رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«مفاتيح قابلة للصدأ»

حاتم ممدوح;

عند باب الشقة، طالبتنى أمى برجاء أن أعاملها كالأطفال. قالت إنها تكره البشر وتخافهم الآن. بدأت أدير المفتاح داخل «الكالون». ابتعدتّ داخل الشقة حين أحست جديتى فى تحقيق رغبتها. بعد أول» تكة»

لم تطاوعنى يدى على اتمام الإغلاق. نظرتُ إلى المفتاح الذى لم يتغير عبر الزمن إلا من بعض الصدأ. عُدت إلى طفولتي. كان المفتاح جديداً، وكانت تذهب إلى عملها صباحاً، وكنت أتوسل إليها - إثر نفس الباب- ألا توصده، رغبةً منى فى رؤية العالم الخارجى الذى زهدتّهُ فيما بعد. غادرتّ وهى تعلم أننى سأنشغل مع أخى بوسائل الترفيه المتاحة حتى تعود. حينها قررت أن أسرق المفتاح، أن أكسره، لكننى أدركت الآن أنه عبد مأمور يصدأ وينقلب حاله مثلنا، ويخضع لمن يملكه. ها هى أحيلت إلى المعاش، وها أنا ذاهب إلى العمل، وها هو معلق على وضعه بالباب فى انتظار إشارتي. أوصده أم أرفض أن يدور الزمان دورته؟. يزداد قلقى حين أغوص فى مستقبل مظلم لى كحاضرها. أعلم أن ما تطلبه إرادتها فى الانعزال، وبصيرتها بما هو آت، والعودة لنقطة البداية فى دائرة الرحلة. رغم ذلك قررت إعادة « التكة»، والمغادرة دون أن أوصده. قلقت أن يصيبها الخوف بأن من يفعل ذلك شخص غريب، ولكننى فى النهاية فعلت. علق المفتاح ولم يعد إلى الوراء. لم أُدره للأمام مرة أخرى لمعالجة عُطله. قررت إخطارها بمكان النسخة الأخرى التى صنعتها لها كحل يرضينا. لكنها- بعناد أدركه - لن تعطى لأذنها القدرة على السمع. أتنصت الباب لعلها عادت لتتحسس خطوات المارين إثره كما كنت قديماً. لم تفعل وكأن الشقة المكان الوحيد الآمن. جلستُ بلا إرادة ولا قرار على درجات السلم. تذكرت كيف كانت تحتضن الحوائط حين تعود، وتقبلها بلهفة وشوق كأنها وطن عاد، أو ابن كان مفقودًا. تقول لى قبل نومها: البيت هو كل شيء، ولا راحة ولاحرية لإنسان إلا فيه، وما عساه الإنسان أن يكون من دونه؟. تساءلت عن معنى البيت والحرية؟، بحثت عنهما علي»الإنترنت». تمددت على درجات السلم كما لو كان الفراش. استغرقنى التأمل والتفكير والذكريات. فتذكرت حبى للعود، ورغبتى فى العمل بالعزف عليه، وما آل إليه حالى الآن من روتين وضجر. انسجمت فى القراءة، وسماع الأغاني، وتوهت فى منافٍ بعيدة، لم أخرج منها إلا وأنا أقرأ:

مدى أيدك ليه. فى المنفى البعيد

مدى أيدك ليه. من بين الحديد

وافرديها

واحضنى بنـورك جروحي

قبل ما تميل بروحى للغـروب

مر الوقت، ولم أغادر مكاني. ظلت عيناى مثبتتين نحو المفتاح الذى لا يعود إلى الوراء، ولم أحصل على جواب، ولم أستطع أن أعاملها كما طلبت!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق