رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى دراما رمضان: قضايا تشكيل الوعى فى مسلسلات جيدة

محمد حبوشة;

إذا كان رمضان قد أصبح مع شهر الدراما بامتياز، فإنه أيضا يمكننا القول بأن هذا الشهر قد أصبح موسما سنويا لكتابة التاريخ الاجتماعى والثقافى والفنى بشكل واضح فى ظل تنامى دور الدراما، ومدى تأثيرها فى الأجيال الحالية، والذى ينبع من أهميتها كمنتج إعلامى يعنى برصد الأحداث وتطوراتها وانعاكساتها على مجمل الحياة العربية العصرية، ومن ثم أصبحت الدراما كمعادل بصرى وثيقة تاريخية ومستنداً بصرياً للتاريخ بتقلباته.

.......



ولقد بات لمفهوم الدراما دور محورى فى حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفى «ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبي، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنساني»، وفى هذه المناسبة يقول أرسطو فى كتاب الشعر: «إن التاريخ يكتب الأحداث كما وقعت، ولكن الدراما تكتب الأحداث كما كان ينبغى أن تقع»، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف البحث فى العلاقة بين التاريخ والدراما، حتى أصبح المؤرخون وكتاب الدراما،لا يرون فروقا تذكر بينهما الآن.

ومع تجسد الأحداث اليومية أصبحت الدراما تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنسانى الحديث، حتى أصبح السرد التليفزيونى هو البديل المثالى لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث.

ومن ثم يطرح هذا السؤال نفسه على الفور: هل الدراما الحالية فعلا قادرة رسم المستقبل المنشود بحسب تعريف أرسطو؟

الواقع العملى كان يقول عكس ذلك تماما، قياسا بما عشناه من خلال مسلسلات رمضان فى المواسم الثلاثة الماضية، والتى حملت فى طياتها قدرا كبيرا من السلبية عن المواسم التى سبقتها على مستوى الموضوعات التى غرقت فى براثن العنف والغضب والغيبيات والتهويمات التى تخلط الدم بالصوفية فى سياق مخل، ناهيك عن مسلسلات رسخت لقتل الآباء وانتهاك الأمهات وسرقة المليارات، والذهاب بالخيال الواهى إلى داخل قصور فخمة، ومقاعد وثيرة ومخادع مخملية تخاصم أبسط قضايا البسطاء والمعذبين فى الأرض، وعلى جناح العشوائيات وأوكار المخدرات جاءت أعمال أخرى فى تكرار ممل يخاصم جماليات الفن ويصيب الناس بالأذى.

لكن هذا الموسم الرمضانى الدرامى حظى بعدد لا بأس به من أعمال يمكن أن تحقق المعادلة الصعبة فى صناعة دراما مصرية جاذبة ومؤثرة يمكن أن يتفاعل معها الشباب مثل الأعمال السبعة التالية، والتى أكدت أنه ينبغى أن تكون الدراما على هذا النحو الإيجابي، وهى : مسلسلات (الاختيار 2، هجمة مرتدة، لعبة نيوتن، ضل راجل، نجيب زاهى زركش، ولاد ناس، خلى بالك من زيزي)، فقد جاء مسلسل (الاختيار) مركزا على بطولات الشرطة المصرية فى مواجهة الجماعة الإرهابية، ووثق بشكل احترافى الأحداث كما وقعت دون حذف أو تزييف لواقع مر عشناه، ومازال راسخا فى ذاكرتنا بآلامه وأحزانه على شهدائنا الذين لولاهم ما كنا هنا نعيش بأمن وسلام وطمأنينة، وهذا فى ظل تأكيد واضح وصريح على الهوية المصرية.

وأبرز ما ميز هذا العمل الوطنى أنه أعاد الروح الوطنية من جديد فى عروق أمهات وأبناء وزوجات الشهداء الذين راحت أرواحهم فداء لهذا الوطن، وكشف اللثام عن أحداث (رابعة) المزعومة وكذلك أحداث (النهضة) اللتين تشدقت بسلميتهما الجماعة الإرهابية، ولعل المزج الذى أحدثه المخرج المبدع (بيتر ميمى) بين اللقطات الحية من قلب الأحداث فى شكل توثيقى بديع، مع المشاهد المعاصرة أثار حفيظة تلك الجماعة المشبوهة فقامت بماهجمة الحلقة الخامسة بشكل ضار، لكن الجمهور المصرى بوعيه تصدى لتلك الحملة الشرسة بكل أنواع السخرية والاستهانة بأفكارهم الشيطانية.

وفى إطار ذات التأكيد على الهوية والبطولة جاء مسلسل (هجمة مرتدة) ليكشف عن بطولات أسطورية خفية لرجال المخابرات المصرية فى الكشف عن جوانب المؤامرة الكبرى على مصر من خلال أجهزة استخبارات دولية، ودكاكين حقوق الإنسان التى استقطبت خونة الأوطان من الداخل، ودربتهم على ما يسمى التغير السلمى فى إطار خطة إسقاط الدولة المصرية من ناحية، وتنفيذ مخطط التقسيم الذى هندسه البريطانى الصهيونى (برنارد لويس)، وفى القلب منه تقسيم مصر إلى ثلاث دويلات على أساس عرقى ودينى.

ويأتى هذا فى تواز مع مسلسل (القاهرة ــ كابول) كسردية متميزة للكاتب (عبد الرحيم كمال)، ليكشف فيه عن جذور الإرهاب وأساس التكوين النفسى والاجتماعى الذى تربى عليه الأصدقاء الأربعة «رمزي، طارق، عادل، خالد) فضلا خلط مقصود بين البعد الاجتماعى والأحداث المفزعة فى أفغانستان ما كان له الدور المؤثر والقوى فى صورة رسائل وأفكار وفلسفات لـ «عم حسن»، الذى جسده ببراعة الفنان القدير (نبيل الحلفاوى بقدرة فائقة على كيفية توصيل رسائل للشباب عن قيمة مصر واللغة العربية والهوية الوطنية وحماية المولى عز وجل لهذا البلد الآمن على مر التاريخ والعصور المختلفة.

وعزفا على وتر الدراما الاجتماعية أيضا جاءت المسلسلات الخمسة الباقية بغلاف وظلال اجتماعية لعبت على أوتار المشاعر الإنسانية فى ثوب تراجيدى فائق الجودة على مستوى الشكل والمضمون والأداء، فها هو (تامر محسن) فى (لعبة نيوتن) يقتحم مشكلة معقدة (أطفال الجنسية الأمريكية) ويحلق بنا عاليا فى أجواء مشحونة بالتوتر والقلق ليعرج على قضية صحة عدة الطلاق والزواج الثاني، وبحكم خبرته تمكن من الإمساك بخيوط اللعبة الدرامية ليضع ممثليه فى قوالب تجلب الإثارة وشغف المتابعة، ومثل (لعبة نيوتن) يأتى (ضل راجل) على فراش تراجيدى غارق فى المبالغة المحببة ليثير قضية تمس حياتنا جميعا (الحمل سفاحا)، ليعرى أنفسنا أمام أبنائنا الذين نتركهم نهبا للتكنولوجيا الحديثة فيرتكبون جرائم تسيء لهم ولأهاليهم فى غيبة من وعينا.

أما (خلى بالك من زيزي) فقد نكأ جرحا غائرا فى نفوسنا وكشف عن أن نستوعب ما الذى ورثناه عن أهلنا وأهل أهلنا، ولا ندرى حدود وطبيعة ما تركه فينا الأهل والأقربون والجيران ولماذا عندما تكون تصرفاتنا عدوانية أو غريبة، لا نفسرها بشكل غير علمي، ودائماً عدوانيتنا وخيباتنا ومحطات فشلنا نتبرأ منها ونلقى بالمسئولية على أهلنا أو المحيطين بِنَا، وهم يردونها إلينا غير نادمين، لا يفهموننا ولا نفهمهم،وأهم ماكشفه هذا المسلسل مناقشته

لقضية يعانى منها الكثيرون من الشباب والأطفال والكبار وهى مرض ADHD أو فرط الحركة وتشتت الانتباه، ووحده يدفع الطفل الثمن دراسيا أو وظيفيا أو فشلا سواء فى علاقة حب أو صداقة أو زواج، بحسب المشاهد الرائعة فى ثنايا الحلقات، ولا ندرى فى النهاية أن المسئول الأول عن كل ذلك هو (الجهل) أى الأهل الذين استهانوا بطفولة أولادهم ولم يتعاملوا مع أى ظواهر غريبة بشكل علمي.

وفى ثوب درامى حمل كل جوانب التراجيديا على مستوى الفرد والمجتمع يأتى مسلسل (ولاد ناس) كاشفا وفاضحا لكل عوراتنا فى طريقة التعامل مع الأبناء وقضية الجشع عند المدارس الخاصة، وتراجع دور وزارة التربية والتعاليم فى مراقبة هذه المدارس التى تحولت إلى غول لا يتوقف عن نهش مدخراتنا، وأجمل مافى هذا المسلسل المواجهة الحاسمة بين أولياء الأمور وإدارة المدرسة على أثر حادث أتوبيس الذى نكأ الجراح وكشف غياب موسسات التربية فى البيت والمدرسة والمؤسسة التعليمة.

وقد برع الفنان (ماجد الكدوانى) فى أدائه لمشهد النهاية عندما قال بصوت مكتوم : ياريت نعرف إن الحياة مفيهاش أى حاجة .. لا فلوس ولا متعة تستاهل اننا نخسر عيالنا وهم لسه عايشين وسطينا، ثم التفت إلى يحيى قائلا: أنا أضم صوتى لصوت يحيى .. مش كفاية بس رخصة الأبوة .. لازم كل أب لما ضناه يتولد يشيله ويقف به قدام ربنا ووقف فى ثبات ورباطة جأش رغم حزنه على ابنه الوحيد ليتلو قسم الأبوة : أقسم بالله العظيم الذى رزقنى هذا الطفل وأوكلنى على رعايته أن أعمل جاهدا على نفسى ومنكرا ذاتى لأبنى فيه إنسانيته ليكون نافعا لكل عمل صالح لأهله ولوطنه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق