رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«أزمة الإسكان» فى مصر ..نظرة عن قرب

الإسكان حجر الزاوية الأساسى فى الحياة المصرية. يمكنه أن ينجح ويفشل مخططات الزواج، كما ينشط الاقتصاد أو يبطئه، أوحتى يؤدى إلى رفع شعبية أو إحراج الحاكم. الإسكان أيضا قضية سياسية بامتياز، فقد ارتبط كل حاكم مصرى تقريبا على مدى الثمانين عاما الماضية بشكل مباشر بمشروع إسكان واسع النطاق واحد على الأقل. تم استخدام الإسكان الحكومى دائما كأداة لحشد الدعم السياسى أو لتهدئة الاضطرابات الاجتماعية. وهو أيضا ينطوى على جانب تجارى واقتصادى كبير، حيث تحتل مصر حاليا المرتبة الأولى عالميا فى بناء المساكن للفرد، وتقوم بالبناء بمعدل ضعف معدل الصين تقريبا، وتخلق فائضا فى الإسكان يصل إلى ملايين الوحدات. لكن على الرغم من كل ذلك، ظلت مصر فى قبضة أزمة الإسكان لما يقرب من ثمانية عقود.


فى كتابه «أزمة الإسكان فى مصر: تشكيل الفضاء العمرانى»، الصادر عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ يقدم المعمارى والباحث يحيى شوكت نظرة أكثر عمقا وتحليلا لتلك الأزمة على مدى ثمانين عاما فى جوانبها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، متتبعا السياسات التى استخدمتها الحكومات المتعاقبة وكيفية سن قوانين تنظيم استخدام الملكية الخاصة، وكيف بدأت أزمة البناء الذاتى والعشوائيات، والعلاقة بينها وبين سوق الإيجار والمبيعات. كما يتتبع تطور التخطيط العمرانى فى الريف والحضر وكيف تأثرت جميع أشكال الإسكان وأثقلتها عقود من السياسات التى تم دعمها لخدمة أهداف ومصالح معينة.

فى تتبعه لمشروعات «القرى النموذجية» التى تم بناؤها من أجل «المواطنين النموذجيين» يكشف سعى الحكومة للسيطرة على سكان الريف بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. شيدت تلك القرى أو العِزب (قرى خاصة كانت تقع فى مساحات وعقارات كبيرة لمالكى الأراضى)، والتى وجدت لإيواء جزء كبير من الفلاحين الذين حكموا بالوكالة بين أربعينيات القرن التاسع عشر وعام 1952. تلك الحركة مهدت الطريق لأشكال لاحقة من الإسكان الريفى الجماعى، القرى الجديدة، التى انتشرت خلال العصر الاشتراكى العربى (1952-1970)، وأعادت توطين عشرات الآلاف من الناس فى مخططات استصلاح الأراضى الصحراوية فى «مجتمعات نموذجية».

ليبدأ زوال السيطرة على سكان الريف عبر القرى الحكومية بحلول نهاية الألفية، ليحل محله ظهور معسكرات العمال الزراعيين الخاصة ــ ولادة جديدة لعزبة عمالية جديدة ــ لتكون نواة لولادة الإسكان الحكومى فى شكله التقليدى ليحلل شوكت من خلالها تطور الإسكان الجماعى الحضرى خلال القرن الماضى، متتبعا أصوله من (مستعمرات أو مساكن العمال) وبلدات الشركات التى بنتها الصناعة الخاصة منذ عشرينيات القرن الماضى، من خلال تعميمها فى الأربعينيات، وتحويلها إلى مجمعات سكنية حكومية بالخمسينيات من القرن الماضى لحل أزمة الإسكان. ثم التحول الكبير النهائى للإسكان الحكومى الجماعى فى أواخر السبعينيات، من الإيجار إلى الملكية ليتحول معها الإسكان الحكومى إلى سلعة سياسية، ودخول المستثمرين إلى القطاع الحكومى ليتقلص مفهوم الإسكان الحكومى كسلعة اجتماعية.

يناقش شوكت التطويرالذى تقوده الدولة فى سياسات الإسكان الحكومى.وكذلك مشكلات أشكال الحيازة غير الرسمية، فى مناخ يبدو بشكل متزايد وكأنه غير رسمى مصطنع، بحسب وصفه، فهو يتضمن الشكليات والطابع غير الرسمى الذى يتقاطع مع جميع أشكال الحيازة وكذلك الإسكان الذى يبنيه المالك أو الحكومة. فبقدر ما ينظر الكثير من المصريين اليوم إلى العقارات باعتبارها استثمارا آمنا ومضمونا، بقدر ما استفاد المستثمرون والمضاربون، من سوق العقارات غير المنظم لتحقيق ما يعتقدون أنه عائد مضمون. ومع ذلك، أدى تحرير ذلك القطاع إلى عدم القدرة على تحمل تكاليف ملكية العقارات، حيث أصبح أكثر من نصف المصريين غير قادرين على تحمل تكاليف منازل متوسطة السعر. كما يعرض أزمات مثل جزيرة الوراق ومثلث ماسبيرو التى تكشف مأساة الحيازة والملكية الخاصة، منتقدا مطاطية نصوص بعض قوانين الملكية وقانون نزع الملكية الذى يعود إلى مطلع التسعينيات، معتبرا أنه يمكن إساءة استخدامه بسهولة لنزع ملكية الأفراد الخاصة .

يبرز كيف تسامحت الحكومة مع ممارسات البناء الذاتى منذ عام 1957 على الرغم من مجموعة من القوانين التى تحظر ذلك كما تحظر الاستيلاء على الأراضى المملوكة للدولة. ويوضح أن تلك الأزمة كان سببها عدم قدرة الحكام على توفير سكن للشعب لذا تسامحوا مع الإسكان والبناء غير القانونى مما شكل نظاما فرضه الأمر الواقع لم يتم انتقاده إلا فى بعض الأحيان من خلال «عمليات الهدم الكاذبة» الشكلية وهو ميراث ثقيل تحاول الدولة حاليا التعامل معه بتصحيح الوضع عبر حزمة قوانين مثل قانون التصالح على مخالفات البناء أو قوانين تسجيل وإثبات ملكية العقارات التى رغم الجدل حولها، هى فى حاجة إلى نظرة أكثر شمولا وعمقا كى يمكن تطبيقها على الواقع الحالى

يستعرض شوكت أيضا التغييرات فى تشريعات الإيجارات من الأربعينيات حتى التسعينيات مابين الإيجار القديم والجديد، والآثار الرئيسية لذلك على الإسكان. يرى بأن تقنين الإيجار الجديد فى التسعينيات ضمن السياسات النيوليبرالية، ربما يكون قد ساعد بالبداية فى تخفيف أزمة الإسكان، لكن اليوم، ما يقرب من نصف المصريين لا يستطيعون تحمل الإيجارات المتوسطة. وفى الوقت نفسه، لا يزال أكثر من مليون منزل يخضع لقانون الإيجار القديم مع تزايد مطالب قلقة من أصحاب العقارات لاستعادة ممتلكاتهم للتحول إلى نظام الإيجار الجديد. 

يعتبر شوكت أن السياسات النيوليبرالية والفساد وسوء التخطيط هى أسباب أزمة الإسكان أكثر من الزيادة السكانية التى دائما ما يتم إلقاء اللوم عليها من قبل الحكومات المتعاقبة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق