رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نزهة الصديقين

أحمد مجدى همام;

كان أمامنا قرابة 20 كيلومترًا بحسب خريطة الجى بى إس على موبايل عبد الرحمن. قبل أن تنقضى نصف ساعة كنّا قد وصلنا إلى ميدان باب الشعرية، ومن هناك غادرنا السيارة وبدأ عبد الرحمن يسأل عن شارع أمير الجيوش، والذى اتضح أن سكَّان المنطقة يطلقون عليه اسم «النحَّاسين».

كان الشارع ضيقًا، لكن اللافت للنظر هو امتلاؤه من أوله لآخره، وعلى الجنبين، بمحلات وورش تصنيع الأوانى والقدور النحاسية، ولذلك صار معروفًا باسم النحَّاسين، وتلك الورش بدأت تطور عملها قبل سنوات وشرعت فى تصنيع العربات المعدنية لتقديم السندوتشات وأكل الشارع التى باتت منتشرة فى كل مكان فى القاهرة. عربات لسندوتشات الكبدة والسجق والهمبرجر والفول والطعمية والكريب، عربات أخرى للحلويات، وعربات ثالثة أصغر مخصصة لاحتضان مكنة تحضير القهوة والمشروبات الساخنة. عند أول مبنى قديم صادفنا فى الشارع، قال عبد الرحمن إنه كتَّاب وسبيل سليمان جاويش، كان للمبنى جلال رغم تهالكه الواضح. واصلنا السير بين ورش النحاس، وفى منتصف الشارع أشار عبد الرحمن إلى فوج من الطالبات يقفن أمام مبنى أثرى آخر، ينظرن منبهرات ويصغين لكلمات مرشدهن أو مدرسهن. رمانا المدرِّس بنظرة تفحُّص ثم هز رأسه وواصل شرحه فى التفريق بين الطرازين العثمانى والمملوكي، المرشد الشاب قال إن السُّبُل المملوكية تغطَّى بأسقف مسطّحة، عكس العثمانية المغطاة بقباب، والسبب فى ذلك أن العثمانيين فى الأناضول عاشوا فى أمطار وثلوج لا يحتملها سقف مسطح، عكس المناخ الجاف فى مصر والذى لا يحتاج إلى قباب. أما حمام الملاطيلى الذى كنا نقف أمامه بالضبط، فيعود أقرب تاريخ معروف لتأسيسه إلى سنة 1780، ويُنسب إلى الأمير المملوكى عز الدين معالى بن سويد. كان مبنى الحمام قديمًا كالقاهرة نفسها، وواضح أنه كان هناك دور ثانٍ جرى إزالته أو تهدَّم، وكان المرشد يشرح للطالبات أهمية الدور الثانى الذى كان يضم «المستوقد» حيث تجرى عمليات تسخين المياه، وكيف كان المصريون فى ذلك العصر يستغلون تلك المياه الساخنة إلى جانب الاستحمام فى الحمامات العامة، فى عملية تسخين قِدَر الفول.. أسرح بخيالى فيتراءى لى الحمام ضاجًّا بالمصريات الجميلات منتصف القرن الثامن عشر، بينما الخاطبة فى الداخل تعاين الأجساد الريَّانة وتجهِّز فى رأسها جداول بالعزَّاب المتاحين. وفى ركن آخر بين البخار الكثيف المتصاعد شابَّة مقبلة على الزواج وصديقاتها يكيسن جسدها ويدعكنه ويفركنه بالمراهم الموصوفة، ينتفن الشعيرات ويغسلن ضفيرتها بالزيوت، وعندما تنتهى مرحلة التجهيز وتخرج عائدة إلى بيتها يغنين لها: «يا خارجة من باب الحمَّام وكل خد عليه خوخة». أما على الجانب الآخر، فى حمَّام الرجال، فكان الأمراء يجلسون فى أحواض الماء الساخن ليضمنوا مفاصل ليِّنة وخصورًا رشيقة ومسامًّا مفتوحة. بين طبقات البخار يعقدون الصفقات ويشترون الجوارى ويوزِّعون الإقطاعيات ويحيكون المؤامرات الصغيرة.

ماجدة...

انتزعنى عبد الرحمن من الرحلة القصيرة إلى الماضي. كان فوج الطالبات قد بدأ فى التحرُّك إلى مبنى أثري. مضينا فى جولتنا فى الشارع، بعد مجموعة من المحلات والورش يقع كتَّاب وسبيل حسن الشعيبي، وهو الأثر الأخير فى شارع أمير الجيوش، ومن بعده يبدأ شارع أثرى آخر وهو شارع المعز، متحف مفتوح فى قلب القاهرة، قلبها بالضبط لدرجة أنه سُمى بـ «قصبة القاهرة».

انعطفنا يمينًا إلى المعز، محال عديدة لتجارة الشيش. على امتداد شارع المعز تنتشر أيضًا محلات لتركيب العطور المقلَّدة وبيعها فى زجاجات أصلية أو مضروبة. وهناك حضور خفيف لبعض المطاعم. لكن المشهدين الأكثر روعة هما جامعا الأقمر والحاكم بأمر الله. عند أسوار هذا الأخير انكتمت أنفاسي. بناء تاريخى مهيب. لفت عبد الرحمن انتباهى إلى درويش بثياب ممزقة مستغرق فى النوم على أحد أرصفة الجامع، بينما يتراص طلبة من كلية الفنون الجميلة حوله يرسمونه من زوايا مختلفة. كان هناك دكَّة حجرية واحدة شاغرة، جلسنا هناك، كنا قريبين من أبعد الرسَّامين الصغار عن الدرويش، يرسمه من بعيد.

سيب الراجل نايم. بقولك إيه يا فنان.. تاخد كام وترسمنا؟

تفاجأ الشاب بعرض عبد الرحمن كما فوجئت أنا أيضًا. رفع عينيه عن جسد الدرويش النائم وبحلق فى عبد الرحمن ثم ابتسم وقال:

200 جنيه.

50 جنيها.

150.

75 جنيها آخرى وهدِّيك علبة السجاير دي.

قلب الفنان الشاب الصفحة. لم ينهض، استخدم يديه ليستدير بحيث صار مواجهًا لنا، حدث كل شيء بسرعة، شبكت يدى فى يد عبد الرحمن.

كانت الساعة الثالثة أو أكثر بقليل، وكان الجو خريفيًّا مع لسعة برد خفيفة. السماء غائمة دون قطرة مطر واحدة، الكثير من الناس ارتدوا ملابس شتوية بأكمام طويلة، أمام فرقة أخرى ترى أن الشتاء لا يبدأ إلا فى ديسمبر، هؤلاء لا يزالون يلبسون فانلات خفيفة بأكمام قصيرة.

كان عبدالرحمن واحدًا منهم. أحسده على جسده الشاب غير المبالى بالبرد، يدى تستند على فخذه وكفِّى فى كفه. كان جسده يشع دفئًا ويغمرنى وجوده ببهجة لا أعرف ماذا أسمِّيها.

كان المارَّة يتفرجون علينا وعلى الرسام الذى بدأ يسحب من سجائر عبد الرحمن. لم أهتم بنظراتهم، كنت أشعر بفضول شديد لرؤية رسمتنا ومعرفة مستوى هذا الرسام الصغير. كان باقى الرسامين منهمكين فى رسم الدرويش الذى باغتهم فجأة واستيقظ، كان مشهدًا مضحكًا عندما قام الرجل فوجد كل هؤلاء يحملقون فيه ويحملون أوراقًا وأقلامًا، بعضهم يتربَّع على الأرض والبعض الآخر يستند إلى جدار أو رصيف أو حامل صغير أحضره معه. ابتسم الدرويش ثم هتف: «الله!» وهو يشير بسبابته إلى السماء ثم أخرج سيجارة من الجيب الأمامى لجلبابه، ناوله أحد الرسامين ولاعته، أشعل الرجل السيجارة ثم وضع الولاعة فى جيبه وولَّى الرسامين ظهره ومضى وسط خيبة الأمل وهو يهتف: «الله!». ضحكنا جميعًا. كان أكثر السعداء رسامنا الشاب الذى خرج بمشروع فنى مكتمل ومكسب مادي.

بعد مرور نصف ساعة تقريبًا قام الرسام الشاب عن الأرض، كانت ركبتاه قد تيبَّستا من طول التربُّع أرضًا، طقطق مفاصله وثنى ظهره وركبتيه مرتين ثم حمل الرسمة وأتانا بها. كانت تفوق توقعاتي، رسمة مبهرة بالرصاص لنا أمام جدران جامع الحاكم بأمر الله، تظهر تفاصيلنا، خصلات شعرى وثنيات بنطلون عبد الرحمن وكفَّينا المتشابكين. سَرَت فى جسمى رعشة. وبعد أن حاسب عبد الرحمن الرسام، أعطيته 100 جنيه أخري، تناولها وهو يتمتم بكلمات الشكر.

حملت الرسمة بحرص، وعدنا أدراجنا إلى شارع أمير الجيوش ومنه إلى السيارة المركونة فى ميدان باب الشعرية.

فى الطريق إلى البيت تنبَّهت إلى أننا لم نهتم بمعرفة اسم الرسام الشاب، استدرت لأعاين الرسمة الموضوعة بعناية على الكنبة الخلفية، كان هناك مجموعة من النقوش الصغيرة تبدو كتوقيع مبهم فى الزاوية اليمين من تحت، دقَّقت فيها فلم أستطع استيضاحها بسبب سرعة السيارة وهزَّات الطريق. طلبت من عبد الرحمن التوقف ونزلت مجددًا لأعاين اللوحة، كنت مفتونة بها. تحت عمود إضاءة سحبتها وقرأت التوقيع بوضوح: «الصديقان - مازن نصر - 16/11/2016».

فصل من رواية «موت منظّم» تصدر خلال أيام عن دار «هاشيت أنطوان»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق