش الأبيض.

اختلط عويل القطار والماء المنسكب على بنطال الرجل مع صوت شيخ عجوز فى الخلف يردد»من يؤلمك فراقه لا تبخل عليه بمشاعرك»

ظل الرجل يكرر بصوت خافت يسمع به نفسه «ليتك أخبرته يا أبى» وأشار الى بنطاله المبتل قائلا:

اليوم لدى منه الكثير ولم يعد عندى اخوه ولا بيت ولا وطن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق